islamaumaroc

في العقيدة والأخلاق

  محمد إبراهيم بخات

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

(«لقد كرم الله المسلم، كرمه بأن وضع بين يديه دستور القرآن الخالد، ليقوم، وباستمرار، كحجة على الزيف والفساد والتحريف. كرمه بربط قيمته بتقواه، بصرف النظر عن لونه وسلالته. كرمه إذ أبعده عن التقليد الأعمى، التقليد الذي يسيء إلى الأصالة ويسمح بالتبعية ويصرف عن طلب الحقيقة، إن أهم ما يجب أن ينتبه إليه المسلم هو ما تعمد إليه الإيديولوجيات الهادمة في معالجة الأخلاق كشيء مجرد، ومعاجلة الإنسان منفصلا عن الأخلاق، فهذا الانفصال هو ما يجب أن نتصدى له بكل قوانا، لأن الديانة هي العمود الفقري لكيان الإنسان والأمر أكثر وضوحا بالنسبة للمجتمع، فلا مجتمع بدون قانون خلقي وشريعة روحانية، وإذا كان التقدم المادي قد خطا خطواته العملاقة بموجب ذلك التقسيم، أي على حساب القيم الإنسانية فإنه يسير، ولعله قد وصل الآن إلى متاهات الضياع، فأصبحت المجتمعات المتقدمة تبحث عن نصفها الضائع، وهذا البحث يشكل إحدى معضلات العصر الكبرى، وأبرز أسباب القلق فيه ») من الحديث الإسلامي الذي خص به جلالة الحسن الثاني مجلة (دعوة الحق) بمناسبة عيد العرش. العدد (8) السنة (15).

تميز ديننا وامتاز على غيره بأنه الدين الوحيد الذي لم يفصل بين العقيدة والأخلاق فهما كالعروة الوثقى لا انفصام لها.

وهذا الترابط والتكامل بين العقيدة والأخلاق كانا من أجل (وجودية مؤمنة بالله : وجودية قويمة يتجسد بها وفيها الفارق الوحيد والفيصل البين بين حقيقة الإنسان وحقيقة الحيوان، هذه الحقيقة التي تبرز في الأخلاقية البانية لوجود الإنسان المحافظة على قيمته، المجسمة لماهيته، فالأخلاقية الفاضلة نتاج الضمير الواعي الذي يؤمن ويقتنع بمكارم الأخلاق كضرورة في الحياة، ويرى بالتالي حتمية العيش بالوازع والحس والشعور المرتبط بالأخلاق الصالحة .

إن هذا النوع الفريد من الأخلاق حقيقة أكيدة لديمومة الحياة السعيدة ولبقاء الإنسان المهتدي لربه، المدرك لكرامته في الوجود، الخليق بأن يكون الإنسان الفذ، القائد لكل خير، الهادف لكل نفع في هذه الأرض، صامدا للباطل ومقاوما للشر لا يفتر ولا يكل.

إن هذه الضرورة الأخلاقية هي النتيجة المشرفة للإنسان، وهي التي جاء بها الإسلام وأكدها بل هي العلة في بعثة رسول الإسلام :
(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وفي رواية (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) وبما أن هذه الحقيقة الأخلاقية المانعة لكل انحلال وضياع منطقية لإيجابيتها، بديهية لواقعيتها فقد آمن بها من المفكرين المؤمنين بالله "داروين" (1) الذي توصل إلى أن الضمير أو الحس الأخلاقي هو أظهر فاصل بين الإنسان والحيوان و "كانط" (2) الذي اتخذ من الشعور الأخلاقي منطلقا لإثبات خلود الأرواح ويوم الحساب ووجود الله (3) بعد هذه المقدمة أقول : بما أن البرهان على صدق إسلام المرء هو العمل الصالح كما في كتاب ربنا «الذين آمنوا وعملوا الصالحات" فكذلك بالنسبة لصحة أخلاق المرء فإنما تتمثل هذه الأخلاقية الصحيحة في صحة عقيدته "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى»، "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ..."، "وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم ..".

وجاء في صريح السنة قوله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ولا يزيغ عنه" (4) ففي حديث الالتزام هذا نكتشف بوضوح ونستشف دعوة صريحة إلى الإلتزام والإلزام : أن نلزم أنفسنا بطاعة ربنا وأن نلتزم حقا وصدقا بصحة وسلامة السلوك والعمل الصالح بيننا وبين خالقنا وفيما بيننا نحن المسلمين بل وفيما بيننا وبين غير المسلمين، لأن الرسول الصادق يقول : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ...) وفي رواية ثانية (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده ).

إن المسلمين في عهودهم الزاهرة كانوا أقوياء بأنهم عاشوا دينهم وطبقوه، فما كانوا يفرقون بين النظرية والتطبيق ولا كانوا يفرقون بين العقيدة والأخلاق، ولذلك لم يعرفوا أزمة خلق ولا أزمة ضمير لأنهم فهموا الدين على أنه خلق : "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون".

إن فهم الدين على أنه خلق هو المنطلق الأول للإسلام كعقيدة واقعية وكشريعة رحيمة، ويكفي في هذا الصدد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سئل . ما الدين؟ فأجاب : حسن الخلق. من هنا ندري ونعي لماذا (اعتبرت الأخلاق دعامة أساسية في بناء الشخصية الإسلامية القوية المستقلة المتميزة للوصول بها إلى الإنسان المتكامل المنتج على مدى الأجيال.
وما ذكر القرآن الكريم للأخلاق في مواطن كثيرة إلا أدلة واضحة لاعتبار الأخلاق أمرا أساسيا بعد أمر العقيدة ) (5 ).

وما كان الإيمان إلا قوة دافعة للخير وفعله ونشره، وقوة عاصمة واقية لصاحب الإيمان، رادعة له ومانعة عن التدني والتردي لأن الإيمان قول وعمل، برهان لا أدعاء : "يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون"، "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين".

وقد (وضح صاحب الخلق العظيم أن الإيمان القوي يلد الخلق القوي حتما وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان، أو فقدانه) (6) مما يؤدي إلى فعل الشر وإيذاء الناس : (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل من يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جار بوائقه ! !).

وقد سمع عمر بن الخطاب رجلا يثني على رجل فقال :"أسافرت معه قال : لا، قال : أخالطته في المبايعة والمعاملة قال : لا، قال : فأنت جار صباحه ومساءه قال : لا» فقال : والله الذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه" (7).

إن هذه القولة الفاروقية قد وضعت النقط على الحروف لأنها لم تترك عذرا لشاك ولا مجالا لمن يزيد، فقد كانت قولا فصلا جعلت المعاملة ميزان الأخلاق ومفتاح معرفة الرجال، فبدون كبير عناء ولا طول بحث اهتدينا إلى أن الدين هو حسن الخلق : فلا دين لمن لا خلق له، ولا عهد لمن لا خلق له، ولا أمانة لمن لا خلق له.

ورغم صراحة ووضوح قولة الفاروق عمر إلا أنني أضيف فأقول : إننا نرى أصالة الرابطة بين العقيدة والأخلاق ونلمسها وهي تعلن عن نفسها في قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم (... وخالق الناس بخلق حسن ) (8) وفي قوله : (رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس) (9 ) ونلمسها أيضا وهي تعلن عن نفسها في ذلك القول الحكيم الشهير الذي دل بحق على العلاقة الوثيقة بين العقيدة والأخلاق في الإسلام، إنه الدين المعاملة، هذا القول اشتهر بين الناس على أنه حديث نبوي، ولكن لم تصح نسبته إليه صلى الله عليه وسلم، إلا أنه كاف للإستشهاد به من حيث المعنى أي معناه صحيح في هذا الشأن ، فهو يشير - كما فهمنا في حوار عمر بن الخطاب مع الرجل - إلى أن المعاملة الحسنة بين الناس من الدين، فهي ضرورية ومطلوبة وتنم عن صلاح واستقامة المسلم، وحديث (الدين النصيحة ...) ليس عندنا بمجهول. قال ابن بطال رحمه الله عن حديث الدين النصيحة : في هذا الحديث دليل أن النصيحة تسمى دينا وإسلاما، وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول ولكي نزداد اطمئنانا في هذا الصدد ونرسخ في الأذهان حقيقة العلاقة بين العقيدة والأخلاق نورد هذا الحديث القصير الجامع البليغ، يرشد فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله الأنصاري إلى أن الاستقامة نتيجة للإيمان، قال أي سفيان : قلت يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال : "قل : آمنت بالله ثم استقم" (10).

لقد كان المسلمون منذ عهد الصحابة خير أمة أخرجت للناس : لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، وهذا الإيمان بصدق ومن الأعماق هو الذي جعل لهم واصل فيهم حسا وإلزاما ووازعا أخلاقيا، إنه ثالوث إيجابي واق كان ولا زال وسيبقى عاملا أساسيا وحيدا لصيانة الفطرة وللحفاظ على القيم الخلقية.

وما كان المسلمون أمة وسطا وما جعلهم الله شهداء على الناس إلا لكونهم أصحاب مبادئ ورسالات في الحياة انطلاقا من وسطيتهم التي ترتكز وتعتمد على  أصالة الفطرة، وصحة العقيدة، وسلامة الأخلاق ، فبهذا الثالوث الرباني تتجلى عظمة وقيمة وأهمية الوسطية الإسلامية لخير المسلم ولصالح الغير : "وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ... »، "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ..".

بهذه الوسطية اهتدى المسلمون وسعدوا وسادوا وهدوا غيرهم بما يتصفون به من صلاح وإخلاص وبما يتحلون به من مكارم الأخلاق ودعوة للحق فكانت لهم العزة والسيادة : "وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".

لماذا يعيش المسلمون في ذلة ومسكنة منذ القرن الماضي؟ ولماذا هم في انهزام واندحار، وكأن الذلة والمسكنة المتأصلتين في اليهود الخاصتين بهم انتقلتا إليهم؟ إن الجواب عن السؤالين هو الوهن، إن الجواب عند رسول الله الصادق المصدوق، فكأنه يقيم الحجة علينا، كأنه يخاطب مسلمي القرن العشرين محذرا ومنبها : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال لا أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة منكم من قلوب أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت ).

إن ضعف المسلمين حدث لعدة عوامل لا مجال لذكرها هنا، وقد فرض وجوده خلال هذا القرن، وهذا الضعف إنما طرأ على المجتمع الإسلامي بسبب نضوب معين الإيمان كنتيجة حتمية مما أدى إلى فقدان الحاسة الأخلاقية لديهم :  (إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) (11). وفقدان هذه الحاسة أمل ضعفهم وسهل الاستيلاء عليهم وبالتالي عاشوا في استيلاب وضاع منهم ذلك الانتساب الرفيع إلى الدين القيم : (ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ).

وبعد فترات الاستعمار الأجنبي لهم استقلوا وتحرروا ولكن صوريا وجغرافيا، وهذه هي الحقيقة المرة فقد ظهر في بين ربوع وبقاع الإسلام استعمار جديد هو الأخطر والأخبث : أنه الغزو الفكري الذي قضى على أخلاقيتهم الصحيحة، وطمس عقيدتهم السليمة في نفوسهم وأدى بهم إلى انحراف ظاهر مازالوا يعانون ويلاته وآثاره، وانجراف قاهر يعيشون في خضمه العاتي وتياره الطاغي، ولا خلاص لهم إلا في دينهم ولا ملجأ لهم إلا إلى ربهم.

لقد دخلوا عدة معارك ضد اليهود ولكن بلا عقيدة صحيحة فانهزموا لأنهم فرطوا في دينهم واليهود ما فرطوا فيه شروى نقير فكان انتصار عباد التلمود على أدعياء لا على دعاة.

يجب أن نعتقد ونقتنع بأن موضوع المحافظة على العقيدة والأخلاق في الإسلام هو موضوع الساعة بالنسبة لمسلمي القرن العشرين، إنه موضوع حياة أو موت، فهو إحدى الوسائل الأساسية اللازمة لتجديد الدين وأس العودة إليه:
صــلاح أمرك للأخلاق مرجعه   فقـــوم النفس بالأخلاق تستقم
والنفس من خيرها في خير عافية  والنفس من شرها في مرتع وخم (12)
بنيـــت لهم من الأخلاق ركنا  فخانـوا الركن فانهدم اضطرابا
وكــان جنــابهم فيها مهيبـا  وللأخـــلاق أجـدر أن تهابا (13)

__________________
1 - رسالة (شبابنا المثقف أمام الإيمان والتدين) للشيخ نديم الجسر.
2 -  نفس المصدر.
3 -  من بحث لي بعنوان (دلالة المولد النبوي) نشر بمجلة (حضارة الإسلام ) بدمشق السنة 11، أعداد 8، 9 و 10 1390، 1970 – 1971، ص 100.
4 - رواه الطبراني بزيادة ولا يزيغ عنه.
5 -  من مقال بمجلة (الرائد)، بون، عدد 62 صفحة 37.
6 -  كتاب (خلق المسلم )، صفحة 10 للشيخ محمد الغزالي.
7 - كتاب (ألف كلمة لأمير المومنين عمر بن الخطاب ) بقلم يونس السامرائي الكلمة 607، صفحة 61.
8 – رواه الترمذي، ويبدأ بقوله (اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها..).
9 – أخرجه القضاعي والبزار عن أبي هريرة رفعه، ورواه البيهقي في شعبه والعسكري، ورواه أبو نعيم عن أنس وعلي.
10 – رواه مسلم.
11 – رواه البخاري.
12 - من قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي في الشوقيات جزء 1، طبعة 1946.
13 - من قصيدة ذكرى المولد لأحمد شوقي، نفس المصدر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here