islamaumaroc

الصحوة الإسلامية تاريخا ومنهجا ودور المغرب في تدعيم أسسها

  أحمد بودهان

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

حقيقة الصحوة – نشأتها وتطورها – جذورها السلفية – مبادئها وأهدافها ووسائل تحقيقهما – دور مغرب الحسن الثاني في تدعيم أسسها – روادها الحاليون – موقف الغرب منها – أثرها ومستقبلها

كثر الحديث عن الصحوة الإسلامية المباركة، وذلك بكثرة ما يكتب ويؤلف وينشر من حين آخر في الجرائد والمجلات ووسائل الإعلام عموما.. حتى أن المرء المسلم المؤمن الصادق لا يسعه – والحالة هذه – إلا أن يتفائل بهذه الصحوة خيرا، منتظرا منها تحقيق ذلك الأمل المأمول المتوخى من صحوتها المباركة وخاصة إذا خلصت النيات، وحسنت النوايا، وساير الفعل القول وواكب التطبيق النظر، حتى تصبح الصحوة فعلا قوة عالمية ثالثة كما يقول عنها الخصوم المتخوفون منها، وثورة دينية إنسانية إصلاحية متطورة شاملة معنويا وروحيا وماديا وإجتماعيا كما يتوقع أنصارها وروادها المخلصون..

إلا أن المتتبع لكل ما يكتب ويقرأ وينتشر عن هذه الصحوة، يلاحظ أحيانا وكأن هناك نوعا من التفكك والتمزق في الوحدة الهيكلية بخصوص البحث المنهجي العلمي لها، ذلك المنهج الذي ينبغي أن يكون منهجا قارا وثابتا ومترابط العناصر والحلقات والأفكار والبرامج، واضح المعالم والمبادئ والأهداف، حتى يتسنى للجميع أن يستوعب أهداف الصحوة وحقيقتها، وأن يكون على بصيرة من مبادئها ومسارها ونشأتها وتطورها، مما يسهل الأمر على الأجيال الصاعدة لتحذو حذوها، حالا أو آجلا إن شاء الله وخصوصا وأن هذه الصحوة قد آن لها الأوان أن تدخل التاريخ من بابه الواسع لا محالة، أحب من أحب من الخصوص، أو كره...

ومن أجل هذا فأنني سأتناول موضوع "الصحوة الإسلامية" هنا لا كحديث إنشائي، أو كلام خطابي، أو بأسلوب وجداني، أو ما شابه ذلك من الخواطر العفوية، بل ارتأيت أن أتناول الموضوع هنا تناولا منهجيا علميا تاريخيا، أربط السابق باللاحق، مرتبا مراحل نشأتها وتطورها وآثارها، معتمدا على بعض المصادر والوثائق التي تمخضت عنها جل المؤتمرات الإسلامية والعربية واللقاءات والندوات التي انعقدت في إطار هذه الصحوة المباركة، انطلاقا من مؤتمر القمة الإسلامية الأول المنعقد بالرباط تحت الرئاسة الفعلية لجلالة الحسن الثاني نصره الله، ثم المؤتمرات التي تلته إلى الآن، على أن أترك الباب مفتوحا لغيري من الباحثين والمؤرخين والمفكرين الإسلاميين ليستدركوا ما فاتني ويصوبوا ما غاب عني، حتى يصبح للصحوة الإسلامية منهجها التاريخي الواضح المعالم والمبادئ والأهداف، كحركة تاريخية إصلاحية دينية سلفية متطورة حديثة، وبالتالي قوة عالمية ثالثة تهيمن لا محالة على القوتين الطاغيتين الحاليتين الشيوعية منها والإمبريالية..

وبتعبير وجيز.. أريد بمحاولتي هاته "أن أؤرخ للصحوة" وذلك حسب تسلسل العناصر المشار إليها أعلاه واحدة تلو الأخرى فأقول :
أولا – حقيقة الصحوة في المبنى والمعنى :
من حيث المبنى الشكلي اللغوي، يعتبر لفظ "الصحوة" هذه الذي أطلق خصيصا على هذه الحركة الإصلاحية الدينية الحديثة لفظا حديث الاستعمال من حيث دلالته في هذا المجال، أما من حيث مدلوله الاصطلاحي الديني المراد له فهو لفظ مرادف للفظ "النهضة "مثلا، أو لفظ "اليقظة" أو لفظ "الانبعاث" أو ما شابه ذلك من دلالات الألفاظ الحضارية التي برز استعمالها إبان النهضة العربية الحديثة منذ بداية القرن العشرين، وإذا كان من غير اللازم أن نبحث عن الشخص الذي استعمل لفظ "الصحوة" هذا لأول مرة في سياق موضوع هذه الدعوة إلى الله على أسس متطورة – فإني أرجح أن يكون اللفظ بدأ في إطلاقه بهذا المفهوم الاصطلاحي مذ بداية السبعينات، ثم عم استعماله بسرعة حتى اختير ليطلق على هذه الحركة الدينية السلفية الحالية، وخصوصا بعد أن تعددت تلك اللقاءات والمؤتمرات والندوات الإسلامية والعربة من أجل جمع شمل وتوحيد الصف العربي على أسس إسلامية صافية، انطلاقا من "مؤتمر القمة الإسلامي بالرباط"، مع الإشارة أن لفظ الصحوة هذا، والذي أطلق يعتبر أبلغ وأنسب في دلالته المعنوية والمجازية بالقياس إلى الألفاظ الحضارية الأخرى التي سبقته في الاستعمال إبان بداية القرن العشرين، كلفظ الحركة – النهضة – الانبعاث – الثورة.. الخ. وذلك أن دلالة هذه الألفاظ هي دلالات كانت تركز معانيها أساسا على "العقلية الوطنية" رغبة في التحرر السياسي الوطني ورغبة في الانعتاق والحرية والاستقلال بمحاربة الدخيل عن طريق إثارة الحماس الجماهيري ضد الاستعمار باسم الوطنية، وحتى إذا سلمنا بحضور "العقيدة الدينية والروحية" بجانب العقيدة الوطنية كما رأينا في الدور الذي قام به الأزهر والقرويين مثلا، فإنه مع ذلك تبقى "العقيدة الوطنية" هي المركز الأول نظرا للظروف المعاشة المتمثلة في المواجهة المباشرة للعدو، ونظرا لمخلفاته وأساليبه التي كانت مجسدة بالدرجة الأولى في سياسة التفقير والتجهيل والتجويع وتشويه العقيدة الدينية بمعالم الخرافات والشعوذة والاستسلام والرضا بالقضاء والقدر...

أما لفظ "الصحوة" هذا والذي أطلق حديثا على هذه الحركة الإسلامية الحالية، فهو لفظ تتركز معناه أساسا على "العقيدة الإيمانية الروحية التوحيدية" التي قال عنها للرسول محمد صلى الله عليه وسلم :"لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أوله"، وهو الرجوع إلى التعاليم الإسلامية الصحيحة والشاملة للقول والفعل عقدية وسلوكا ومعاملات وكل ما يستلزم ذلك من التفتح العلمي التكنولوجي الحديث...

هذا عن حقيقة لفظ "الصحوة" من حيث المبنى عموما..

أما حقيقة "الصحوة" من حيث المعنى الاصطلاحي الديني الإسلامي المعاصر، فإنها تعني تلك الحركة السلفية المتطورة الحديثة المباركة القائمة على أساس الدعوة إلى الله، والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح من نكران الذات ووجوب الثبات على العقيدة، مع تطبيق الشريعة والأخذ بكل وسائل التطور العلمي والفكري ماديا وروحيا وإجتماعيا وثقافيا وسياسيا وعسكريا وحضاريا وتاريخيا، وكل ما يدخل في إطار مفهوم الصحوة من أجل ترك الجمود والخمود والتزمت والركود والغفلة والتقهقر جانبا، ثم الأخذ بكل وسائل التقدم العلمي بكل آفاقه وشعبه ومعارفه تكنولوجيا وجيولوجيا وبيولوجيا واقتصاديا وتربويا...".

إذ بهذا المفهوم المنطقي الموضوعي الواقعي لحقيقة "الصحوة الإسلامية" يستطيع المسلمون فرض وجودهم، وهذا بدوره لا يتأتى لهم إلا إذا تسلحوا بسلاح العلم وقوته وسلطانه مع سلاح الإيمان..

ثانيا – نشأة الصحوة الإسلامية وتطورها : (من السلفية إلى الصحوة) :
بفضل الإسلام الذي جاء مجددا للحنيفية على يد محمد الرسول خاتم الأنبياء – استطاع العرب أن يصبحوا أمة قوية متحدة موحدة تهابها الشعوب والأقطار، بعد أن كانوا قبائل متناحرة يسودهم الظلم والشرك والطغيان، ولما انتهى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعهد الخلفاء الراشدين، وانتهى بعد ذلك عهد الاجتهاد والازدهار العلمي والحضاري والفكري والمادي في القرن الرابع الهجري – ارتكن الناس بعد هذا التاريخ الزاهر إلى الجمود والخمول والتقليد والتعصب لهذا المذهب أو ذاك، إما جهلا أو رغبة في تلبية الثروات والشهوات والأغراض الذاتية، مما أدى إلى الانحراف عن جادة الصواب، والحياد عن جوهرة تعاليم الإسلام، والميل إلى العديد من المظاهر والشكليات والسطحيات والخرافات المشوهة لعقيدة التوحيدية الصحيحة والمحرفة للعديد من تعاليم الشريعة الإسلامية...

أقول.. بعد انتهاء تلك العصور الزاهية الأولى من تاريخ الإسلام، وظهور معالم الانحراف في القول والفعل والسلوك والمعاملات – قامت حركة دينية إصلاحية أولى بعيد القرن الرابع الهجري على يد بعض الفقهاء، وخاصة منهم الحنابلة، إلا أن الحزازات المذهبية التي كانت سائدة آنذاك، والأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية المتدهورة حالت دون فعالية هذه الحركة، وبقي الأمر يزيد تدهورا خاصة بعد هجمات التتار والصليبية حتى القرن السابع الهجري حيث ظهرت حركة دينية إصلاحية أخرى على يد "ابن تيمية" و"ابن القيم الجوزية" ثم الحركة الوهابية في القرن الثالث عشر الهجري، وكانت هذه الحركات كلها تدعو المسلمين إلى الرجوع إلى النبع الصافي من تعاليم الإسلام من أجل إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية، والعودة بهم إلى ما كان عليه السلف الصالح حتى سميت هذه الحركات ب"السلفية" أو الحركة السلفية التي كادت أن تؤتي أكلها لولا الزحف الاستعماري الذي منيت به الأمة العربية ابتداء من أوساط القرن التاسع عشر الميلادي...

وفي بداية القرن الرابع عشر الهجري موافق بداية القرن العشرين الميلادي ظهرت حركة إصلاحية دينية أخرى تعتبر امتدادا، إلا أنها كانت متطورة ومتفتحة أكثر على يد زعماء ومفكرين إسلاميين ومصلحين في المشرق والمغرب حتى أطلق عليها "السلفية الحديثة". ومن روادها في الشرق والمغرب "الأفغاني" و"عبده" و"السنوسي" "وقبادو" و"الثعالبي" و"ابن بادس" و"الدكالي" و"العلوي" و"علال الفاسي" و"السوسي" وغيرهم...

والملاحظ أن هذه السفلية الحديثة كانت "العقيدة الوطنية" والسياسة فيها أقوى من العقيدة الدينية التوحيدية الصحيحة نظرا لظروف الحال، ومراعاة لمحاربة الاستعمار. وقد أعطت هذه الحركة السلفية أكلها، وانتهت أو تكاد جذوتها تنتهي بتحرير الشعوب التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار كجهاد أصغر.

ثالثا – من السلفية الحديثة إلى الصحوة الإسلامية الحالية :
استطاعت الشعوب الإسلامية أن تتحرر سياسيا وعسكريا من الاستعمار نسبيا أو على الأقل ظاهريا، وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية إلى بداية الستينات..

إلا أن رواسب الاستعمار ومخلفاته وأساليبه الإيديولوجية وغزواته الفكرية والإلحادية التي حاول بها استعمار تلك الشعوب استعمارا أيديولوجيا عن طريق تشويه العقيدة لتفتيت صفوف المسلمين بترويجه لقولته الخبيثة "الدين أفيون الشعوب" جعلت استقلال هذه الشعوب استقلالا صوريا..

أقول .. كل هذه الأساليب الخبيثة تجعل الأمر أدهى بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية، ولعل خير دليل على هذا ما قامت وقوم به الصهيونية العالمية من تمزيق صفوف المسلمين تمزيقا سياسيا وعسكريا واقتصاديا وإيديولوجيا، بالإضافة إلى بث وزرع مظاهر الإلحاد والتشكيك لتشويه العقيدة الإسلامية في نفوس بعض الشباب المسلم، حتى أصحبت المادة هي المعبود المفضل، والعلم والقوة هما المتحكمان في مصير الإنسانية، وبالتالي تمزقت صفوف الدول العربية والإسلامية وانقسمت على نفسها في شكل تكتلات متناحرة بعضها منحاز لهذا المعسكر، وبعضها منحاز للمعسكر المضاد من المعسكرات الغربية شيوعية كانت أم إمبريالية.. وكل هذا جاء نتيجة للتدخل الاستعماري عن طريق تشويه عقيدة الإسلام بعد أن فشل في الميدان العسكري في تفريق صفوف المسلمين ..

وأمام هذا الوضع الراهن المتدهور صحا المسلمون صحوتهم تلك، وتنبهوا لما يحدث بهم عن طريق ترويج "الدين أفيون الشعب"، فعرفوا مكمن الداء الذي ينخر جسمهم فإذا بهم يجددون تلك الحركة النضالية المجاهدة الإصلاحية الدينية السلفية على يد دعاة إسلاميين علمانيين متفتحين متطورين، وعلى يد شعوب عربية إسلامية فأطلق على هذه الحركة السلفية الدينية الجديدة اسم "الصحوة الإسلامية" كدعوة ثورية عقيدية إيمانية مناهضة للأساليب الاستعمارية الإلحادية الرامية إلى تجريد المسلمين من العقيدة الروحية التي كانت وما تزال تجمع شملهم ..

وهكذا، ومنذ بداية السبعينات، انعقدت في إطار هذه الصحوة الإسلامية مؤتمرات وندوات ولقاءات وتجمعات باسم الإسلام وباسم تعاليمه قصد توحيد الصف، وإعادة الكرة من جديد، حتى تعود للمسلمين عزتهم تلك التي أضاعوها، وحتى يترفعوا عن تلك الحزازات الشخصية ليعملوا من أجل مصلحتهم العامة سياسيا وعسكريا واجتماعيا واقتصاديا...

ومن بين أهم هذه اللقاءات الدولية والعالمية التي انعقدت في إطار "الصحوة الإسلامية" نذكر على الخصوص :
- مؤتمر القمة الإسلامية الأول بالرباط برئاسة جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله.
- مؤتمر مكة الإسلامي سنة 1974.
- مؤتمر رسالة المسجد بمكة سنة 1975.
- مؤتمر نواكشوط بموريتانيا.
- مؤتمر رسالة الصحافة الإسلامية سنة 1979.
- مؤتمر لجنة القدس بفاس الذي ترأسه جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله.
- مؤتمر كراتشي الإسلامي بباكستان
- مؤتمر الإعلام الإسلامي بجاكرطا
- مؤتمر الإسلام العالمي بأندونيسيا 1980.
- مؤتمر عالمية الإسلام سنة 1982.
- مؤتمر الإعلام الإسلام العالمي بنيويورك
- مؤتمر العالم الإسلامي بباريس سنة 1983.
- مؤتمر منظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالرباط سنة 1983.

وهذا بالإضافة إلى ما ينبثق عن هذه اللقاءات والمؤتمرات من اللجان والاجتماعات المصغرة كلجنة القدس السباعية التي لم تدخر جهدا من أجل إيجاد الحلول الناجحة لقضايا العرب والمسلمين.. ومن خلال تتبعنا لحل هذه اللقاءات عن طريق الإعلام، واستقصاؤنا لأهم ما صدر عنها من بيانات وتوصيات يمكن لنا أن نضع لهذه الصحوة ما ينبغي أن ترتكز عليه مستقبلا من أهم المبادئ والأهداف والغايات والمقاصد النبيلة، مع بيان أهم الوسائل العلمية لتحقيق تلك الأهداف، وسوف نجمل ذلك في النقطة الرابعة الموالية من هذا الموضوع فنقول :

رابعا – مبادئ الصحوة وأهدافها ووسائل تحقيق ذلك :
أ – بالنسبة لمبادئ "الصحوة الإسلامية" المباركة هذه، تجد أن هذه الحركة الدينية الإسلامية المتطورة "مبدءا" واحد ووحيدا تعمل من أجله، وتسعى لتحقيقه، وهذا المبدأ الأساسي الوحيد يتمثل في "الرجوع إلى الله" وإلى ما كان عليه السلف الصالح.. الرجوع إلى الله بكل مل تحمل الكلمة من معان من ترسيخ الإيمان في النفوس، وتدعيم لثقة المسلمين بنفوسهم، وتقوية عنصر التقوى والخشية من الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه مع نكران الذات في سبيل المصلحة العامة حسب ما هو مبين ومفصل في القرآن والسنة قولا وفعلا وسلوكا ومعاملات، مع فتح باب الاجتهاد من جديد فيما يصح فيه الاجتهاد من الأمور والقضايا والنوازل المستجدة التي لا نص لها..

ب – أما بالنسبة لأهداف الصحوة الإسلامية التي تسعى جاهدة في تحقيقها، فإن ذلك أيضا يتمثل أساسا في هدف واحد. ذلك الهدف سوف يتحقق قطعا بحول الله إذا ما تحقق المبدأ الأساسي الأول الذي هو "الرجوع إلى الله" قولا وفعلا وإخلاصا وسلوكا، ونعني بهذا الهدف : "إعادة العزة للمسلمين".. تلك العزة، وتلك القوة وتلك الشوكة والمنعة التي كانت لهم في صدر الإسلام، والتي جاءت مصداقا لقوله تعالى لهم يومذاك :"ولله العزة ولرسوله وللمومنين"...

وإذا كانت الصحوة الإسلامية تعمل جادة في كل الميادين والمجالات قصد تحقيق هذا الهدف، المتمثل أساسا في "إعادة العزة للمسلمين" تلك العزة التي  أضاعوها من أيديهم لأسباب يعرفها الجميع – فإن هدف العزة هذا يشمل كل ما من شأنه أن يرفع راية الإسلام والمسلمين علميا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا وفكريا وروحيا وماديا واجتماعيا..

ج – أما كيف تحقق الصحوة الإسلامية "مبدأها" و"هدفها" المشار إليهما والمتمثلان في "الرجوع إلى الله" و"إعادة العزة للمسلين"، فإن ذلك سوف يتحقق بإذن الله طبقا لما هو منصوص عليه في جل القرارات والتوصيات والبيانات الصادرة عن المؤتمرات المذكورة التي أشرنا إليها والتي انعقدت وتنعقد باستمرار في إطار هذه الصحوة.. ونحن هنا سوف نجمل  أهم الوسائل الفعالة التي وردت في تلك اللقاءات من أجل تحقيق تلك المبادئ والأهداف، فنلخصها في الوسائل التالية :

الوسيلة الأولى: العمل على تقوية الجانب الروحي والفكري والإيماني التوحيدي حتى يصير جنبا إلى جنب مع الجانب المادي، وذلك بنشر الوعي الديني الصحيح، بحمل الناس على التفكير في "جنب الله" وعظمته ومشيته وإرادته حتى يتسنى للجميع، وخاصة الشباب أن يؤمن بالله إيمانا لا تزعزعه التيارات الإلحادية الدخيلة، ولا الفلسفات الماركسية الجاحدة، ولا النظريات العلمانية الكافرة، مع إعادة النظر في أساليب ومنهجية الوعظ والإرشاد الحالية حتى تصبح منهجية متطورة مسايرة لروح العصر، مقنعة لطموحات الشباب، وأفكارهم المتفتحة.

الوسيلة الثانية : العمل على تقوية الجانب العلمي بكل فروعه وشعبه ومعارفه، وخاصة منها الجانب العلماني التجريبي البيولوجي والجيولوجي والتكنولوجي والاقتصادي والاجتماعي عموما وذلك بتطوير المناهج التربوية والتعليمة ومراكز التكوين البيداغوجي (أنظر بيان مؤتمر جاكرطا).

الوسيلة الثالثة : العمل على تقوية الجانب الإعلامي الصحافي الإسلامي في ميدان الدعوة إلى الله،  وذلك بتشجيع البحث العلمي والإسلامي لدى الدارسين والباحثين حتى يتصدوا لدحض شبهات الغرب عن الإسلام.

الوسيلة الرابعة : العمل على تقوية الجانب الاجتماعي والأخوي والتعاوني بتوحيد صفوف العرب حتى يترفعوا عن الذاتية والأنانية والخلافات الهامشية (انظر بيان مؤتمر القمة بالرباط ومؤتمر الإعلام الإسلامي).

الوسيلة الخامسة : العمل على تقوية وتوحيد الخطة العربية والإسلامية بخصوص إيجاد نظام اقتصادي إسلامي موحد يخضع للظروف المحلية بعيدا نسبيا عن المذاهب الشرقية أو الغربية (انظر مؤتمر جاكارطا).

الوسيلة السادسة : العمل على تقوية وتوحيد التكتيك العربي السياسي والعسكري (انظر مؤتمر لجنة القدس).

خامسا –  دور المغرب في تدعيم أسس الصحوة الإسلامية :
لا أحد ينكر أن كل الدول العربية والإسلامية تأمل في هذه الصحوة كل خير، وتتفاءل منها كل أمل، وكل ما من شأنه أن يرفع شأن العرب والمسلمين، لذا كان الجميع يسعى لتدعيم هذه الصحوة سواء على مستوى الحكومات أو الشعوب أو الأفراد.. ويعتب المغرب بحق في طليعة الدول العربية والإسلامية التي تعمل جاهدة لتحقيق مبادئ وأهداف الصحوة المذكورة أعلاه، وهكذا نجد أن المغرب ملكا وحكومة وشعبا كان له الشرف في احتضان أول مؤتمر للصحوة بالرباط، كما نجد بعد ذلك أن جلالة الملك كان دائما حاضرا في كل المؤتمرات واللقاءات العربية والإسلامية المنعقدة هنا وهناك في إطار هذه الصحوة، وذلك إما بحضوره شخصيا، وإما عن طريق ممثلين عنه، بالإضافة إلى رسائله ونصائحه وبرامجه التي تلقى نيابة عنه في تلك المؤتمرات (انظر الرسائل التي وجهها لهذه المؤتمرات في مجلة "الإيمان" في جل أعدادها وخاصة الأعداد : 98 – 99 – 100 – 119 – 120 ...الخ)، هذا بالإضافة إلى وسائل الإعلام المغربية التي جندت كل إمكاناتها بأهداف هذه الصحوة ومبادئها ونخص بالذكر هنا مجلة "دعوة الحق" ومجلة الإيمان وجريدة "الرسالة"..

سادسا – بعض الشخصيات من رواد الصحوة الإسلامية حاليا :
الحقيقة أن الذين كرسوا جهودهم، ووهبوا أنفسهم وأفكارهم وكل طاقاتهم الفكرية لخدمة هذه الصحوة الإسلامية المعاصرة، هم شخصيات عديدة، يصعب حصرها، أو الإحاطة بذكر كل أسمائها، وسوف  نحاول فقط التعرض لبعض الشخصيات المناضلة والمجاهدة بفكرها وقلمها في هذا المجال، سواء منها تلك الشخصيات المغربية أو المشرقية، سواء منها تلكم التي قضى نحبها، أو التي ما زالت تواصل الجهاد..

وأهم رجالات هذه الصحوة حاليا والتي تتبعت دائما دورها حسب طاقتي المحدودة ما يلي : الحسن الثاني ملك المغرب – علال الفاسي رحمه الله – أبو الأعلى المودودي تغمده الله برحمته – أبو بكر القادري – عبد الكريم غلاب – محمد العربي المساري – قدور الوطاسي – الشيخ محمد علي الحركان – محمد عبد الرحمان الكتاني – محمد الخطيب – محمد المجذوب – نجيب البهاوي – معروف الدوالبي – عبد القادر  الإدريسي – محمد البهي – الدكتور ماهر حسن صبري – الدكتور عبد الله بلفقيه العلوي – محمد الفاسي – قاسم الزهيري – عبد القادر العافية – محمد أحمد اشماعو – روجيه جارودي – الشيخ محمد الغزالي – الدكتور محمد أحمد العزب – الدكتور عماد الدين خليل – الدكتور حامد ربيع – الدكتور محمد شامة – الشيخ محمد السايح – الدكتور رفعت العوضي – الدكتور يوسف القرضاوي – الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود – الدكتور عبد الجليل شلبي .. وغيرهم كثير كثير الحمد لله .. ومعظمهم يكتب في "دعوة الحق" أو "الإيمان" أو "الرسالة" أو "الأمة" القطرية أو "الوعي الإسلامي" الكويتية أو غير ذلك من الصحف والجرائد والمجلات التي تهتم بهذه الصحوة الإسلامية المباركة..

سابعا – موقف الغرب من هذه الصحوة :
من خلال تتبعنا لبعض ما يكتب ويؤلف وينشر من طرف المفكرين الغربيين، يبدو واضحا أن الغرب متخوف من "الصحوة الإسلامية" هذه، بل أن بعض المفكرين الغربيين يرون أن هذه الصحوة ستكون لا محالة هي "الثورة العالمية الثالثة التي ستهيمن مستقبلا على الثورتين الشيوعية والرأسمالية، لأن هاتين الثورتين لم تقدما للبشرية شيئا يصلحها، ويقيم اعوجاجها، بل إنهما أساءتا لكرامة الإنسان بنشر الظلم والطغيان والفساد بتقديس المادة والعلمانية مع إهمال العدالة الاجتماعية والجانب الروحي..

فهذا عالم أمريكي مشهور "سميث" لم يستطع أن يخفي تخوفاته من هذه الصحوة منذ أزيد من ثلاثين عاما حيث جاء واضحا في كتابه "الإسلام اليوم" الذي ألفه في الخمسينات أن الصحوة الإسلامية القادمة والتي بدت معالمها جليا ستكون هي القوة الإصلاحية المهيمنة.. (الأمة القطرية عدد 39) وكذلك العالم الإنجليزي :وات" في كتابه عن "الإسلام والعصور الوسطى" الصادر سنة 1964 حيث يقول عن هذه الصحوة : "إنها سوف تقود العالم بإيديولوجية رابعة ستتحكم في هذا القرن الحالي" أما العالم الروسي "تروجانوسكي" فيبدو أنه أكثر تخوفا من هذه الصحوة في مؤلفاته التي نشرها إثر الثورة الشيوعية إذ ليقول عن هذه الصحوة :"إن الثورة العالمية الثالثة التي ستأتي بعد الثورة الفرنسية والشيوعية هي التي تلك الثورة التي ستقوم عن طريق الإسلام لتصحح مسار الحركة الإنسانية.." (انظر تخوفات الغرب بتفصيل في الاستجواب الذي أجرته مجلة الأمة القطرية عدد 39 مع الدكتور حامد ربيع)، ولعل أنصف كاتب غربي في إطار هذه الصحوة الإسلامية هو المفكر والفيلسوف الفرنسي المسلم "روجيه غارودي" الذي أصبح إسمه بعد أن أسلم "رجاء جارودي"، فالذي يقرأ كتابه الأخير "مبشرات الإسلام" يرى أنه وقف موقفا موضوعيا تجاه الغرب، وما يقوم به من عداء للإسلام والمسلمين، حيث يرى أن لا إصلاح أنسب للإنسانية من الإصلاح الشامل الذي سوف يأتي عن طريق الدعوة الإسلامية بدليل أن ما وصل إليه المسلمون في صدر الإسلام لم يكن عن طريق السلاح والقوة بقدر ما كان عن طرق التضحية والإيمان ونكران الذات..".

أما كتاب "الإسلام والغرب" الذي ألفه أخيرا "ميشال للون" فهو كتاب جدير بأن يقرأه كل الذين يهتمون بهذه الصحوة حتى يتأكد أكثر من تساؤلات الغرب وتخوفاته من هذه الصحوة..

ولذا نجد أن الغربيين بقياد الصهيونية العالمية يضاعفون كل مكايدهم ضد الإسلام والمسلمين بدعم حركات التبشير، وحركات الماسونية الهادفة المغرضة..

ثامنا – اثر الصحوة الإسلامية ومستقبلها :
بعد كل ما ذكر عن هذه الصحوة الإسلامية في هذا الموضوع، ابتداء من بزوغها منذ السبعينات كارتداد  للسلفية القديمة والحديثة والمعاصرة، وبعد كل ما ذكر عن مبادئها وأهدافها ووسائل تحقيقها، وذكر دور المغرب والدول العربية والإسلامية لتدعيم صحوتها، مع بيان موقف الغرب منها..

أقول بعد كل هذا يمكن أن يطرح سؤالان اثنان هما:
أولا – هل بدأت الصحوة الإسلامية تحقق أهدافها المتوخاة منها عقديا وسلوكيا واجتماعيا بحيث اجتازت المرحلة النظرية إلى المرحلة التطبيقية؟؟

ثانيا – وسواء كان الجواب بالإيجاب أو النفي فماذا سيكون مستقبلها على الأجيال الصاعدة؟؟
بالنسبة للإجابة على السؤال الأول لا بد من الإشارة والتذكير إلى أن عندما تكون المسألة تتعلق بالصالح العام للمسلمين – وهو ما تصبو إليه هذه الصحوة – فإن تحقيقه لا يمكن أن يحصل بين عشية وضحاها دفعة واحدة، بل إن ذلك يحصل تلقائيا وتدريجيا جيلا عن جيل مرورا بمرحلة تغير الهياكل والمفاهيم والعقليات ثم مرحلة العطاء والنتائج وخاصة إذا ما صلحت النيات وحسنت النوايا.

ولعل أهم خطوة خطتها هذه الصحوة المباركة هي تلك الخطوة التي تتجلى في أشغال واهتمام الخصوم بها، مع إبداء تخوفاتهم وحذرهم منها، وكذلك ما نلاحظه من إقبال متزايد على اعتناق الإسلام من طرف الغربيين ثم اهتمام الشباب المسلم بحالهم من أجل التقدم العلمي والتكنولوجي...

أما الإجابة على السؤال الثاني الخاص بمستقبل الصحوة فإن ذلك سيكون مرهونا بمزيد من الوعي والتقدم من أجل تدعيم وتقوية وتنفيذ الوسائل المحققة للصحوة كما أشرنا إليها روحيا وماديا وإصلاحيا عاما..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here