islamaumaroc

ماذا يعرف الرضيع ؟ [ترجمة]

  أحمد عبد السلام البقالي

العدد 236 رجب 1404/ ماي 1984

مقدمة :
بدأت تتردد في الأشهر الأخيرة صيحات عالية من عدد من المفكرين المغاربة والعرب، من الوسط الجامعي، تنادي حكوماتها بتأسيس مخابر للبحث العلمي، منذرة بأننا إذا لم نفعل، وفي أقرب وقت، فإن ركب الحضارة السريع سيفوتنا إلى غير رجعة.
ومنذ قدومي إلى المغرب في أوائل السبعينات وأنا أقرع هذا الجرس بحدة، فالبحث العلمي في هذا العصر يمكن تشبيهه بالترجمة التي أقبل عليها الأوروبيون في (طليطلة ) بالأندلس للعلوم، والفلسفات، والآداب العربية، في ذلك العصر، فبدونها كانت لتقوم لأوروبا قائمة.
وإذا كان البحث العلمي يقترن في أذهاننا بالتكنولوجيا، والفيزياء والبيولوجيا، والطب وغيرها من العلوم الدقيقة والجافة، فإنه، في الحقيقة، أوسع من ذلك بكثير.
وفي هذا البحث الذي جمعه لمجلة (تايم ) الأمريكية فريق من مراسليها بالولايات المتحدة وأوروبا من المختبرات الطبية، نجد البحث العلمي يسبر غور مرحلة مجهولة في تطور الكائن البشري، وهي مرحلة الصبا المبكر. وهو ميدان يشترك فيه الطب، وعلم النفس، والتربية.
وهذا يدل على أن البحث العلمي لا يقتصر على ميدان بعينه، بل هو ضروري لتزويدنا بالإجابات الصحيحة عن ملايين الأسئلة التي يثيرها التطور الحضاري السريع، والتي لابد من معرفتها مسبقا للسير في الطريق الصواب. وتوفير التبذير الذي يسببه التردد، والارتجال، والتخمينات العشوائية، والافتراضات الخاطئة للطاقة والمال، والجهد البشري في المجتمعات النامية.
ونحن، إذ ننقل ثمرة هذه الجهود العلمية التي صرف فيها الكثير من الوقت، والجهد، والمال، نشكر أولئك المئات، بل الآلاف من الجنود المجهولين من العلماء الباحثين الذين ساهموا في ارتياد هذا الحقل المجهول.
الميادين يحاربون من أجل اختصاصاتهم. فأطباء النفس يختلفون كثيرا في آرائهم عن أطباء الأعصاب. والرأي في كثير من الحالات شخصي، كما أن الأطفال يختلفون كأنداف الثلج.
وقد بدأ البحث يرجع تدريجيا إلى الوراء من الطفولة المتأخرة إلى الطفولة المبكرة، بل وحتى إلى ما قبل الولادة، فأدخل طبيب ولادة فرنسي، مثلا سماعة إلى رحم امرأة على وشك الوضع، وسجل ما كان يسمعه الجنين، كان عبارة عن نبض قلب الأم العالي، وغرغرة المعدة والأمعاء، وأصوات الأم وطبيبها مكتومة، ولكن يمكن تمييزها، ومن بعيد كانت تسمع بوضوح نغمات سمفونية (بيتهوفن) الخامسة.
والعائق البين الذي أخر البحث العملي حول الوضع هو أنهم لا يستطيعون الكلام، ولا يستطيعون التعبير عما رأوا أو فكروا، كانت النتيجة هي الاعتقاد السائد بأنهم يرون قليلا، ويفكرون أقل. ولكن ذلك الاعتقاد كان مبنيا أساسا على تذكر الكبار الغامض لماضيهم. وحتى سنة 1950 لم تكن إلا ملة قليلة من علماء النفس يبحثون عن طرق مخبرية لاكشاف ما يمكن أن يتعلمه الرضيع وقد توصل عالم النفس (روبيرت فانز)، سنت 1959، إلى كشف هام بين فيه أن افتتان الرضيع بالأشياء الجديدة يمكن تحويله إلى شكل الكلام الصامت. ولاحظ (فانز)، على الخصوص، أن الرضع كانوا يحركون عيونهم حتى يريهم شيئين مختلفين، وقاس بدقة ما كانوا ينظرون إليه، والمدة التي يستغرقها ذلك، فأظهرت تجاربه أن الطفل إذا خير بين لوحين فإنه يختار لوح الشطرنج على اللوح العادي ذي اللون الواحد، ولوح الرماية المتعدد الدوائر على ذي الخطوط العادية، وعلى المعوم، يفضل المعقد على البسيط. يقول (مايكل لويس) من جامعة (روتجرز) : «من مثل هذه الملاحظات الأولية ترعرعت نتائج ذات أهمية مرعبة ».
وما أن اكتشف العلماء الطريقة الأساسية حتى انفتح أمامهم عالم كامل من الأبحاث التي لم تجرب من قبل، فبفضل التكنولوجية الجديدة أمكن ابتكار اختبارات كانت مستحيلة قبل ذلك بجيل واحد. فعلى المستوى الابتدائي جدا يمكن جهاز الفيديو علماء النفس من تسجيل تلوي الطفل، ويبين أنه غالبا ما يتحرك على إيقاع صوت أمه. وعلى المستوى الأشد تعقيدا، يستطيع الجراحون بمستشفى (يرينتس للنساء) بشيكاغو أن يشخصوا مرض الهيدروسيفالوس Hydrocephalus .
(مرض يصيب المخ من زيادة في سوائل المخ والعمود الفقري) في الجنين، وبمد ذلك يدخلون أنبوبا من البلاستيك في رحم الأم ثم في رأس الجنين لامتصاص فائض السائل داخل دماغه. يسترشدون في هذه المتحدثات التكنولوجية بذلك الجهاز الكلي الوجود، الكومبيوتر، الذي يستطيع تقليد صوت الأم صناعيا، بنفس السهولة التي يقيس بها حركات العين أو يحسب المرات التي يمص فيها الرضيع من الحلمة.

الأحاسيس:
وأول منطقة اجتذبت عددا من الباحثين هي أحاسيس الطفل الحديث الولادة التي كان يعتقد أنها لا تمثل إلا رغبة الجائع في الطعام. وقد أظهرت الاختبارات المنتظمة بسرعة أن الطفل لا يدرك أشياء كثيرة فقط، بل وله اختيارات متميزة في كل شيء.

حاسة الذوق:
وقد اكشف عالم الفيزياء العصبية (Neurophysiologist) (جاكوب ستايز) أن الوليد الذي لا يزيد سنه عن اثنى عشرة ساعة، والذي لم يذق بعد حليب أمه، يغرغر بحبور حين توضع قطرة من ماء السكر على طرف لسانه، ويكثر من قطرة ليمون. ومن الأسرار الغامضة، أن الوليد الجديد يبتسم بابتهاج كبير حينما تلوح بليقة قطن مشبعة بقطير الموز تحت أنفه. ويحتج ضد رائحة البيض المتعفن. وهناك روائح أخرى معروفة عند الرضع بأنها (طيبة ) مثل رائحة الفلانيلا، وأخرى بأنها (خبيثة)، مثل رائحة الربيان.

حاسة البصر :
ويخرج الوليد من ظلمات الرحم بأحاسيس بصرية بدائية. ويمكن تصنيف قواه البصرية بأنها 20 على 500 أي أنه «قانونيا أعمى»، كما عبر عن ذلك أحد الخبراء إلا أن البصر يتطور عنده بسرعة. الحديثو الولادة يبدأون بالنظر إلى حواف الأشياء، مستكشفين لها. وحتى حين تنطفئ الأضواء، كما تظهر آلات التصوير الليلية، يفتح الطفل عينيه على مصراعيها ليستمر في استكشاف محيطه، وحين يبلغ سنه ثانية أسابيع فإنه يستطيع التمييز بين الأحجام الأشياء والألوان. (مفضلا بشكل عام الأحمر ثم الأزرق) وفي نهاية شهره الثالث، يبدأ في كسب الإبصار المجسم STREOSCOPIC (او المجسامي).
واختبار هذه التصورات يمكن أن يكون معقدا. فمثلا، في مختبر الطفل (بمعهد التكنولوجيا بماساتشوستس M.I.T.) برمج خريج جامعة طوكيو (شينسكي شيموجو) عقلا اليكترونيا ليعرف ما إذا كان الوليد (ويتني وارن)، البالغ سبعة أشهر من عمره، يستطيع أن يميز بين قضيب مستقيم وآخر منبعج قليلا. وكان العقل الإليكتروني يجعل انبعاج القضيب الثاني يتحرك قليلا. فإذا استطاع (ويتني) أن يرى الإنبعاج، فإنه سيرى حركته، وقد استطاع (شيموجو)، وهو مقع خلف الجهاز أن يرى عينيه تتحركان. وأغلب الأطفال كانوا يبصرون الحركة بسهولة.
ورغم أن قيمة هذه التجارب مقصورة على فئة خاصة، فإن في إمكانها أن تكون ذات أهمية علمية فورية، فبعض الأطفال يعانون من أمراض العيون مثل السد أو اعتام العين، واللابؤرية ، Astigmasim، (وهو مرض يصيب العدسة ويمنعها من بوأرة الأشعة ) والحول، وكل هذه أمراض أصبحت تستفيد من العلاج المبكر بشكل لم يكن ممكنا من قبل. وليس أقل أهمية ما أظهره البحث الجديد من أن ضعف البصر قد يؤذي تلك الأطراف السريعة النمو من الدماغ والتي تعتمد على المعلومات البصرية. وقد يتحول ذلك الضرر إلى عطب دائم للمخ إذا لم يعالج مبكرا.

حاسة السمع :
وخلافا للعينين، فإن أذن الطفل تبدأ عملها قبل أن يولد، فالوليد يأتي مزودا بجهاز كامل من الإستجابات السمعية. وقد أثبتت الاختبارات، منذ الستينات، أن الأطفال الرضع ينامون في مدة اقصر على تسجيلات أصوات نبض القلب البشري، أو أي صوت إيقاعي شبيه به. كما بينت بعض الدراسات الحديثة أن الرضيع في وقت ولادته يفضل أصوات الإناث، وأنه بعد أسابيع قليلة، يستطيع تمييز صوت أمه.
كثير من الأمهات يعتقدن أنهن يستطعن فهم أنواع مختلفة من بكاء صغارهن )وقد أثبت اختبار مخبري مراقب سنة 1973 أنهن لا يستطعن ذلك) وأنهن يعتقدن جازمات أن بإمكان صغارهن فهم تمتماتهن وهمساتهن. وربما كان ذلك صحيحا. ورغم أن الأطفال، عادة، لا يستطيعون قول أي شيء واضح أو متقن قبل بلوغ السنة الأولى، فقد أثبت العالم النفساني (بيتر ايماس) من جامعة (براون ) أن صغارا لم يتعد عمرهم أشهر أمكنهم التمييز بين الأصوات في أي لغة تقريبا. وأنهم يملكون "قدرة عالية" على تصنيف الأصوات في درجات مختلفة. يقول (ايماس ) «إن الطفل يعرف بالفعل نوع الأصوات التي يقصد بها الاتصال » ويقول : «أنا لم أسمع أبدا طفلا يقلد صوت ثلاجة مثلا، لذلك فالطفل يمنح كل طاقته في تعلم قواعد اللغة.

الذكاء :
وتتبع أصول اللغة إلى الصبا المبكر وسيلة هامة لفهم ذكاء الطفل وليس أقل أهمية من ذلك اكتشاف أن ذلك الذكاء يبدأ عمله قبل توفر اللغة كأداة بمدة طويلة. وقد كان العنصر الأساسي في هذا الإكتشاف هو محاولة الطفل تقليد حركات وجه أمه، وقد صرح (جان بياجيت). العالم النفساني السويسري الشهير الذي ارتاد هذا الميدان بدراسات إضافية عن أطفاله الثلاثة، أن ذلك التقليد لحركات الوجه يبدأ فقط بين حوالي الشهر الثامن والثاني عشر. وقبل ذلك لا يكون الطفل يفهم أن وجهه شبيه بوجه أمه.
وقد ذهبت (أولغا - ماراطوس )، وهي طالبة يونانية كانت تجري تجارب على رضع سنهم سبعة أسابيع، لنيل شهادة الدكتوراة، إلى منزل (بياجيت) في يوم مثلج من أوائل سنة 1973 لتخبره بتقدمها في تجاربها، وقالت :
«هل تتذكر ماذا أفعل ؟ أنا أخرج لساني للأطفال الرضع، وهل تعرف ما يفعلون ؟".
فهمهم (بياجيت ) : «قولي لي». فأجابت : «إنهم يخرجون ألسنتهم لي كذلك، ما رأيك في ذلك ؟».
ونفث الأستاذ الموقر دخان غليونه لحظة، وهو يتدبر التحدي الموجه لنظريته، وقال :
"أعتقد أن ذلك عمل وقح !" ولم ينشر بحث (ماراتوس)، لذلك ذهب الفضل في هذا الكشف، بالدرجة الأولى، إلى عالمين نفسانيين شابين يدرسان الآن بجامعة (واشنطن ) وهما (اندرو ميلتزوف ) و(م . كيث مور). وقد بينت أبحاثهما التي نشرت سنة 1975 أن صبيانا لا تتجاوز أعمارهم اثني عشر يوما يستطيعون تقليد الكبار بإخراج ألسنتهم، وأوضح (ميلتزوف ) و(مور) أن الصبي إذا كانت في فمه رضاعة تمنعه من تقليد الكبار فإنه يتذكر ما كان يريد أن يفعل، وحين تنزع الرضاعة من فمه، فانه يخرج لسانه في الحال.
وقد أثارت تجارب (ميلتزوف) و(مور) كثيرا من الشكوك مما جعلهما يعيدانها بإتقان أكثر سنة 1981، مزيلين كل غموض، ومستعملين أطفالا أصغر سنا. ويذكر (متزوف) أنهم أخذوا طفلا بعد ميلاده بخمس وأربعين دقيقة، والدم ما يزال عالقا بشعره، ويقول "غسلناه"، واختبرناه، فوجدنا أنه حتى الحديثي الولادة يستطيعون تقليد الكبار.
وقد أثبتت هذه التجارب قدرة الطفل المبكرة جدا على ما يسميه علماء النفس «بالإدراك الشرطي المتبادل" ( Intermodal Perception) ومعناه الجمع من إدراك المخ لنشاطين مختلفين، وفي هذه الحالة : النظر، وحركة العضلات اللذان هما أول شكل للتفكير، وكما قال (كيسن) من جامعة (ميل ) : «أثبتت السنوات الخمس عشرة إلى العشرين الماضية أن للطفل عقلا. وسيتم في السنوات القادمة معرفة كيف يعمل ذلك العقل».
وقد تابع (ملتزوف ) استكشافه «للإدراك الشرطي المتبادل» بتجارب مختلفة على النظر واللمس. فأعطى رضاعات عادية لجماعة من الرضع الذين تبلغ أعمارهم شهرا واحدا، ورضاعات أخرى عليها نتوء لجماعة أخرى. وجعلهم ينظرون إلى أشكال الحملتين، كانت النتيجة أنهم ينظرون إلى الحلمات ذات النتوء التي لمسوها. "وبمساعدة أستاذة النطق (بتريشيا كوهل ) وسع تجاربه لتشمل اللغة فعرض الباحثان على الأطفال شريطين لوجوه تقول "آه" و"أي"، وبعد ذلك وضعا بين الصورتين مكبر صوت يستطيع إصدار كل من الصوتين وقد نظر الأطفال باستمرار إلى صورة الوجه الذي يناسب الصوت. ويعلق (ميلتزوف ) قائلا : «ويعني ذلك أن الأطفال يستطيعون كشف العلاقة بين حركات الفم، والأصوات التي يسمعونها. فهم، أساسا، قراء شفاه».
وفي الوقت الذي يبدأ فيه الرضيع يكتسب هذه القدرة الأولية على التفكير فإنه يكتسب قدرة هامة على التعرف على الدرجات والطبقات. وكان الإعتقاد سائدا بأن هذه تتطلب اللغة، إذ كيف يمكن تمييز ما لا إسم له؟. ولكن يبدو أن الأطفال يستطيعون تنظم المكررات بدون كلمة تذكر. وقد عرفت العالمة النفسانية (إليزابيث صييلك)، من جامعة (بانسيلفانيا)، على أطفال أعمارهم أربعة أشهر شريطين تبدو فيهما لعبتان تقفزان وتدوران فوق سطح بطرق مختلفة، يصاحب كلا منهما صوت يلائمه.
وبعد ذلك أسمعتهم صوتا واحدا من الصوتين، كان باستطاعة الأطفال أن يزاوجوا «الفيلم» بصوته الصحيح. ومن القدرة التمييزية العالية للطفل على تقرير ما يتشمى مع ماذا، استنبطت (صييلك) أن الأطفال يولدون بقدرة غريزية على تقسيم تجاربهم إلى طبقات. وقالت «من الواضح  أنه لكي يمكنك فهم أي شيء يواجهك، لابد من أن تكون لك بعض التصورات عن العالم، وأملنا أن نتعلم شيئا عن تلك التصورات الأولى».
وثمة لغز، فالرضيع يبدي براعات، ويأتي بأعمال يكررها عدة مرات، تبدو لا أساس لها في تجربته السابقة. ومنه أمثلة على ذلك :
(برادلى فيج)، سنه 11 شهرا ونصف، يقعد على مائدة زجاج في مختبر دراسة الطفل بجامعة (كاليفورنيا بلوس أنجلس)، تناديه أمه من جانب المائدة الآخر على بعد ستة أقدام. ومن ذلك الجانب يسقط الغطاء القماش تحت الزجاج فجأة إلى الأرض ليوهم الرضيع أنه سيسقط بضعة أقدام إلى الأرض إذا فعل ما تطلبه منه أمه. وفي شهره الثامن، وكذلك العاشر، يتجاهل (برادلي) الخطر الوهمي، ويحبو عبر المائدة. أما الآن، وفي شره 11 ونصف، فإنه يرفض أن يتحرك، حتى وأمه تلوح له بلعبة لإغرائه. وتقول العالمة النفسانية (نانسي ريدر) : «نعرف أن هذه الاستجابة ليست مرتبطة بتجارب سابقة مرت به، ولكننا وجدنا أنها مرتبطة بالسن التي بدأ فيها الطفل يحبو. ونحن نحاول أن نعرف لماذا».
وفي (مركزها "رفارد" للدراسات الإدراكية )، ووجه أطفال لا تزيد أعمارهم عن أسبوعين بمكعبات (وأحيانا بظل مكعب فقط ) أخذت تتحرك نحوهم فقط. وحين بدا أنها ستضربهم أظهروا ما يسميه علماء النفس. بـ«نمط قوي لرد فعل التفادي». فقد استداروا وتلووا، وحاولوا تجنب الضربة، رغم أنهم لا تجربة لهم تجعلهم يعتقدون أن الشيء المقترب منهم سيضربهم. وحين يقترب المكعب أو ظله من الطفل بزاوية مائلة بحيث يبدو أنه سيخطئهم يتابع الصغار حركته بأعينهم دون أن تبدو عليهم علائم القلق.
وتقول عالمة النفس (جين فلانرى جاكسون )، «مهارة الأطفال الفائقة في التنبؤ بمسار المكعب المتحرك مدهشة . وأكثر منها رغبتهم في تفادى أشياء في طريق الاصطدام بهم ».
وفي جامعة (ادنبرة) يجري (باور) وشركاؤه حوالي ألف تجربة كل سنة من قدرات الطفل المتعددة. ومن ادعاءاتهم المدهشة أن الرضع يستطيعون معرفة جنس صغار آخرين بالنظر إليهم. وأنهم يفضلون النظر إلى من هم من جنسهم. وصور (باور) شريطا لطفلة وطفل يقومان بحركات متعددة، وبعد ذلك حذف من الفيلم كل علامات الجنس الواضحة، بل وألبس الواحد ملابس الآخر، بحيث صعب على بعض الكبار أن يميزوا بينهما. ولكن شيئا ما في حركة الصغيرين جعل جماعة من الأطفال أعمارهم ثلاثة عشر شهرا يميزون بين الولد والبنت، وما يزال (باور) يحاول أن يعرف كيف يفهمون ذلك.
وكيف يفعل الأطفال ما يفعلون يبقى شيئا بالغ التعقيد. ويعتقد بعض النظريين، مثل (طوماس فيرنى) الطبيب النفساني الكندي الذي ألف كتاب (سر حياة الجنين)، أن الصبي يبدأ يتعلم أنماط السلوك وهو ما يزال في الرحم. واغلب الخبراء على أي حال، يفترضون أن «الجينات » (بذور الوراثة ) تحمل معلومات كان يحتاجها الإنسان الأول لمقاومة الفناء. ويتضمن ما يدعى برد فعل (مورو (2)) اللاإرادي الذي يجعل المولود يمد يديه بحركة يائسة للإمساك بشيء ما كلما أحس بأنه سيسقط، يتضمن نوعا من الوجود شبيه بوجود القرود في فجر الزمان. يقول (لويس لييسيت)، مدير (مركز دراسات الطفل بجامعة براون )، وأحد رواد البحث في الطفل : «الطفل البشري منسق تنسيقا جيدا ومهيئا للقيام بمهمة الطفولة التي هي : التغذية، والإبقاء على الاتصال بالآخرين، وحماية نفسه من المؤثرات المؤذية".
ومن أشد العناصر شذوذا في نمو الأطفال، هي أنهم يفقدون بسرعة المهارات التي ولدوا بها. فالطفل الحديث الولادة إذا أوقفته على مائدة مرفوعا من يديه فإنه يستطيع المشي تقريبا، وإذا أدخلته في جفنة ماء، فإنه يقوم بمحاولات مدهشة للسباحة. وهذه القدرات تتلاشى داخل شهور قليلة. ونفس الشيء يحدث للمسارات العقلية التي لا تستعمل، وقد أوضح العالمان النفسانيان (جانيت ويركر) من جامعة (دالهوزى بهاليفاكس )، و(ريتشارد تيز)، من جامعة (كولومبيا البريطانية أن الصبيان الذين تتراوح أعمارهم بين ستة وثانية أشهر يستطيعون تمييز أصوات لا تستعمل في لغتهم الأصلية، ولكنهم يجدون صعوبة أكثر حين يصلون شهرهم الثاني عشر. فالأطفال اليابانيون، مثلا، ليست لهم مشكلة في نطق حرف (اللام ) كما لآبائهم.
وأغلب الخبراء اليوم يعتقدون أن الطفل يولد بعدد من ردود الفعل التي يعوضها تدريجيا «السلوك اللحائي  Cortical Benvior المفروض من لحاء مخه السريع النمو. ويعتقد (ليبسيت) من جامعة (براون) أن فترة «فوضى أو تشويش»، أثناء هذه الفترة الانتقالية، قد تكون عنصرا هاما في «وفيات المهد» التي تحدث بشكل غامض أثناء السنة الأولى. والصراع للهروب من الاختناق بقماش الفراش، المعروف بـ«ردود فعل الانسداد التنفسي». (Respiratory Occulsion Reflex) يأتي آليا عند الميلاد، ولكن يجب تعمله بعد ذلك. ويقول (ليبسيت) : «وتقع قمة التشوبش بالضبط في الفترة التي يمكن أن تحدث فيها» وفاة المهد حيث لا يعرف الرضيع هل يستجيب أو يتعلم (Reflective Or Cognitive) ولنفرض أن طفلا وقع في وضع شاذ حيث يكون فقد رد الفعل الغريزي، ولم يكتسب بعد المعرفة السلوكية التي تأتي لتعويض رد الفعل الغريزى. «فماذا يحدث» ويأمل (ليبسيت) أن يصمم اختبارا خاصا للتعرف على أولئك الأطفال القلائل الذين قد يتعرضون للخطر.
وكل تجربة على أي نوع من المشاكل تدل على أن هناك وقتا «طبيعيا» يظهر فيه الطفل أنواع قدراته. فإذا لم يقعد داخل ستة أو سبعة أشهر، أو يقف بين تسعة أو عشرة، فعلى طبيب الأطفال أن يفحص أعصابه، وقد طبق تلامذة (أرنولد غيسل ) بجامعة (ييل) هذه الطريقة على جميع مراحل الطفولة. وتقول آخر طبعة من كتاب (سلوك الطفل ) (المعهد غيسل) :"إن الطفل يخرج من بيته هائما على وجهه ، فيتيه في الرابعة من عمره، ويطالب بركوب دراجته في الشارع في السنة الثامنة» :
وجميع النصحاء ينصحون الآباء بألا يأخذوا هذه التقنيات مأخذ الجد الكبير. ويبدأ طبيب الأطفال (بيري بريزلتون ) الذي أصدر حديثا الطبعة المنقحة لكتابه الرائج (الأطفال والأمهات) بالتصريح : «هناك من التنوعات الفردية في أنماط الأطفال الحديثي الولادة بقدر عدد الأطفال ». ورغم ذلك فنمو الطفل أثناء السنة الأولى أبطأ كثيرا من نمو القرد أو حتى الفيل، ومع ذلك فهو من الروعة - من الاستلقاء على ظهره إلى أول حبو على الأرض، إلى الخطوات المضطربة الأولى حول مائدة المطبخ - لدرجة أن العلماء يثابرون على محاولة ضبط متى وكيف يتعلم كل إنجاز.
ويبدو أن سن الشهرين، والثانية أشهر، ونهاية العام الأول هي فترات التغير الكبير في نمو الدماغ، وفي اكتساب مهارات وإدراكات متنوعة، وفي الاختلاط بالآخرين. فعند بلوغه الشهرين، مثلا، يقضي الطفل وقتا أطول وهو مستيقظ، ويبتسم كثيرا، ويحملق بافتتان في اكتشافه الجديد : يده ! وعند بلوغه الشهر الثامن يكتسب الطفل الإحساس الهام بهويته الفردية المعزولة عن الآخرين، بل وحتى ما دعاه (بياجيت)، بـ"دوام الشيء"، وهو إدراك أن شيئا ما إذا اختفى عن بصره ما يزال موجودا. ويبدأ الطفل في اكتساب الخوف من الغرباء ومن افتراقه عن والديه. وعند بلوغه العام، السن الذهبية، يبدأ الطفل يتكلم ويمشي ويعرف أن العالم كله ينتظره ليكتشفه. فأحيانا يتعلق الطفل بكرسي، ويلوح بملعقة في قبضته، ويلقى برأسه إلى الخلف، ويصيح في نشوة رائعة.
هذه المنجزات الجسدية والاجتماعية معروفة منذ القدم : فأية أم ستطيع أن تراها في طفلها. ولكن ما يبرزه العلماء هو أن النمو العقلي للصغار يمكن أن يكون مبكرا ومثيرا بنفس درجة نموه البدني. ويجري العالم النفساني ء (روبيرت كوبر)، من جامعة (جنوب ولاية تكساس)، تجارب على صغار في شهرهم العاشر والثاني عشر، لمعرفة قدرتم على التعرف على الأرقام المختلفة، وقد وجد أنهم يستطيعون أن يصلوا إلى التعرف على الأرقام من واحد إلى أربعة "أما فوق ذلك فثمة خلاف» وبعرض مجوعات مختلفة من الأشياء على صغاره، يوضح (كوبر) أنهم يستطيعون معرفة الفرق بين رقمي "ثلاثة" و"خمسة"، ولكن الفرق بين "أربعة" و"خمسة" يحيرهم.
والفكرة القائلة أن الأطفال الرضع يستطيعون التعلم، عرضت الآباء الطموحين للإغراء منذ قرون. ففي سنته الثالثة، تعلم (جان ستيوارت ميل ) اللغة اليونانية، وكان (موزارت) يعزف على الهابسيكورد. والإثنان علمهما والداهما الطموحات. واليوم ، تستقبل بعض مدارس الحضانة الراقية (بنيويورك) أطفالا في الثانية من عمرهم (يكلف ذلك آباءهم المتطلعين 1200 دولارا في السنة لقبولهم لفترتين صباحيتين في الأسبوع ) وأكثر من هذا أن طلبات الإنخراط تفوق عدد الأماكن الفارغة بخمسة لواحد.
والتقليعة تنتشر فمؤسسة (جيمبوري)، التي بدأت تعمل منذ سبع سنوات (بسان ماطيو) (كاليفورنيا) تملك الآن واحدا وستين فرعا في أربع عشرة ولاية تقدم اللعب التربوي لحوالي عشرة آلاف طفل. ويقول منشور من منشورات (جيمبوري) «إن تعلم القراءة يبدأ عند الولادة». ودروس الأربع دولارات في أغلبها بدنية، وتتراوح ما بين تمارين رياضية صغيرة للمبتدئين وحركات ملعبية لمن بلغوا سن الرابعة، وتقول مؤسسة (جيمبوري)، (جون بارتز) : "نحاول إيجاد بيئة" امتثال للأطفال لوضعهم في مواقف يستطيعون السيطرة عليها".
وفي الميدان التربوي المحض، هناك مؤسسة في (فيلاديلفيا) تدعى (معهد الطفل الأفضل )، وهي تعطي دروسا تدريبية للأمهات لتأهيلهن «لمضاعفة ذكاء أطفالهن» وتدعي المدرسة، على وجه التحديد، أن آباء الأطفال يمكنهم أن يتعلموا في بحر أسبوع واحد من التدريب المركز (بأجر قدره 500 دولار) كيف يعلمون صغارهم السباحة، والقراءة، والحساب، والكلام بلغة أجنبية، والعزف على الكمان في الثانية من العمر. ويعتقد بعض النقاد أن كل هذا يجعل الأطفال يتعلمون أساسا بعض المهارات عن طريق الاستظهار ومن الصعب الحصول على تقويم علي لهذا المعهد الذي لا يزيد عمره عن خمس سنوات. وكثير من هذه المؤسسات التي تعنى بتعليم الصغار يشجعها الآباء المتطلعون إلى إعطاء أطفالهم فرصا للسبق. وهناك تجارب مماثلة تثير اهتمام أولئك الذين يشتغلون بين الفقراء فقد طور الدكتور (سطارلنج)، مثلا، ونشر سلسلة من مائة لعبة تربوية في (مركز غراهام لنمو الطفل) بجامعة (شمال كارولينا). وقد تم اختبار هذه اللعب التي تتراوح بين مواضيع محددة مثل تطوير اللغة، وبين اهتمامات غامضة مثل تصور الذات، ثم تجريبها بنجاح على مدى السنوات الخمس الماضية ضمن برنامج ممول فيديراليا يدعى "مشروع العناية".
ويستعمل الباحثون اللعب في مراكز الرعاية اليومية وأثناء الزيارات الأسبوعية لمؤسسات الطفولة، ويقول هؤلاء الباحثون إن الصغار يحصلون على نتائج أعلى في اختبارات الذكاء، في السنة الأولى من العمر، من أطفال في جماعة المقارنة لم يمارسوا هذه الألعاب.
ومهما يكن، فالاندفاع صوب التعليم المبكر يعطي الصغار فرصة ثمينة لكسب الأصدقاء. ويقول العالم النفساني (كولوين تريفارتين) من (جامعة أدنبرة) «إن لهم حقا هذه القدرات الاجتماعية القطرية التي تطورت لدى الإنسان كما تطورت قدرات الزرافة بأكلها الأوراق العالية":
ولكن، هل التعليم المبكر فعلا مرغوب فيه ؟ وهل اكتشاف أن الطفل الرضيع يستطيع امتصاص كمية كبيرة من المعلومات يتطلب منا حشوه كوزة (ستراسبورغ (3)) ؟ وقد كانت هناك أسباب اجتماعية لانطلاق (مشروع البدء المبكر) Head Start سنة 1960 لتوفير برامج ما قبل التمدرس للأطفال الفقراء. وأغلب علماء النفس القائمين بهذه الأبحاث الجديدة يعارضون بشدة أي نوع من التمدرس النظامي قبل سن الثالثة أو الرابعة، حتى ولو كان الطفل قادرا عليه. ويقول العالم النفساني (تيفاني فيلد) من جامعة (ميامي) : "إننا نعرف أن الصغار يأتون إلى العالم بمهارات عالية أكثر مما كان يعتقد من قبل، ولكن لا أعتقد أن القراءة، والكتابة، والحساب ينبغي أن تكون ضمن برنامجهم. ويقول طبيب الأطفال النفساني، (روبيرت هرمون ) مدير العيادة النفسانية للأطفال (بمدرسة الطب بجامعة (كولورادو) منذرا : "أعتقد أننا سنحرق قابلية الطفل للتعلم : ويقول العالم النفساني (كورد فيشر) من جامعة (دينفر) عن السنة الأولى للطفل :" لا تقلق على تعليمه بقدر ما تفعل على تهيئ جو غني بالدعم العاطفي". وكما يبين تصريح (فيشر)، تؤكد أغلبية الأبحاث الجديدة الأهمية البالغة لعلاقة الطفل بأمه (أو أبيه، أو بما يسميه التحرريون اليوم "بمانح الرعاية").
فليس عليها أن طعمه وتحبه فقط، ولكن أن تحدثه، وتلاعبه، وتريه ماذا يحدث في العالم. وقد اختبر (لويس) من جامعة (روتجرس) النمو العقلي في مائة رضيع في الشهر الثالث من أعمارهم، وسجل استجابة أمهاتهم لعلامات ضيقهم. ولم يكد يفاجأ حين وجد أن أولئك الذين كانوا يعاملون بعناية ودفء أكثر، قد تعلوا أكثر عند اختبارهم الثاني في نهاية سنته الأولى. ويعد هذا النوع من الغذاء جوهرا بالنسبة للنمو العاطفي والعقلي وفي الحقيقة، لا يمكن الفصل بين الاثنين. وتقول الطبيبة النفسانية (اليانور غالينسون) من (المركز الطبي لجبل سيناء بمانهاتن ) : "الرضيع الذي لا يبتسم قد يعطينا إشارات أصدق من اختبارات المعرفة ":
وابتسامة الطفل، هي كذلك نوع من الحكم على رعاية أمه له. ويقول الدكتور (صبوك) Spock الذي علم جيلا كاملا من الأميركيين، نوعا طوباويا من تنشئة الأطفال : "كل هذه المعلومات الجديدة حول تبكير الطفل بتمييز الأشياء ينبغي أن ترفع من قيمة الأمومة، وتعيد لها بعض الإعتبار. فقد نقص مبلغ الأهمية المعطاة للأمومة في مجتمعنا هذا الغريب المبالغ في العقلانية والعلمانية".
وحسب التقاليد المأثورة، فإن كل أم تعرف غريزيا كيف تربي أطفالها، ولكن مع الأسف، ذلك ليس صحيحا دائما. وبالفعل، فقد أنكرت (اليزابيت بادينتر) أستاذة الفلسفة الفرنسية، الغريزة بقوة في كتابها : "حب الأم : الأسطورة والحقيقة" وحتى إذا كان إرضاع الأم لصغيرها غريزة، فإنه يتطلب بعض التجربة كذلك، وإذا كانت القدرة ميزة تكتسب بالتعلم، فإن بعضهن أحيانا لا يتعلمها جيدا. وقد راقب الطبيب النفسي (دانييل ستيرن) من المركز الطبي لجامعة (كورنيل)، 100 أم يلاعبن أطفالهن البالغين ما بين 8 و12 شهرا من العمر، ليعرف كيف تتفاعل الأمهات مع أطفالهن يقول (ستيرن) "كلما لاحظنا تعبيرا عاطفيا على وجه الطفل، ورأته أمه، ننظر كيف تستجيب له. ثم نسألها لماذا فعلت ذلك؟ وبماذا ظنته يحس؟ وماذا كانت تتوقع أن تحقق؟ وهل كانت تعرف ما تفعل في ذلك الموقف بالذات؟ فجاءت نتائجه الأولى كالآتي : حوالي ثلث الأمهات كن واعيات بما يسميه (ستيرن) بالتناغم مع أطفاله، والثلث الثاني لم يكن واعيا بالمرة، والباقي كن غير واعيات به أساسا، ولكن استطعن تذكره حين دلهن عليه.
هذه الملاعبة العاطفية الهامة جدا، والتي غالبا ما تسمى «بالارتباط » هي خليط من الحب واللعب، ولكنها تعتبر الآن شيئا آخر، أي نوعا من الحوار بدون كلمات. فالطفل لا يفهم، فقط، ما تريد أن تقوله له أمه أو لا تقوله، ولكنه يحاول أن يقول لا أشياء، لو أنها، فقط، تنصت. ويقول الدكتور (بينيت ليفنشال) من (مصحة الطفل النفسانية) بجامعة (شيكاغو) : «نحن نعرف أن الأطفال يبعتون رسائل في سن مبكرة. ففي سنتهم الأولى يكونون تلاميذ ماهرين. وهم كذلك أساتذة ماهرون، إذا وجدوا من يتفاعل معهم. وهناك أحيانا أطفال أكفاء مع والدين غير أكفاء.
كثير من علماء النفس اليوم يعتقدون أن الدراسات الجديدة تمكنهم من توقع مشاكل المستقبل حتى في اصغر الأطفال. يقول (ستانلي غرين سيان)، رئيس (وحدة البحث المستوصفية للطفل) بـ (المعهد الوطني للصحة العقلية) بـ (ادلغاي بماري لاند) : «باستطاعتنا الآن أن نثبت بالوثائق أين يعجز طفل رضيع عن التقاط معلومات حسية. وباستطاعتنا أن نكتشف الشذوذ في المناطق العاطفية. وليس ثمة دليل على أن مشاكل الطفل العاطفية تصحح نفسها بنفسها. فالمحيط الذي ساهم في الضرر المبكر سيستمر في الإضرار إذا لم يتدخل أحد».
وأحد أعراض المشاكل المبكرة، في نظر (غرينسبان )، هو تفادي الأم أو الطفل النظر إلى بعضهما البعض . ويصور (غرينسبان ) أشرطة فيديو لمثل هذه الحالات. فهذه (أماندا)، في الشهر الرابع من عمرها، تشيح بوجهها، وتظهر ما يسميه (غرينسبان): «بالتفادي الإيجابي» ولا عجب، فأمها كانت تربيها وحدها وتعاني من نوبات من الكآبة العميقة. وقد قضى (غرينسبان) ومساعدوه أربعة أشهر يلعبون مع (أماندا) ويثيرون اهتمامها. وبعد ثمانية أشهر، أظهر تسجيل الفيديو (أماندا) وهي تعيد المرح إلى أمها. ويقول (غرينسبان) ببعض الارتياح «إنها كونت وسائل للتغلب على المصاعب أقوى من وسائل أمها».
وحين يتكلم علماء النفس عن «المحيط»، فإن ذلك يعني أساسا، البناء البسكولوجي للعائلة، ولكن المحيط الاجتماعي والاقتصادي ليس أقل أهمية بالنسبة لنمو الطفل. ففي الولايات المتحدة يعيش13.5 مليون طفل تحت خط الفقر الرسمي وحوالي 7.5 ملايين طفل يعيشون حاليا على مساعدات الدولة، وأكثر من نصف مليون طفل يولدون كل عام لمراهقات أمريكيات. ومن الصعب قياس آثار حرمان هؤلاء الأطفال علميا، إلا أن الدكتور (جيرالد يانغ) من (المركز الطبي لمستشفى جبل سيناء بمانهاتن بنيويورك ) يقول بكل صراحة : « إذا أردت أن تخمن كيف سيكون الطفل في سنه السابعة، فانظر أولا إلى خلفيته الاجتماعية والاقتصادية». وهذا ليس أمرا يتعلق بالمصاعب الاقتصادية أو النقص  الغذائي».
يقول (لييسيت) من جامعة (براون) «إن المؤثر (الاجتصادي) أي الاجتماعي - الاقتصادي جهاز قوي للتنبؤ بالمهارة الفكرية في مستقبل الطفل بأي متغير لدينا، ولكنه لا يعمل في فراغ. إنه يعكس الطريقة التي يعيش بها الناس، وكيف يرتبط بعضهم ببعض، وكيف يتصرفون مع الأطفال».
وقد قام فريق من علماء النفر بجامعة (ويسكانسن ) تجربة إيضاحية هامة لهذه النظرية منذ عقد مضى. فقد فوجئوا بأن كثيرا من الأطفال المتخلفين عقليا من حي فقير في (ميلووكي) لهم أمهات متخلفات. فأخذوا 40 طفلا أمهاتهم حصلن على أقل من 75 نقطة في اختبار الذكاء، ووضعوا 20 منهم في مزاكز خاصة للعناية النهارية وبدأ الأطفال من شهرهم الثالث يأخذون دروسا في اللغات والحساب وعدد من أنواع التنشيط. وحين بلغوا سن التمدرس كان متوسط ذكائهم قد بلغ 100 درجة (ولم يكن واحد منهم متخلفا). أما العشرون الآخرون الذين لم يتلقوا أي عناية خاصة كان معدل ذكائهم 865 درجة، و60 في المائة منهم كانوا متخلفين عقليا.
ومسألة تنشئة الطفل خارج البيت تحدث في جميع الطبقات. فهناك اليوم مليون ومائة ألف امرأة عاملة بأطفال تحت من الثالثة. وقد أظهر مسح أن 70 بالمائة تقريبا يعدن إلى أعمالهن داخل أربعة أشهر من ولادتهن. وبشكل عام، يتلقى حوالي 8 ملايين طفل من الذين لم يصلوا سن التمدرس نوعا من العناية النهارية في دور حضانة خارجية. فهناك مليون طفل في مراكز العناية النهارية ، و3.5 مليون في دور رعاية عائلية و3.5 ملايين آخرون في رعاية الأقارب والراعيات المأجورات. فإذا كانت الأم المرضعة من الأهمية بالنسبة لطفلها، كما يقول الأطباء النفسانيون، فإن البديل المأجور اختيار سقيم، إلا أن أغلب الباحثين النفسانيين يرفضون هذه النتيجة. فهم يقولون إن كل ما يحتاج إليه الطفل، في الحقيقة، هو شخص موجود دائما يبدي اهتماما حقيقيا به. ومن الواضح، أن كل شي ء يعتمد على نوعية الرعاية النهارية والمنزلية، ففي حالة تجربة (ميلووكى) مع الذين يحتمل أن يصبحوا متخلفين، كانت الرعاية النهارية إنقاذا لهم. ولكن في أحد المراكز النموذجية ال788 للعناية النهارية بمقاطعة (بماريلاند) التي تتسع الـ8.560 طفل فقط من ال 65.000 طفل تحت 14 ممن تشتغل أمهاتهم.
أما مبلغ نفع الرعاية النهارية فيبقى موضوعا للتخمين. ويقول (بيرنيس وايسبورد)، مؤسس جماعة التركيز على العائلة التي تقدم الدعم والنصيحة للوالدين الجدد (بشيكاغو) : "إن أية مصلحة للعناية النهارية التي يزيد عدد أطفالها عن ثلاثة لكل بالغ (وهذا ينطبق على أغلبيتها) فهو غير كاف. فغالبا ما تكون أسئلة الوالدين هي : كم تبعد عن المنزل، وكم تكلف ؟" ومن جهة أخرى يقول (يوري برونفينبرينر) العالم النفساني بجامعة (كورنيل): "ليست هناك أدلة قاطعة بأن الرعاية النهارية لها تأثير سلبي":
ومهما كانت الصعوبات فأغلبية الآباء الساحقة تريد لأبنائها أفضل رعاية، لو أنهم فقط يعرفون ما هو ذاك الأفضل، لأنه غير واضح. وأغلب الخبراء يقولون : إن الحاجة عظيمة. يقول (بورتن وايت ) مؤلف كتاب "سنوات الحياة الثلاث الأولى" : «ليس أكثر من طفل واحد من عشرة يبدأ البداية الجيدة التي في إمكانه». ويحث (كاغان ) من (جامعة هارثارك) الوالدين على توفير "محيط مغذ" ويصرح : "إن ذلك مسهل. آه ما أسهله. لو كان لنا كثير من السحر".
وتأتي التغييرات المهمة ببطء لدرجة أنها تعتبر من المسلمات. فورق الأطفال كان من قبل أبيض، ولكنه اليوم يتفجر بالألوان، واللعب المتحركة فوق المهد التي كانت تعتبر شيئا من قبيل التأنق والغرور أصبحت اليوم قطعة أساسية من الأثاث تقريبا وحمالات الأطفال على الظهر التي كانت مقترنة بالهنديات يحملن بها صغارهن، أصبحت اليوم تباع في كل مكان، وليس كشيء مريح للأم بقدر ما هو فرصة للطفل للخروج من المنزل ورؤية العالم.
وإذن فالأشياء القديمة أصبحت تواتي العصر الحديث. وأكثر ما يوثقه الباحثون العصريون بعناية كبيرة هو ما يعرفه الأبناء دائما، سواء غريزيا، أو منطقيا، أو تعلوه من آبائهم، وهو أن الأطفال يحتاجون ويستجيبون للعب، والاهتمام ، والتنشيط، والتعليم بهذا الترتيب تقريبا. ولا يوثق البحث أهمية هذه الاحتياجات فقط، بل كذلك الضرر الذي يمكن أن يحدث إذا أهملت هذه الاحتياجات. ومع ذلك، فقد يبالغ الناس حق في إسباغ هذه النعم التي جاءت بها "الحنبلية"(4) الجديدة. فالعالمة النفسانية (روز كارون ) من (مختبر أبحاث الطفل ) من جامعة (جورج واشنطن ) تحذر قائلة : "نحن نتعلم أن كل شيء سيكون له أثر على الطفل، ولكننا ما نزال نحتاج إلى معرفة ماذا يحدث بالضبط. فمن المحتل أن تضعف كفاءة الطفل بسبب التنشيط الكثير المبكر".
ومرة صاح الشاعر الأمريكي (والت ويتمان ) "هل أناقض نفسي؟ فليكن ! إذن فأنا أناقض نفسي، فتنشئة الطفل عامرة بالمتناقضات واللامنطقيات، وتكاليف تربية طفل إلى أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره تقارب المائة ألف دولار بالولايات المتحدة، حسب بعض التقديرات، وهي كفيلة بردع أي مستثمر عاقل. وكذلك شبح عشرين سنة من القلق والانفعال. ولكن ولادة طفل تبقى، بالنسبة لأغلب الناس، عملا يتعلق بالإيمان. فهو يمثل الثقة بتحسن الأمور  في المستقبل، ليس فقط بالنسبة إليهم، بل بالنسبة للعالم كذلك.
يشاطرهم في ذلك الإيمان الآلاف الذين يدرسون الطفل. يقول (لويس) من جامعة (روتغر) : «هل تستطيع صنع مجتمع بأطفال أصح ؟ الجواب هو نعم. «وفي لحظة الميلاد الأول، حين يخرج إلى الوجود ذلك الرأي الأسود المبتل الصغير. فإن كل مولود يؤكد ذلك الإعتقاد. وحينئذ تنطلق أول صرخة.

____________________
2 -  نسبة إل المولد الألماني (أرنست مورو) (1874 – 1951). 
3 - يرغم الفلاحون الفرنسيون الوز على الأكل الرائد بمحاقن من خشب في منطقة (ستراسبورغ ) لإفساد أكبادها وإنتاج أكلة (الفواغرا) أي - الكبد الدسم - المقابلة لكافيار عندهم.
4 - اخترت كلمة "الحنبلية" كترجمة لـ Orthodoxy وكلاهما لم يرد بالمعنى الديني.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here