islamaumaroc

عرش قائم على تقوى الله.

  محمد قشتيليو

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

يقول الله جل جلاله في كتابه الكريم :"ومن يتق الله يجعل له مخرجا"، كل أمم الأرض تمر بأزمات وتقف في طريق مسيرتها شتى العراقيل والصعوبات قد يكون ذلك من الله امتحانا لها، إما لخروجها عن الجادة وانزلاقها عن الصراط السوى أو لأمر يعلمه الله ، فالله خلق الإنسان في أحسن تقويم، ولكن النفس الأمارة بالسوء تجعله ينزلق ويحيد عن الطريق. ولكنه جل وعلا رحيم بعباده المومنين فيتداركهم بلطفه يبعث فيهم عبادا مومنين ودعاة مخلصين وهداة صادقين يرشدونهم إلى طريق الخير، وهكذا حلت بالأمة المغربية أزمات وتراكمت عليها النكبات وتكالب عليها الطغاة فتداركها الله بلطفه بأن أرسل لها من ينقذها من كبوتها ويوقظها من غفلتها، هداها إلى رجال من خيرة عنصر مخلوقاته من سلالة نبيه الكريم وسليل دوحة حبيبه وصفيه، هداها إلى رجال من أسرة كريمة هداها إلى الأسرة العلوية المجيدة، فكان منها رجال قاموا بأداء الرسالة وتحمل الأمانة فكان المولى الرشيد الذي أعاد للتراب المغربي وحدته وقاوم الكيانات والتفرقة وقضى على حركة الدلائيين وغيرهم وركز للعرش المغربي أساطينه وقوى دعائمه، وجاء المولى إسماعيل الذي قام بأعباء الدولة بحزم وجد فجدد للإسلام قوته في هذه الديار فقضى على الثوار وحقق الأمن وحرر بعض أجزاء المغرب من يد الأجانب كالإسبان والبرتغاليين والإنجليز، ونظم جيش الدولة تنظيما محكما فهو الذي أنشأ جيش "البخارى" نسبة إلى الإمام البخاري إذ كان في ترحاله يحمل كتاب الأحاديث النبوية للبخاري وتدق له خيمة يوضع بها احتراما لما حواه من أحاديث نبوية، وضمن بهذا الجيش أمنا داخليا فكان نفوذه يمتد إلى موريطانيا، ولا ننسى جهود محمد الثالث وما كان له من أثر على الدولة المغربية وما حققه من أجل الإسلام والوطن إذ عرف كيف يقصي الجيش عن السياسة وحقق انجازات كثيرة ومتنوعة نذكر منها تحرير بعض الموانئ المحتلة وإنشاء موانئ جديدة على المحيط وتقوية الأسطول المغربي وكذا تقوية علاقاته مع الدول الإسلامية وخاصة مع الدولة العثمانية، وعقد اتفاقات تجارية مع الدول الأوربية حتى كانت بعض هذه الدول تدفع أتاوات للمغرب من أجل مرورهم بمياهه الإقليمية كالدانمرك والسويد، كانت الأتاوات تدفع كسلاح حديث، كما طرد البرتغاليين من الجديدة، وأول من اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، كان يشجع العلم والعلماء واتجه إلى المدرسة السلفية ونبذ بعض البدع والخزعبلات.
كانت نهاية القرن التاسع عشر وهو عصر النهضة الأوربية التي كانت إذ ذاك في أوج عظمتها وقوتها وصارت تبسط سيطرتها على الشعوب الضعيفة بما يمسى الآن بالعالم الثالث فأصبح نجم الدول الإسلامية يفل وحجمها يتقلص أمام عجرفة المسيحيين الأوربيين فصاروا يستولون على الأرض الإسلامية شيئا فشيئا، فكان المغرب مهددا بالاستعمار عندما دهم جارته الجزائر وصار يشرئب بعنقه نحو المغرب ولكن الله قيض له ملكا يقظا وإماما حازما ذلك هو الحسن الأول، كان رحمه الله  كما يقولون عرشه فوق شرج حصانه إذ كان كثير التجوال في أرجاء مملكته وكان هدفه الوحيد هو محاولته إدخال التجديد على الدولة ومسايرة النهضة الأوربية في موكبها التقدمي لأن المغرب قريب من أوربا ومحط أنظار الطامعين من ساستها إذ كانت "موضة" التسابق إذ ذاك إلى استعمار الشعوب الضعيفة لأخذ مواردها الطبيعية لاستخدامها واستغلالها في صناعتها المتطورة، فقام بإرسال بعثة من الطلبة المغاربة للدراسة في أوربا ونظم الجيش المغربي وأسند مهمته إلى خبراء أجانب وأنشأ مصنعا للسلاح بفاس ومصنعا للعملة ونظم البريد، ولكن بعد وفاته تدهورت الأوضاع ومرت على المغرب محن إلى أن فرضت عليه الحماية فرضا ولكن الله لطيف بعباده ويجعل بعد العسر يسرا فبعث للأمة المغربية من ينقذها من أغلال التبعية ويقض مضاجع الإستعمار الذي ظن أنه قد ارتاح ودانت له الرقاب، فاختار لهذه الرسالة بطل العروبة والإسلام جلالة محمد الخامس الذي منذ اعتلائه أريكة أجداده المقدسين وهو يبلى البلاء الحسن في سبيل نصرة الحق وطرد الدخيل، فمواقفه وإصلاحاته عديدة ومتعددة سجلها له التاريخ كلها بمداد الفخر والاعتزاز، وفضله في تحرير شعوب إفريقيا لا ينكر، فما مواقفه البطولية من الظهير البربري معروفة واعتناؤه بالتعليم وإنشاء المدارس، هذا الجهاز الذي كان رحمه الله يشجعه ويسهر عليه بنفسه وما البيعة الكبرى من منبر طنجة عام 1947 إلا إحدى الدلائل على تضحياته وتفانيه في الدفاع عن مصلحة الأمة والوطن والتي أعطت للاستعمار الدرس القاسي والذي لقنه له في وقت لم يكن ينتظره منه فقد فاجأه به عندما أعلى حق المغرب في استرجاع سيادته واستقلاله، وأنه ينتمي (أي المغرب ) إلى مجموعة الدول العربية والأمم الإسلامية حيث قال قدس الله روحه : "إن المغرب المسلم بلد عربي ويبقى عربيا تملأ نفسه المثل العليا التي تملأ نفوس العرب والملمين جميعا". وبقى يكافح ويناضل ويغذي الأمة بروحه الطاهرة الوثابة إلى العلا لأجل إسعاد أمته وحلها المحل اللائق بها بين الأمم المتقدمة، إلى أن ضاق الاستعمار ذرعا بنشاط سيدنا فأقدم على جريمته النكراء بنفيه هو وأفراد الأسرة الكريمة إلى مدغشقر، ولكن الله وعد المومنين الصابرين بالنصر والتمكين إذ قال جل جلاله :"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض" وقد استجاب الله لدعاء سيدنا ودعاء المومنين من أمته فعاد إلى عرشه مكللا بالنصر يشد إزره ويقوي عضده وارث سره جلالة الحسن الثاني حفظه الله، وما أن انتقل إلى جوار ربه حتى ترك الأمانة في يد حازمة وأمينة، يد تعرف كيف ترعى الأمانة وتحقق آمال الشعب في شتى المجالات، إذ أقام سيدنا دعائم متينة للمغرب الجديد فحقق المنجزات في أقصر مدة وفي زمن وجيز حتى أصبح المغرب يتوفر على ما كان يعوزه بالأمس القريب بل يزيد على الحاجة، إن عاهلنا العظيم يضع الكلمة الأولى في كل أعماله كلمة "الحمد" بها يتوج كل أحاديثه ويضع أمس كل مشاريعه، إنه ينشر كلمة التوحيد في كل بقاع المعمور فما تشييد بيوت الله ليذكر فيما إسمه غير خاف على أحد لا في المغرب فحسب بل في كل قطر من أقطار الدنيا إلا ويشيد فيها حفظه الله - بيوتا لعبادة الله من إفريقيا إلى آسيا، وما الرسالة الخالدة الموجهة إلى ملوك ورؤساء الدول الإسلامية في مطلع القرن الحالي الهجري إلا إحدى هذه المكرمات والدعوة لاتحاد كلمة المسلمين ونبذ الخلافات لا يفتأ يبثها بينهم في كل آونة وحين، وما كفاحه من أجل إعادة الحقوق للشعب الفلسطيني والدفاع عن المسجد الأقصى إلا دليل قاطع على أن سيدنا همه الوحيد هو الدفاع عن الإسلام أولا وقبل كل شيء كما أنه لا يترك مناسبة من المناسبات الدينية إلا ويحضرها بشخصه الكريم ويحييها كليلة القدر وعيد المولد النبوي الشريف وغيرها، وسيدنا لا يدع فرصة دينية تمر دون أن يشكر شعبه بأكمله فيها ليحظى من ربه بالثواب والمغفرة.
فما إذاعة القرآن الكريم يوميا بواسطة جهاز التلفزيون في شهر رمضان المعظم حتى يأخذ كل فرد من أمته حظه من الثواب والأجر لسماع كتاب الله والتبرك به داخل بيته في شهر التوبة والغفران إلا مكرمة من مكارمه، وأعظم بها مكرمة.
إن منجزات سيدنا يعجز القلم عن حصرها، ففي الاقتصاد والتعليم والزراعة والصناعة وكل ميدان من هذه الميادين إلا وتجد مشاريع ضخمة أنجزت وأصبحت توتى أكلها، كما لا نسنى المكرمة العظمى والتي أذهلت العالم وتعد بحق معجزة العمر ألا وهي المسيرة الخضراء التي أنقذ بها إخوانا لنا من براثين الاستعمار وأعاد قسما من ترابنا الوطني إلى حظيرة العروبة والإسلام وهو يعمل الآن جاهدا لتحقيق وحدة المغرب العربي، وقد أبرمت عدة عهود ومواثيق بين تونس وليبيا والمغرب كلها لصالح شعوبنا الإسلامية العربية، كل ما يحققه سيدنا ويوفق في إنجاز كله بفضل إيمانه القوي بالله، واتباع سنة جده عليه الصلاة والسلام. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here