islamaumaroc

من قضايا الوهم… وسوء الفهم

  توفيق محمد شاهين

235 العدد

الإسلام دين الإنسانية - الخالد والخاتم - في مستواها الوفير، حاء به خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم  - رحمة للعالمين - وجربت الأمم والشعوب غيره فاعتراها القلق، وشقيت حياتهم... وليس الإسلام دينا خاصا بالمسلمين، ولكنه رحمة للناس أجمعين، غير أنه لا يجبر أحدا على الدخول فيه واعتناقه، "فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر".
والإسلام هو الدين الوحيد الذي أنصف أهل الكتاب، وسجل لهم تاريخهم بالأمانة والإخلاص فيما كانوا فيه هداة ومهديين، وسجل على عابثيهم ما خرجوا به على الصراط المستقيم...
إلا أن الأسف يملأ الجوانح، لأن كثرة من مثقفي الشرق والغرب على حد سواء، لا يطيقون مجرد سماع إسم الإسلام ويتحاملون عليه في حقد بارد ومكتوم، وما تخفي صدورهم أكبر...
ولأن واجب الأمانة والإنصاف والمنهج العلمي يقتضيهم البحث والتحري والإنصاف والعدل، إن كانوا علماء حقا... بدلا من محاولة رمي الإسلام بكل نقيصة وخسيسة... وغض الطرف عن كثير من الأمور مراعاتها تضع الأمور في نصابها...
فما فتئ الشغل الشاغل للمبشرين والمستشرقين وتلاميذهم ذكر الإسلام بالسوء، والنيل منه، وغض الطرف عن محاسنه... بغية تشويهه، وصرف أبنائه منه، وعصمة أبنائهم من اعتناقه كحق ونور، ولكن : "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله يتم نوره ولو كره المشركون".
ونتناول اليوم موضوع "الطلاق" في الإسلام، لأنه ما زال مصدرا خصيبا لسوء الفهم والجدال وقضايا التجني والوهم... وسنرى أن أحكام القرءان في الطلاق أكثر مراعاة لروح الإنسانية والعدالة أكثر بكثير مما سبق في الديانات الأخرى :
فقد كان الحق في "الطلاق" وقفا على الرجال في الشرائع الأخرى، وتقدمت الحضارة فنالت من المرأة نصيبا ضئيلا. وقد تعسف الرجال في استعمال هذا الحق إلى درجة الإساءات البالغة، أهدرت آدمية المرأة، وكان الرومان يقدمون نساءهم لارتكاب بعض الأعمال التي لا تستوجب القتل، حتى خفف ذلك إلى الطلاق.
وحين قال عيسى بن مريم عليه السلام : "ما جمعه الله لا يفرقه إنسان"، إنما كان يقصد وقف التيار المتردي بالفساد الأخلاقي المزري. وكان حق الطلاق عند العرب قبل الإسلام غير مقيد بقيد.
وجاء الإسلام فاستنكر الطلاق لأنه سبيل يقوض أركان المجتمع، وكان من المستحيل إلغاءه كلية في كل أوضاع كانت قائمة، وتشريعا لاستثناء يجعل من الشريعة الخالدة صلاحية للإصلاح والصلاح، فقيد الطلاق بقيود خاصة، تحد من التهور والطيش، وأعطى الزوجة الحق في طلبه لأسباب معقولة، وجعل حق الرجل فيه رخصة يراعي في ممارستها قيود وإرشادات ونذر. ولو فهم المسلمون العصريون وغير المسلمين قدسية الزواج في الإسلام، ونبل مقاصده وأهدافه، وما يحيط به من تعاليم . . لعلموا أن في الطلاق وتشريعه على نظام الإسلام رحمة من الله تعالى.
فقد شرع الإسلام الزواج، وحث عليه لتحصيل أهداف سامية نبيلة، من كثرة النسل إلى عمارة الكون، إلى ممارسة الجنس من طريق نظيف والتسامي به.
وكان الزواج أيضا للسكن الجسمي والنفسي، وبهجة القلب وشرح الصدر، وبذلك تستقر الحياة الزوجية، وتقوم الحياة على الامتزاج والتناغم والانسجام والاطمئنان والرضا.
ومن ثم وثق الإسلام عقد الزواج، وجعله ميثاقا غليظا، وعهدا مؤكدا، وحرما مرعيا، وعقدا مصونا، له من القدسية والاحترام منزلة وتقديرا، فهو علاقة باركها الرب ورضى عنها.
وحث على كل ما من شأنه أن يصون الحياة الزوجية، ويدفع بها نحو السعادة والاستقرار والدوام.
وحذر الإسلام من خلخلة البناء للحياة الزوجية أو زعزعته بأي منغص أو اضطراب، ليكون بمأمن من العواصف التي قه تعصف به، أو الحتوف السود التي تتحيفه.
وإذا كان من واجب المسلم أن يتمسك في استماتة بأمر الله، وأن يتجنب نواهيه، وأن يحل ما أحل، ويحرم ما حرم، عن طيب نفس ورضى وطواعية واختيار . . فإننا نجد "الطلاق" حلال يبغضه الله، فهو حلال، لكن الله يبغضه، وتهتز له السموات، لأنه يفصم علاقة مقدسة، ويقوض أركان بناء مبارك، ويسبب حقدا وعداوة، ويؤرث ثأرا، ويفضي إلى بغضاء وضغينة دفينة تجلب من المشاكل ما المجموعة البشرية في غنى عنها، وإلى غيرها أحوج منها.
ففي الزواج : المحبة والمودة والسكن والصداقة والقرابة والتآلف والتعاون على الخير..
وفي الطلاق : الدمار والخراب، وتفتيت أواصر المحبة وتشتيت الأسرة وضياع الأولاد والأحوال، وإيغار الصدور.
ولذلك حذر الإسلام من الطلاق وهو الحلال كما أسلفنا، عن ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم – "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، وقوله عليه الصلاة والسلام :"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأسر فحرام عليها رائحة الجنة".
وكذلك الزواج إذا عبث برباط الزواج المقدس ففصم عراه بالطلا، اتباعا للهوى والشيطان، واستخفافا بكل ما من شأنه أن يجلب الاستقرار للأسرة والهناء للأولاد... فهو إنسان لا يعبأ بمثل الحياة الإنسانية الرشيدة، ولا بالمثل العليا في هذه الحياة، ونظرة الأحياء إليه في الدنيا نظرة شك وارتياب، وفي الآخرة حسابه على الله تعالى.
ألا أن صفو الحياة لا يخلو من الكدر... والوجه الجميل تكتنفه أحيانا الكلف التي لا تجعل الجمال فيه خلوا من الشوائب التي تعكره وتفسد عليه بهاءه وراءه. كما أن الخداع أو عدم الفطنة والعجلة تردى أحيانا في المنحدر الكريه أو الرديء، نتيجة لعوامل ما كانت في الحسبان، أو أدى إليها الغش والخداع، أو سببتها الغفلة أو العجلة وعدم التروي، أو دفع إليها سبب قاهر... يجعل الحياة الزوجية جحيما بدلا من النعيم، وتعاسة بدلا من السعادة، وترحا بدلا من الفرح والسرور... وهنا تختفي كل معاني الزواج السامية ويحل محلها كل ما من شأنه الاضطراب والإزعاج والتعاسة والشقاء.
فقد يتكشف للزوجية أن أحدهما أو كلاهما قد أخطا في اختيار شريكة العمر، فطاشت لذلك الأحلام... أو يرى أحدهما من مألوف الطبع والعادة ما يجعل التنافر بينهما كتنافر قطبي المغناطيس... أو تتعذر أمور وأهداف كانت المقصود من بناء الحياة الزوجية، ثم تستبين الاستحالة في علاجها أو تلافيها، مما يسبب التكدير الدائم والشقاء النامي والمتراكم..
وهنا تبرز عظمة الإسلام في إباحية مشروعية أبغض الحلال إلى الله، وهو "الطلاق"، لأن الزواج فقد مقوماته الأساسية وعمده، فاستمراره نكد، والصبر عليه عذاب، ومنافعه أصبحت عدما، ومباهجه باتت كمدا وألما... فلا بد من مخرج من هذه الورطة، وحل لهذه العقدة، ييسر حل هذا الميثاق الغليظ، الذي أصبح كابوسا ثقيلا، فيكون الطلاق دواء من داء وقتئذ.
وتشريع الطلاق هنا يرينا مدى مرونة الإسلام وطواعيته، ومواكبة الأحداث النازلة والطارئة  تصحيحا لوضع، وإنهاء لعلاقة يغلب إثمها نفعها... وإعطاء الحرية الشخصية في التصرف من جديد على أسس نظيفة، وقد تكون آمن عاقبة، وأكثرها نفعا، وأعمق تعقلا، وأثرها إيجابيا وبناء.
وكان الإسلام منطقيا مع نفسه والحياة باعتباره خاتم الأديان، لمراعاة حال البشر، إذا جنح بهم السفيه، ومال بهم الطريق : فالبتر على قساوته خير من حياة يسودها القلق ويعتورها الاضطراب. وفي هذه الحالة يكون البلسم الشافي هو قول الحكيم الخبير :
"وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته، وكان الله واسعا حكيما" (لنساء : 130)، فاقتضت حكمة الحكيم الحكمة في السلوك حيال هذه المشكلة، وفيما تأتي به الأيام من الفرج الواسع، والعوض المكافئ، ما تلتئم به الجروح، وترتاح له النفوس، على نحو ما ختمت الآية الكريمة، والله لطيف بعباده، متى صلحت النيات، واستقام العدل وأخذ مجراه.
ولا يتبادر إلى الذهن أن الإسلام يسارع إلى فصم عرى الزوجية من أول بادرة خلاف، أو عند بوادر الشقاق والنزاع، بغية إنهاء الخلاف وإغلاق الباب...بل هو يوصي بالصبر والتريث، والحلم، والحكمة، والموعظة الحسنة، والنصح السديد والرشيد... وعلى الجانب الآخر يحذر من تعاطي أسباب الشقاء والخلاف وكل ما شأنه تكدير صفو الزوجية، يقول الله تعالى :
"واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن الله كان عليا كبيرا" (النساء 34).
فالنثسوز المحظور هنا هو : معصية الزوج أو الترفع عليه بالخلاف وعدم الطواعية، والعظة : تكون بالتذكير بما أمر الله ورسوله مما جاء في الكتاب والسنة، والهجر : تولية الظهر الموقوت أو الهجر في المضجع عسى أن يكون رادعا، والضرب : هو الإيلام الطفيف بما من شأنه أن يكون أدبا لا انتقاما ولا غلا... فإن أطعن فلنتق الله العلي القوي والقاهر الكبير. . . ولنحذر أن يكون الأمر أمر هوى وسوء طبع.
ويضرب الرسول الكريم جميل القدوة والأسوة بنفسه حين يقول : ". . . خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"، ويحكم بأنه لا يكرمهن إلا كريم، ولا يهينهن إلا لئيم، ويوصي بالنساء خيرا، لان في طبيعتهن ضعفا، يعبر عنه بالعوج، وكان من آخر وصاياه - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع : "أن استوصوا بالنساء خيرا".
وعلى الجانب الآخر يحذر المرأة من سخط الرب حين تسوء عشرتها، وتتمرد على طبيعتها، وتستعصى على واجبها، فمن الذين لا تقبل صلاتهم - كما يقول الرسول الكريم - ولا ترفع لهم إلى السماء حسنة، ثلاثة هم : "العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى عنها، والسكران حتى يصحو"، رواه الطبراني في الأوسط، وابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما. ويروي الترمذي - رضي الله عنه - قول الرسول الأكرم : "لو كنت آمر أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، من عظم حقه عليها . ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمة الحصين بن محصن، حين ذكرت زوجها للنبي: "انظري من أين أنت منه، فإنه جنتك ونارك"، فيما أخرجه النسائي.
وابن عمر - رضي الله عنه - يروي عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهى لا تستغني عنه"، فواجب المرأة أن تطلب رضاء زوجها وتتجنب سخطه... كما أن واجب الرجل إعفاف المرأة وإكرامها بما جرى عليه العرف، وإن زاد فهو منه إحسان ودرجة عليها . .
وحسن التبعل والصبر أدعى إلى الرضاء ودوام المعروف وحسن العشرة، قال الأصمعي : دخلت البادية فإذا امرأة حسناء لها بعل قبيح، فقلت لها : كيف ترضين لنفسك أن تكوني تحت مثل هذا ؟ فقالت : اسمع يا هذا، لعله أحسن فيما بينه وبين الله خالقه فجعلني ثوابه، ولعلي أسأت فجعله عقوبتي.
وقبل الطلاق يقدم الإسلام أدوية كثيرة أيضا في محاولة لرأب الصدع وحسم الخلاف بغية إرجاع المياه إلى مجاريها الرقراقة الصافية بكل الوسائل الممكنة :
بسلاح التحذير والتهديد بأن : الطلاق قسوة مكروهة، فهو أبغض الحلال لذلك إلى الله.
وبوسيلة الإصلاح الذاتية  فيما بين الزوجين احتراما لبيت السكن والمودة والرحمة، ومبناه على السرية في العلاقات الخاصة، صيانة عن الفضول والتدخلات الخاطئة أو الجاهلة أو المشبوهة.
وبالبحث على مراجعة النفس الأمارة بالسوء : "فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا" (النساء : 19) .
وبالتذكير بنعمة البنين والحفدة، ومن حقهم هناءة العيش والعيشة الراضية، وذكرهم حافز مثير ومنبه وداع إلى الصبر والتحمل، أنهم امتداد الزوجية، وأكبادنا تمشي على الأرض، وأشواق الروح، قال تعالى : ("والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون". ( النحل : 72 ).
كذاك يذكره القرءان ويذكرها بنعمة الزوجية، التي يجب أن يحرصا عليها الحرص كله، اذ لا قوام لأحدهما بدونها في مأمن من العثار ولزلل، وبالاجتماع بها يكون وجودها وكمالها ونعمة الإحساس بها : "وخلقناكم أزواجا".
ثم هناك دعوة أهل الخير والصلاح، وذوي النيات الحسنة، لتلطيف هذا العارض الذي يهدد حياة الزوجية، عسى أن تطيب العشرة والحياة وترفرف السعادة على حياتها من جديد، حين يستمع الحكمان في أمانة وحكمة لمصدر الشقاق والنزاع، ثم محاولة إزالة أسبابه، وبذل النصيحة الخالصة لإصلاح ذات البين، وعلى قدر صلاح النيات يكون الخير، واتباع الهدى، يقول تعالى : "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا وفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (النساء : 35).
وإذا لم نجد هذه المسكنات والأدوية في معالجة ما طرأ على الحياة الزوجية من نفور وفتور.. فلا حل إذن إلا بأبغض الحلال إلى الله، واستعمال رخصة الانفصال لفض الشركة بالتي هي أحسن، والمحافظة على أطرافها من المشاكسة والتمادي في العناد واللجاج، حين لا يتسع الخرق على الواقع.
ومن مزايا الإسلام في الطلاق أيضا أنه لم يجعله بعد استنفاد جميع هذه الوسائل ضربة واحدة، وكلمة تقال في مجلس واحد، فيكون الحكم باتا وقاطعا، وإنما جرى الإسلام - كشأنه - في التدرج ومراعاة الخصائص البشرية، عسى أن يكون في الأمر ما يتدارك ويحل الوئام محل الخصام.
فيطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة أولى، وتظل امرأته مع ذلك عسى أن يراجع نفسه طوال طهرها، ويقلع عما هو مقبل عليه.. وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها، وإن كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاث حيض أو قروء، وإن كانت لم تحض بعد فمعدتها ثلاثة أشهر... وعسى أن تهدأ حدة الخلاف في تلك الفترات وتصفو النفوس ويرفرف السلام من جديد.
وقد هم رجل بطلاق امرأته، فقال له عمر بن الخطاب : لم تطلقها؟ فقال : لا أحبها، فقال عمر : أو كل البيوت بنيت على الحب؟ فأين الرعاية والتذمم.
وإذا ما قورن هذا الوضع الرحيم المتدرج من الإسلام، بالصنيع الذي كان سائدا قبل الإسلام . . ظهر البون شاسعا وجليا، بين رحمة الإسلام وتعنت الجاهلية واللاإنسانية قبله.
لقد كان الزوج يطلق زوجه بلا عدد، وقبل انتهاء العدة يراجع ويراجع، فتبقى الزوجة لأمد طويل معلقة، فلا هي من زوجة ولا هي مطلقة، وفي هذا ما فيه من لتعسف في استعمال الحق، فتصبح الحياة عذابا لا يطاق، في ظل قهر وظلم وحرمان، يجعل بطن الأرض خيرا من ظهرها، وينمي الحقد والضغائن والبغضاء.
لكن سماحة الإسلام وعدالته تأبى ذلك... فمن أدبه العالي أن يدفع الإنسان إلى التي هي أحسن بعد أن عاش تجربة الطلاق مرتين حين يذكر التسريح بإحسان، بعد التطليقتين :"الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (البقرة 229)، فالإمساك في مودة وإعزاز، أو الترك الحسن في غير ما كيد ولا انتقام، "ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير" ( البقرة : 237).
ولها البقاء في هذه المدة في بيت الزوجية، في محاولة إسلامية رحيمة بغية الصلح والإصلاح أيضا، "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة، واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن ألا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف: ( أول سورة الطلاق ).
وفي هذا من المودة ما فيه عسى أن يقضي على ما بالنفوس، وعلى ما استحكم بالنفوس من خصام، وفيه إبقاء على المودة السابقة واعتراف بها، وإبقاء موضع للعلاج، حتى فرضت النفقة لها في هذا الوقت العصيب اعترافا بما كان وتطييبا للخاطر، وحتى أضيف بيت الزوجية إليها، وربما تخرج منه إلى غير رجعة، إبقاء على ما ذكرنا واستثارة لعواطف الحب والذكريات الطيبة، وتذكيرا بالهوة السحيقة المنتظرة.
وكل طلاق لا يجري على هذه السنن فهو بدعي يسأل عنه صاحبه لا الإسلام، روى النسائي بسنده، قال : "أخبر النبي صلى الله مليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات، فقام غضبان، ثم قال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ حتى قام وجل فقال :  يا رسول الله ألا أقتله ؟.
وروى الدارقطني بسنده عن الحسن قال : "حدثنا عبد الله بن عمر قال : قلت يا رسول الله، أرأيت لو طلقت امرأتي ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها، قال : لا، كانت تبين وتكون معصية".
وشرع الإسلام الرجعة ما دامت الزوجة في العدة فضلا من الله ورحمة بلا مهر ولا عقد قبل مضي الطلقة الأولى والثانية، وبعدهما بعقد ومهر جديدين، فما زال الباب مفتوحا للرحمة والمراجعة.
وبعد ذلك تصبح المسألة أعمق من تداركها وإصلاحها، ولا تحل له إلا بعد أن تتزوج آخر زواجا صحيحا بعيدا عن شبهة المحلل، وإن حدث وطلقها الزوج الثاني، فيحل للأول مراجعتها إن رغبا في ذلك، وزواجها من جديد.
وكأنما ذلك تأديب من العبث والاستهتار، وإشعار بقيمة الزواج وقداسته، يقول سبحانه : "فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره". وفي الضمير ( الهاء في له ) بما يشعر بأنه أصبح غير مخاطب وغير مرغوب فيه، وفي التصريح يذكر الزوج استثارة بأن غير سيعتليها غيره، عسى أن تثير من سحه شاكلة انتباه، فيبقى على علاقة كريمة مشرفة.
ولبيان مقدار القسوة الجاهلية من جهة، وبيان رحمة الإسلام من جهة أخرى في هذه المسألة نسوق حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، فيما رواه الترمذي بسنده عن عروة فيما قالت :
".. كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته : والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا، قالت : وكيف ذلك ؟ قال : أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها. فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرءان : "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (البقرة 229).
قالت عائشة : فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق".
وتلك إشارة لنظام الجاهلية الجائر الظالم، والتجني على المرأة في أقدس حقوقها، وللاستهتار
بالحياة الزوجية والجناية على القيمة الإنسانية . .
وتقرير - بالتالي - من نظام الإسلام في عدل ورحمة واحترام وحفظ للحقوق وتقديس لحق الحياة الكريمة، في تشريع قوامه العدل والرحمة، من الحكيم اللطيف.
يقول الأستاذ العقاد - رحمه الله - في كتابه : ( المرأة في القرءان):
( فأوجب القرءان الكريم على الزوج أن يثوب إليها في أمد محدود... تهدأ فيه سورة الغضب، ويعاود الرجل فيه طوية نفسه، عسى أن يستجد لعشرته الأولى حنينا طغت عليه النظرة في ساعة الغضب أو الفتنة، وعسى أن تظهر الأمومة المستكنة، فتربط بين الأب وإلام برباط يعز عليهما أن يبتر وينفصم إلى غير رجعة. وعسى أن تلين المرأة بعد شماس، وأن تستحضر المحبة والوئام بعد استحضار الأنفة والخصام، فإن طالت المهلة شهرا بعد شهر، ولم يتغير ما في النفوس، فالبت في الطلاق - إذن - إنما يشرعه القرءان الكريم رحمة بالمرأة المعلقة، لكيلا يسومها الرجل أن يرتهنها بقيد الزواج، ويطيل ارتهانها نكاية لها، وإهمالا لأمرها، واستبدادا منه بحاضرها ومصيرها.
على أن الطلاق ليس سيفا مصلتا على رقبة المرأة، وبالتالي ليس ارتهانها بقيد جعل الطلاق بيد الرجل كما لو كانت في سجن لا فكاك منه :
فللمرأة - في الإسلام - حق الخلع، وحق المباراة من النفقة والصداق، إذا ما رغبت في فصم عرى الزوجية، لاستحالة العشرة، أو سوء الخلق، أو الرغبة لسبب في الانعتاق.
على أن الإسلام قد كره ذلك كما كره الطلاق، يقول عليه الصلاة والسلام :"أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة".
وكادت جميلة بنت عبد الله بن أبي سلول تبغض زوجها ثابت بن قيس، فأتت النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت : "لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أعبته في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام وما أطيقه بغضا : إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة من الرجال، فإذا هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها. فقال رسول الله لها : "أتردين عليه حديقة؟ قالت أردها وأزيده عليها، فقال الرسول أما الزائد فلا"، وقضى بالطلاق بينهما.
بل وأكدت بعض المذاهب الإسلامية المعتبرة أن للمرأة - إذا تنازل الزوج عن حقه ورضى
بشرطها - أن تجعل العصمة بيدها، فيكون لها – كما له _ حق الطلاق، حين تتعذر العشرة الودودة والهناء العائلي.
فالطلاق في الإسلام وإن كانت فيه قسوة كما قلنا وبغضا... إلا أنه فيه إحسان بالاعتاق من رق النكاح، وإذا لم يحصل بالنكاح المطلوب منه فإن في الطلاق صلاح حتى لا يكون الوقوع في الهلاك لأحد الزوجين.
وكان الطلاق متعددا لمراجعة الحال والمآل ومعرفة إمكانية الصبر ومداه، واكتفى بالثلاث لأن التجربة تحصل بها غالبا. وفي الثلاث علقه بما تكره النفوس وهو زواجها من غيره. وجعله الإسلام أساسا بيد الرجل، حتى لا يخضع لأهواء المرأة وسرعة تقلبها وكثرة ضجرها وسرعة غضبها، وراعى الطبيعة البشرية في أن يطلقها في طهر لم يمسسها فيه، لامتحان كمال رغبته وميله إليها في حالة عدم انتقاص ميله إليها، وحتى لا يزهد فيها إذا قضى وطره منها، والنعمة إذا أشرفت على الزوال عزت، وهما لنفسها في هذه الأثناء أملك. وما جعل الإسلام العدة إلا للمراجعة أولا، ومعرفة براءة الرحم ثانيا، حفظا للأنساب، وتورعا وبعدا عن الإثم والحرام، وأملا في رجعة إذا كان الرحم مشغولا.
يقول الأستاذ العقاد - رحمه الله - في كتابه (المرأة في القرءان) :
(ولم تخل آية عرضت للطلاق من توكيد الأمر بالمعروف والنهي عن الإساءة والإيذاء، والحث على مغالبة الشح والتقتير، وهي الحيطة التي لا مقترح وراءها على الشريعة وأحكامها، وإنما يكون الاقتراح على أخلاق الناس وعواطفهم وآدابهم، وليست هي مما تتولاه الشريعة بقوة الأحكام.
ومن الحسن أن يفرض على الناس طلب الكمال. ولكنه الأمل المنظور غير الواقع، وغير ما في الإمكان بين مختلف الأمم والعصور.
وما من شريعة إلهية أو إنسانية تصد الناس عن المثل الأعلى من الكمال المقدور لبني آدم وحواء، ولكنهم - إلى أن يدركوا شأوهم من كمالهم - لا ينبغي أن يجني أحدهم على غيره بجريرة تقصيره، بل جريرة التقصير الملازم لبني الإنسان أجمعين ).
وقد سقنا كلمة الأستاذ العقاد لإلقاء بعض الضوء على فلسفة التشريع في الإسلام حتى تخف حدة المتحاملين عليه وعلى شرائعه من الفارغين والفارغات من أعداء الإسلام، ومن بعض أبناء جلدتنا، ممن لم يفهموا روح التشريع الإسلامي، أو أشربوا في قلوبهم حب المستعمر ونظرته إلى تراثنا، حين تثقفوا على يديه، وارتأوا نظرته وتحيزوا لها، وأصبح موضوع "تعدد الزوجات" ) و"الطلاق"، و"الرق"... مصدرا خصيبا لسوء الفهم والجدال عند المبشرين والمستشرقين وتلاميذهم على حد سواء، ولآماد وأبعاد طويلة لا تنتهي.
وغفل هؤلاء وأولئكم عن أن الإسلام لم يبتكر الطلاق، ولم يحكم قيده، ولم يرهف حده . . . ولم يذكر هؤلاء ما كان سائدا قبل الإسلام من عنت وإرهاق، وظلم وظلمات . . وكيف أحالها الإسلام إلى رحمة وشفقة، ووضع حواجز كانت بمثابة طلب التمهل وإمعان الرؤية والروية.
فغالبا ما يكون الطلاق من إهمال وصايا الإسلام وتعاليمه في وجوب العناية بسلامة الأسرة قبل تكوينها وبعد تكوينها : من مراعاة اختيار الزوجة على خلق ودين، وشروط الخطبة في الرؤية والتصرف على الطرف الآخر في حدود الدين، ومن وجوب المصارحة والصدق قبل إبرام الأمر. ومن وجوب احترام الزوج والزوجة لبعضهما، ومن تبادل المودة والمحبة والإيثار والصبر، ومن رعاية الزوجين من الأهل والمحيطين بما يجعل بينهما الهناءة والانسجام، ومن تذليل سبل الحياة الكريمة حتى تسير رحلة الحياة سوية سعيدة، وفي إشاعة جو المحبة والثقة والتقدير بين الأسر الصغيرة والكبيرة على حد سواء.
فتعاليم الإسلام من الصالحات الهاديات، والقرءان الكريم يقول :"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" (النحل 97) . صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here