islamaumaroc

تصورات في الثقافة والصحافة.

  محمد الجحرة

235 العدد

المحيط الثقافي ينبع من التعليم بمراحله التقليدية أو العصرية، ومن المحاضرات ومجالس العلم والندوات الأدبية والمناظرات الثقافية والعلمية، ومن المجلات الأدبية والثقافية والفنية، وحتى مما تنشره الجرائد اليومية الأسبوعية مما له ارتباط بالتوعية الفكرية وتوسيع دائرة الأفق العقلي والفكري مما يصلح أن يكون أداة فعالة للميدان الثقافي، ولذلك كان لا بد من توسيع دائرة التوعية الصالحة التي تكتشف المواهب وتفتح الأبواب لبلوغ الأهداف المنشودة لكل مثقف ومتعلم.
ومن هذا ينشأ المجتمع الثقافي المشبع بالأفكار الخلاقة التي تنير الطريق لجيل سوف يلجأ إلى التنقيب عن الماضي ليستخرج منه ما يطلبه الحاضر في قالب جديد يوافق عقل جيل لم يعش ذلك الماضي إلا ما يسمعه ممن يحكى له عنه، لكن المجتمع الثقافي الذي سبق نشأته بسنوات هو الذي احتفظ له بذخائر في مادتها الأصلية الأصيلة مسبوكة في أسلوب يلائم ويساير تطور الفكر العربي الحديث.
وإذا انعدمت تلك الينابيع فبيس باستطاعة أحد أن يلمس أي أثر ثقافي له أسسه ومقوماته ويعتمد عليه في خلق جو ثقافي يدرك وسائل التطور ويخطر إلى تنوير العقول المتفتحة التواقة إلى الرقي والتقدم في مدرجات حضارية وفكرية تسمو بالعقل إلى مستوى رفيع ينفع الوطن والأمة.
تلك ظاهرة طبيعية مرت بها كل الشعوب، ومراحل دقيقة اجتازتها بالخصوص الدول المستضعفة وطوقها بمرور السنين في ظروف انتقالية وتغلبت عليها بوسائل عديدة وجد إيجابية ترجع إلى طبيعة وطبائع الإنسان الذي من فطرته أن يعيش بين الأحلام وألاماني وانتظار غد مشرق، وفي هذه الحالة يكون الفرد والجماعة سببين في المسؤولية، وهو شأن المجتمع الصغير والمجتمع الكبير، فلكل منهما أحلام وتفكير لا يفارق الذهن لتحقيق تلك الأماني التي قد يكون منها بناء الأسرة الصالحة من زواج الأبناء والبنات والمصاهرة والحرص على إنجاب الأطفال وتوسيع دائرة الأسرة، ومثل ذلك المجتمع الكبير له من الأماني الكثيرة يسعى لتحقيقها وبالأخص إذا كان تحت الضغط والكبت والحرمان بتوسيع دائرة التوعية لتشعر الأمة أن الظلام والظلم زائلان غير دائمين، وأنه لا بد من بزوغ فجر وطلوع شمس، ولا بد كذلك من غد مشرق باسم يعيش فيه الجميع في سعادة ويتنفس فيه الأفراد الصعداء وينعم فيه الصغير والكبير بنسيم الحرية التي طالما خاطبته بها الأحكام وناشدها في سره ونجواه.
ونحن في المغرب كان لنا ولا زالت معاقل للعلم ينهل من منابعها كل طالب يتلقى فيها العلوم على اختلاف شعبها وأنواعها من علماء أجلاء فضلاء لهم باع طويل في مختلف فنون العلم والأدب ولهم ملكة وموهبة وقدرة على التبليغ والإدراك، هؤلاء تركوا لنا الكثير من ذخائر إنتاجاتهم العلمية وأبحاثهم القيمة الفردية مما يعمل على استخراجه وتحقيقه وطبعه علماء هذا العصر المعروفين بتفانيهم وإخلاصهم في الأبحاث التاريخية والأدبية والعلمية.
وجل مدن المغرب كانت بها مجالس العلم كما في قراه، وفى هذه للمجالس أو الحلقات العلمية يتكون طلاب العلم تكوينا صحيحا وقويا متينا رغم قلة الكتب وندرتها وانعدام وسائل الطبع والنشر، فالنقل، نقل الكتب باليد ثم المطبعة الحجرية هما الوسيلتان للحصول على ما في الإمكان من الكتب.
وهذا التكوين وإن كان وسائله بدائية مع انعدام النور الحديث أو الضوء الكهربائي أعطى للبلاد ثمرة علمية نافعة في شتى العلوم الفقهية واللغوية والأدبية وغيرها من العلوم التي اختص بها كل عالم مشارك.
وهذه الظاهرة العلمية الواسعة لم تخلق في البلاد حركة ثقافية شاملة جامعة، بل ومجتمعا ثقافيا يشمل شباب الجيل ورجال المستقبل، أنها كانت في نطاق خاص يعرف أهلها بالعلماء والفقهاء لهم صفات يختمون بها احتفاظا على مكانتهم العلمية التي هي غاية العلم في التحلي بالصفات الحميدة من حشمة ووقار ومكارم الأخلاق.
وهذا التكوين التقليدي بعد حصول طلابه على الإجازات من أكبر العلماء والفقهاء يتعاطون التدريس والقضاء والعدالة والإفتاء والإمامة وخطب الجمعة وبعض الوظائف العليا على الصعيد الحكومي، وكانوا العضد الأيمن للدولة في الشدة والرخاء حيث حافظوا على اللغة العربية والشريعة الإسلامية السمحة، وحثهم على فتح الكتاتيب القرآنية في كل حي ليكثر حفظة كتاب الله العزيز في مدن المغرب وقراه إلى جانب قيامهم بالواجب العلمي من وعظ وإرشاد وتوعية دينية وأخلاقية ومواقفهم المشهودة ضد الغزاة المحتلين.
ونرى من خلال تاريخنا المجيد أن من العلماء من تعاطي الكتابة وتقريض الشعر، فالإبداع في الكتابة الفنية كانت إلى جانب الخط المغربي الجميل لها مكانتها وتحتل مكان الصدارة في دواوين الإنشاء للدولة، وترك كثير من الكتاب والشعراء ذكريات عصرهم وحالة الأمة الاجتماعية في مختلف أطوارها، ومن ملوك الدولة العلوية الشريفة علماء تركوا وراءهم أثرا قيما في التأليف ونظام سياسة الدولة، ومن علمائنا من يمكن أن نطلق عليه موسوعة لما جمع من مشاركته في كثير من فنون العلم والأدب والثقافة.
وملوكنا الأبطال الذين قادوا سفينة هذه الأمة بنصائحهم الغالية وحكمتهم الرشيدة كانت لهم المنامة الكبرى بالعلم والعلماء، فقد مدوا يد المساعدة والتشجيع للعلماء على أداء رسالتهم العلمية، وللعمل المستمر على توحيد كلمة الأمة وحثها على التمسك بتعاليم الإسلام والتخلق بالأخلاق التي جاء بها خاتم النبيئين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتعلق بالعرش العلوي العتيد الذي هو ضمان وحدة هذا الوطن الدينية والترابية.
وقد بذل الجانبان جهودا جبارة للحفاظ على اللغة العربية وتعاليم الإسلام السمحة الخالصة من كل بلبلة وتشويش مما أعطى لهذا الوطن ميزة خاصة في وحدة عقيدته وبعده عن كل غزو فكري في حرصه على إحياء اللغة العربية التي هي لغة القرءان الكريم.
والملاحظ أن الناشئة المغربية المثقفة اليوم في تشوق للاطلاع على الأطوار التي مر بها مجتمعنا العلمي والثقافي في عدة عصور لإعطاء هذه الأطوار نوعا جديدا من السبك والبحث المفيد للوصول إلى الغاية المنشودة في مجال البحث العلمي ومنهاجية التأليف الحديث خدمة للمستقبل العلمي المتطور، وهذا ما اهتدى إليه بعض طلاب العلم في حياتهم العلمية واستكمال جوانبها لتحقيق الغاية المثلى في تحضير عمل علمي ترجع أبحاثه إلى ما كتبه وسجله العلماء والأدباء والكتاب المغاربة بالخصوص في شتى مراحل تاريخ المغرب، وإلى الجانب الثقافي الشامل لدى رجال العلم والفكر وما يذخروه ويحتفظون به في مكتباتهم الخاصة مقدرين المجهودات التي بذلوها في هذا السبيل امتدادا لمسلسل النهضة الثقافية في وطننا وتتميما لما قدمه شيوخنا داخل هذه الحلقات المحكمة المنسقة لخلق وحدة فكرية إبداعية امتزجت في قالب من الماضي والحاضر حفاظ منه على التراث المغربي الأصيل ماضيه وحاضره ومستقبله.
ومن الأهداف التي تنهج سبيلها الناشئة من الباحثين والباحثات في التاريخ والأدب والعلوم هو التعريف بالحياة الإجتماعية والثقافة والحضارية في شكلها الأصلي وفى إطار جديد يغطينا صورة لمغرب جديد في ثقافته لجديدة الحديثة مع انبعاث علمي وحضاري متطور.
وهذا من بواعث النهضة الثقافية الحديثة التي وجهت التعليم ونظمت مراحله وشجعت المتخصصين في مختلف الشعب وفي زمن وجيز مع توفر الإمكانيات العلمية ليتقلدوا مهام ذات مسؤولية في التعليم والقضاء والهندسة والحب وعلوم الإعلام وتسيير الإدارة وغير ذلك من المهام التي يتكون منها جهاز الإدارة ومتطلبات الأمة.
من بين هذا التكوين المشبع بالثقافتين الممتزجتين بتراث الماضي والحاضر تظهر مواهب بين الحين والآخر في فنون مختلفة تعطي إشعاعها بنوم من الجرأة الفكرية والشجاعة الأدبية.
ذلك أن طلاب العلم من شبابنا في أوائل هذا القرن كانوا تواقين إلى طلب العلم أينما وجدوه، لكن الغاية لن تتم إلا إذا اغترفوا من منابعه، ومعقل العلم واللغة والدين والشريعة والأدب بجامع القرويين التي كان يحج إليها الغني والفقير من أنحاء المغرب طلبا للعلم والتزود بالدر من معدنه لما لمدينة فاس من الإمكانيات لقبول الطلبة بمدارسها التي تأوي بداخليتها كل طالب علم، كمدرسة الصفارين والبوعنانية من المدارس التي أصبحت من الآثار التاريخية المعمارية الفنية، كما كانت توجد ببعض مدن المغرب الشهيرة بالعلم مدارس من هذا النوع لكنها قليلة حيث توجد مدرسة في كل مدينة، كمدرسة لوقش بتطوان، على أن القرويين كانت بمثابة الجامعة، يتخرج منها علماء حملوا الإشعاع العلمي إلى بقية أنحاء المغرب، ومنهم كان علماء الحديث والتفسير واللغة والأدب، ومنهم القادة العلماء والزعماء البلغاء الذين لم يكتفوا بما حصلوه من ثقافة، بل زاد تطلعهم وطموحهم إلى ثقافة سياسية لم تلقن ولم تدرس شعورا منهم وإحساسا بالضغط والحرمان من الحريات العامة وتأسيس الجمعيات وتبادل الآراء والتعبير البناء، وحرية التجول في أنحاء المغرب شماله وجنوبه، وفتح المدارس العصرية والتطلع إلى نظام ديمقراطي بمنح الشعب حقوقه وطموحاته للخروج من عزلته ليعبر بمن شعوره وآرائه في إصلاح البلاد والسير بها إلى مستقبل أفضل، ووضع حد للثقافة الدخيلة المغرضة ونشر التعليم الذي هو حق لجميع أبناء الوطن وإحياء اللغة العربية ومحاربة روح التفرقة التي بدأت تسود البلاد.
في أجواء هذه السحب القاتمة بدأت تنمو  الثقافة السياسية التي كان لازما أن تعمل في السر زمنا طويلا، حتى إذا أفلحت مسعاها خرجت إلى الوجود، وكان يطعم هذا النوع الجديد من الثقافة بعثات من شباب المغرب رجعوا إلى الوطن من الشرق والغرب حاملين معهم الوجه الجديد للثقافة الحديثة إلى جانب ما كان يرد على المغرب من جرائد سياسية ومجلات ثقافية من بلاد الكنانة زيادة على الاتصالات الشخصية والمراسلات السرية بين القادة ورجال الفكر في المشرق والمغرب.
بمثل هذه العوامل توفرت لدى الثقافة السياسية كل العناصر المطلوبة، وحصلت على تكوين صحيح يؤهلها لخوض تجربة في النشر بإصدار صحف تلقن القراء شبابا وكهولا من خلال مقالاتها وتعاليقها ثقافة سياسية كان من الضروري أن تعم جميع طبقات الأمة.
وإذن كان لا بد من ثقافة حديثة تظهر للوجود بعد ما فرضت الحماية على هذا الوهن، وتصرف فيه الولاة المعتمرون أسوأ وأبشع تصرف، وضيق الخناق على أصحاب الأرض، فكان المتنفس الوحيد أمام هذه الوضعية هي الصحافة المغربية المعبر الوحيد من مطالب الشعب، فكانت نشرات وجرائد تطبع على آلة التكرار ثم جرائد تطبع على المطابع الحديثة، وبدأت تصدر جرائد عربية وفرنسية وإسبانية هي الباقة التي قدمت لهذا الشعب وثمرة الثقافة السياسية وهذه النواة المباركة للصحافة المغربية التي لم تنقطع عن توعية المواطن المغربي، ثقافيا وسياسيا وفكريا منذ أن ظهرت أول ورقة ضمت بين سطورها الثقافة السياسية.
لهذا نجد في عهد الحماية الذي دام مسلطا على هذا الوطن مدة خمس وأربعين سنة بعض الجرائد تصدرها إدارة الحماية تنطق بلسان حالها، وجرائد وطنية تبث الوعي الثقافي والسياسي وتخدم مصلحة الوطن وتسهر على حفظ الكيان المغربي لما يجد فيها القراء من آراء حرة وأفكار نيرة ووطنية صادقة بأقلام رواد الفكر والأدب والحرية.
وتجدر الإشارة إلى أن من مظاهر هذا الانبعاث في الميدان الصحفي الذي كان ثمرة الثقافة السياسية صدور عدة جرائد ومجلات في مختلف مدن المغرب، نذكر منها ما صدر في الثلاثينيات :
ففي الرباط : صدرت مجلة المغرب وجريدة الأطلس وجريدة المغرب، وبمدينة سلا جريدة التقدم، وبمدينة فاس جريدة الدفاع.
وبمدينه تطوان صدرت مجلة السلام وجريدة الحياة ومجلة المغرب الجديد وجريدة الريف وجريدة الأخبار وجريدة الحرية وجريدة الوحدة المغربية ومجلة الإرشاد الديني وجريدة بريد الصباح.
على أن هذا من تاريخ الصحافة بالمغرب تعرضنا لذكر بعضها دون ذكر مؤسسيها من القادة والأساتذة والأعلام الفضلاء جزاهم الله أحسن الجزاء على ما قدموه من خدمات لهذا الوطن العزيز، وذلك لشهرتهم ولما لهم من الفضل الكبير في تنوير الناشئة الطموحة لخوض تجربتها في ميدان الصحافة والنشر التي ظهرت بعد في تاريخ الكفاح المغربي والمقاومة عن طريق الثقافة السياسية في فترات متتابعة إلى أن تحرر المغرب وتحررت صحفه الوطنية من الرقابة.
كان هذا جانبا من الوعي الثقافي المثمر، ظهر بعد أن اكتمل النمو الثقافي وترعرع وبلغ أشده لتعطشه للتجديد والتعبير السالم والرأي الذي لا مراء فيه ولا خذلان.
على هذا المنهج القويم تتلمذ جيل الأربعينات فتصدى بكل جرأة ونزاهة لميدان الصحافة مجربا جعله في النجاح وفى حذر من الفشل ككل تجربة.
فصدرت بالرباط : مجلة رسالة المغرب وجريدة العلم ومجلة الشباب المغربي.
وبالدار البيضاء جريدة الرأي العام. وبمدينة سلا جريدة الوداد. وبطنجة جريدة مراكش وجريدة منبر الشعب.
ومن الصحف التي مرت بتطوان خلال هذه الفترة : المجلات : الأنيس، الأنوار، لسان الدين، المعرفة. ومن الجرائد : الدستور، النهار، الشهاب.
ونترك ذكر ما صدر من الصحف في النصف الأول من الخمسينات التي صدرت فيه أكثر من عشرين صحيفة ما بين جريدة ومجلة صدرت في الدار البيضاء والرباط وطنجة وتطوان للوصول بكفاح الثقافة السياسية إلى بزوغ فجر الحرية والاستقلال.
وبمقدار ما حققته صحافتنا من أهداف وغايات نستطيع القول بأن الرأي العام كان على صلة وثيقة بجرائده ومجلاته وما تنشره على صفحاتها من تعليقات وتحليلات ومواضع أدبية وقصائد شعرية وقصص شيقة، وتعطيه الإشعاع الكافي اللائق بمستواه العقلي والفكري وذوقه الأدبي في هيكل صحفي صالح، له ميزاته في التنسيق والإتقان والإبداع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here