islamaumaroc

ديوان البهاء زهير

  حسن الأمراني

العدد 236 رجب 1404/ ماي 1984

قال ابن عباس رضي الله عنه : إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعرا، (العمدة : 1/30) وتظل أشعار العرب كذلك ما لم يمسها تحريف أو تصحيف، وقد صنف العلماء في هذا الباب مثل كتاب (التصحيف والتحريف ) للحسن العسكري، وتناول هذا الموضوع الإمام ابن حجر في كتاب (شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)، كما اهتم علماؤنا بتمييز الصحيح من الزائف من الشر، وبتوثيق النصوص وتحقيقها تحقيقا عليا، وصنفوا في هذا العلم أيضا كتبا قيمة، ومن ذلك كتاب (الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ) للقاضي أبي الفضل عياض، وكتاب (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) لابن جماعة، وكتاب (المعيد في أدب المفيد والمستفيد) لعبد الباسط بن موسى بن محمد العلموي.
ومما يقوله القاضي عياض في (الإلماع : ص 159) :
(وأما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لا بد منها، ولا يحل للمسلم التقي الرواية ما لم يقابل بأصل شيخه أو نسخة تحقق ووثق بمقابلتها بالأصل، وتكون مقابلته لذلك مع الثقة المأمون ما ينظر فيه، فإذا جاء حرف مشكل نظر معه حتى يحقق ذلك). وهذا منهج رفيع في ميدان التحقيق، يقوم على مقابلة الفرع بالأصل، في وقت كانت لا تزال فيه للرواية مكانتها. ومعلوم أنه كلما تقادم العهد، ضعف شأن الرواية، وعلا شأن الكتابة، وهذا أمر نبه عليه عياض في كتابه. ولن نطيل في هذا الباب، فقد أردناه مدخلا للموضوع، وتكفي الإشارة إلى أن للمحدثين جهودهم في هذا المجال نذكر منهم على سبيل المثال عبد السلام هارون في كتابه (تحقيق النصوص ونشرها) وقد ظهرت طبعته الأولى (1374 هـ - 1954 م ) وأثبت المؤلف على غلاف الكتاب أنه (أول كتاب يظهر في هذا الفن يوضح مناهجه ويعالج مشكلاته)، وصلاح الدين المنجد صاحب كتاب (قواعد تحقيق المخطوطات). وإذا كان حرص الأقدمين على سلامة النص وتحقيقه وتوثيقه بعض ما رأينا، وإذا كان بعض المحدثين سار على نهج الأقدمين في الأمانة وقدر العلم، فإن بعض دور النشر عندنا تلقي إلينا كتبا، وقد أثبت عليها بعض العبارات مثل : (حققته نخبة من العلماء) أو (حققته لجنة من الأساتذة )، فإذا تقدمت في القراءة رأيت عجبا، وكان أفضل خروج هذه الكتب إلى الناس، دون تحقيق ولا تعليق، من أن تخرج إليهم على هاتيك الصورة. ولنا أن نتساءل : إلى متى ندع شبيبتنا نهب ما تلقي به بعض المطابع، دون رقيب (علمي)، فتعوج ألسنة كنا نريد لها أن تستقيم، وتفسد أذواق كنا نريد لها أن تسلم؟
حدثتني نفسي أن أستريح قليلا بعد طول عناء، فقلت لها : ما نجد أروح من ديوان شعر نأوي إليه بعض الوقت، وسرعان ما مددت يدي إلى خزانتي وتناولت ديوان البهاء زهير، وكان حريا أن يحقق بعض ما رجوت عنده، فإن لشعر البهاء بهاء، وهو لا يخلو من طرافة ودماثة، كقوله :
تكهنت في الأمر الذي قد لقيته        ولي خطــرات كلهن فتوح
فراسة عبد مؤمن لا كهانــة          ومن هو شق عندها وسطيح؟
وشق وسطيح، كما هو مشهور، كاهنان عاشا في الجاهلية الأولى.
ولكن الطبعة التي وقعت لي من ديوان البهاء، ردتني إلى حاق الجد، وكلفتني أن أصحح بعض ما ورد فيها من أخطاء. وعنوان الكتاب (شرح ديوان بهاء الدين زهير) وهو صادر عن دار الكاتب العربي ببيروت، وقام بشرح الديوان إبراهيم جزيني، وصدرت طبعته الأولى في ربيع الثاني 1388، تموز 1968. ولقد أردت أن أنبه على بعض ما ورد في الديوان من أخطاء، وصنفت هذه الملاحظات ثلاثة أصناف :
أولا : والأمثلة على هذا الصنف كثيرة، ونعني به الخلط الواقع بن الأبيات داخل القصيدة الواحدة، والخطأ في رواية الآيات أو ضبطها، ففي الصفحة (22) جمعت أبيات مختلفة الوزن متباينة المعنى، وهذا مثل ذلك :
جاء في حاجة وجئتك فيهـا  فأنا اليوم طالب مطلوب
فهلا سرت منك اللطافة فيهم  واعتدتهم آدابها فتأدبـوا
وواضح أن البيت الأول من الخفيف، وان البيت الثاني من الطويل، بالإضافة إلى تباين القافية. وكذلك كان الأمر في الصفحة (90). ومن الخطأ ما ورد في هذا البيت :
ولو لم يمكن إلا الحديث فإنه
يخفف أشجان الفتى ويريح
وصوابه : ولو لم يكن ...
ثانيا : "ويتضمن هذا الصنف، شرح الألفاظ شرحا غريبا، بعيدا عن روح النص الشعري، وهذه أمثلة له :
قال بهاء الدين :
وبشرت باليوم الذي فيه نلتقي  ألا أنه يوم يكون له نبا
قال الشارح : ص 24 (نبا : يقول أنه نفر منه ولم يقبله ويطمئن عليه).
وقد كان له من كل ذلك مندوحة، ويكفيه أن يشير إلى أن (نبا) أصلها مهموز، أي (بنأ ) فحذف الهمز، فصارت (نبا).
وقال البهاء :
ولكم كتمــت صبابتي  واللـه عــلام الغيوب
ورجوت حسن العفو منه  فهــو للعبــد المنيب
قال الشارح (27) : (المنيب : من يقيم مقامه وكيلا في أمر من الأمور، المطر الكثير، الحسن من الربيع ). وقد طوف بعيدا دون أن يعثر على المعنى المراد، رغم أن معنى البيت يتضمن معنى الكلمة، والمنيب هو التائب إلى الله، الراجع إلى ربه، من : أناب ينيب، وفي القرآن الكريم : (إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) سورة هود - الآية 75، (إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) سورة سبأ : 34.
وحين قال البهاء :
وكنت كسورة الإخلاص لما  عبرت، وكنت أنت كذي جنابه
شرح الشارح كلمة (جنابة) بقوله : أي كنت كالفرس السلس القيادة (ص 33)، وهذا من .غرب ما وقع له . وإغا اراد الشاعران الخاطب كان لأنه جنب ، والشاعر كسورة الإخلاص (ولا يخفى ما في اختيار سورة الإخلاص دون غيرها من السور من دلالة في هذا الوضع )، ولا يحق للجنب أن يمس القرآن، ولا أن يتلوه حتى يغتسل ويطهر.
وهو يشرح الحدب، من قول الشاعر :
أما من راح عن حالي  يسائل مشفقا حدبا
بالتعب، وليس الأمر كذلك، وإنما الحدب العطف، والإشفاق، ومنه : حدبت المرأة على ولدها، إذا هي امتنعت عن الزواج بعد أبيه رأفة به.
ويشرح المجتبي بمعنى المعتزل والمبتعد من قول الشاعر بهاء الدين :
قالوا صديقك قلت أعـ  ـرفه الصديق المجتبى
والاجتباء الاختيار والاصطفاء، وفي القران الكريم (الله يجتبي من يشاء ويهدي إليه من ينيب ) الشورى/13 وقال تعالى : "فاجتباه ربه فجعله من الصالحين" القلم /50.
والجد (بالفتح ) من قول البهاء :
والجد إن أمضى عزيمة ماجد
راح السكون ينوب عن حركاته
يشرحه بالنشاط، وليس كذلك فهذا بالكسر، وهو لا يستقيم مع معنى البيت، فهو فيه بالفتح ومعناه هنا الحظ، ومنه قول المتنبي :
ومالك تعنى بالألسنة والقنا  وجدك طعان بكل سنان
وعندما قال زهير:
يحكي الغزالة بهجة وتباعدا  ويقول قوم مقلة ومقلدا
قال الشارح : (المقلد هو السيد الذي أنيطت به قيادة الأمور) (ص 69).
وليس كذلك، وإنما المقلد العنق، أو هو - بالتدقيق - موضع القلادة من العنق.
وقال إن المقصود بالمقتصد هو القنا الحاد في قول الشاعر :
الحالبين البدن من أوداجها         والموقدين لها القنا المقتصدا (ص 70).
والمقتصد من القنا المتكسر، قال قيس بن الخطيم :
ترى قصد المران تهوى كأنها  تذرع خرصان بأيدي الشواطب
وأما الحبرة، من قول الشاعر :
وبيننا من أحاديث مزخرفة  ما يخجل الروضة الغناء والحبره
فهو يشرحها بسعة العيش (ص89)، والحبرة ثوب مرقش يمان، وهو المعنى المناسب للبيت.
ومنه قولك : حبره أي زينه ورقشه ونمقه، وكان معاوية، رضي الله عنه، إذا أراد أن يسمع شيئا من شعر قيس بن الخطيم قال : انشروا علينا حبرات قيس. يقول ذلك لجودة شعره.
ونختم الحديث عن هذا الصنف بما ذهب إليه شارح الديوان من أن الوتر هو الظلم في العداوة أو الانتقام، (ص 99) وذلك في قول الشاعر :
ورد عل المحراب منها صلاته  وكم بات مشتاقا إلى الشفع والوتر
وهذا المعنى، وإن كان موجودا في اللغة، إلا أن البيت يستصرخ منه، ولأن الشارح نسي قول الله عز وجل في سورة الفجر : "والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسري هل في ذلك قسم لذي حجر" أو غاب منه ما جاء في الأثر : (اجعلوا آخر صلاتكم وترا)، وقد أوغل في طلب المعنى، ولكنه أفلت منه.
ثالثا : وأما الصنف الثالث، مما ينبغي الوقوف عنده، فمتعلق بالمعاني العامة للأبيات التي (تكشف عن مظاهر الثقافة العربية بألوانها المختلفة ) مما أشار إليه الشارح في المقدمة التي كتبها للديوان (ص 6) ولكنه لم يستفد من تلك الإشارة كثيرا. ومن هذا الصنف قول الشاعر : خليلي عوجا بي على الندب جلدك  أقض لبانات الفؤاد المعـذب
فتى ما جد طابــت مواهب كفه  فلا تذكر إني بعدها أم جندب
قال : (عوجا بي على الندب : سرا بي على آثار ديار الحبيب - أم جندب : كنية حبيبته) (ص 21).
ولو استنجد بأقرب ألوان الثقافة العربية إلى ميدانه، إذن لأسعفه في حل ما توهمه معضلا. فمن مظاهر الثقافة العربية القريبة، التي يكشف عنها البيتان، قول امرئ القيس :
خليلي مرا بي على أم جندب  نقض لبانات الفؤاد المعذب
فأم جندب إذن ليست كنية حبيبة البهاء ولكنها كنية زوج الملك الضليل. وجلدك اسم الممدوح، وإذ وصفه بالندب فقد أضفى عليه صفة النجابة، فكيف يستقم بعد هذا، القول بأن الشاعر يقول "(مرا بى على آثار الحبيب ) ؟ ثم إن البهاء يؤكد في البيت التالي أن عطايا الممدوح تسليه عن الغواني، (وقد رمز للغواني بأم جندب، شاغلة امرئ القيس).
ثم جاء إلى قول بهاء الدين :
يا ذا الندى والمعالي  والعشرة المستطابة
ورب راية مجــد  قد كانت فيها عرابه
فقال : (عرابه : أي كنت شاهدا على انتصاره وسموه ) (ص 32) فلم يزدنا بما قال علما، ولم يستطع أن يدرك إشارة البهاء إلى البيت المشهور :
يا معجز الأيام قرع صفاته         ومجمل الدنيا بحسن صفاته
يا أحنفا في حلمــه وثباته          بل حارث الهيجاء في وثباته
من إشارة ذكية، فمضى يقول : (أحنف : عنى به المعوج ) (ص 40) وما درى أن فهمه كان معوجا، فلقد أراد الشاعر أن يضفي على هذا الممدوح الذي جعل الأيام عاجزة عن قرع صفاته، مثلا في الحلم وفي الإقدام، فشبهه بالأحنف بن قيس، وكان يضرب به المثل في الحلم والثبات، كما شبهه بالحارث بن عباد، وهو مشهور بوثباته وإقدامه، إذا احتدم الوغى، وقد ذكر أبو تمام هذين الرجلين في شعره، فقال في الأحنف، وهو يمدح أحمد بن المعتصم :
إقدام عمرو في سماحة حاتم        في حلم أحنف في ذكاء إياس
وهو يعني بهؤلاء، والله أعلم، عمرو بن معديكرب، وحاتما الطائي، والأحنف بن قيس، وإياس بن معاوية القاضي. وحين أنكر عليه قوم من حساد« بقولهم : الأمير فوق ما ذكرت، قال على البديهة .
لا تنكروا ضربي له من دونه       مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره         مثلا من المشكاة والنبراس
وأما الحارث فقد ذكره أبو تمام في قوله :
كم وقعة لي في الهوى مشهورة  ما كنت فيها الحارث بن عباد
وكان الحارث بن عباد فارسا شاعرا، وهو الذي يقول عن احد أيام العرب في الجاهلية :
لم أكن من جناتها - عا اللــ  ــه - واني بحرها اليوم صال
ومن أغرب ما وقع في هذا الصنف، شرح الشارح لبيتي البهاء :
كنت أشكو البعاد حتى التقينا  فأنا اليوم شاكر للعباد
فمل القرب فوق ما فعل البعــ  ـد بقلبي من شدة الأنكاد
يقول : (المعنى : يشكر البعد الذي أصبح قريبا وجمعه إلى حبيبته ) (ص 78)، وهل يقول هذا لبيب، أو يفهمه ؟
ونختم هنا الباب بما قاله عن قول البهاء رحمه الله :
فخذها على ما حيكت ابنة ساعة        أتتك على استحيائها تتعثــر
قال : (ابنة ساعة : الفتاة العابرة ) (ص 104)، ولعل من حقنا بعد أن نعجب، فالبيت دال على أن الشاعر قد رضي لنفسه في صناعة الشعر طريقا غير طريق أبي تمام الذي يقول عن القصيدة :
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى  والليل أسود رقعة الجلباب
وهذا بيت يقوله أبو تمام من قصيدة يمدح بها مالك بن طوق التغلبي. وكأن بهاء الدين حين يجعل قصيدته ابنة ساعة، أقرب إلى روح أبي الطيب الذي يلقي قصائده (شوارد) وإن كان (يسهر الخلق جراها ويختصم ).
وبعد، فما تلك غير خطرات خطرت، وأنا أقرأ ديوان بهاء الدين زهير، وما أردت الإحاطة، وإنما اقتصرت على اللمحة العابرة، عسى أن تنهض طائفة من الأمة المجتباة بأعباء إخراج تراثنا العلمي والأدبي إخراجا علميا رصينا رزينا، يفيد منه أبناء هذه الأمة، ويفيد منه كل من يريد الاطلاع على تاريخ وتراث هذه الأمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here