islamaumaroc

القراءات وائتلاف الكلام

  التهامي الراجي الهاشمي

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

1 – مدخل
يعلم جميع المهتمين بفن القراءات القرآنية لماذا تختلف قراءة قرآنية عن قراءة قرآنية أخرى، وإنه ليقودهم في هذه المعرفة الدقيقة ضوابط محكمة يجعلونها، دوما، نصب أعينهم، يحتكمون إليها في كل اختلافاتهم، وكلما اجتمعت هذه الضوابط – وهي ثلاثة – في قراءة غلا وعدوها قراءة متواترة، يتعبد بها (1).

1 – 1 - الضابط الأول هو موافقة القراءة للغة العربية،
لكن هذه الموافقة لها، هي نفسها، ضوابط خاصة بها، إنها ليست موافقة متحجرة، صلبة بل متسعة ولينة بحيث يكفي أن توفق القراءة اللغة العربية، ولو بوجه من الوجوه، لتكون القراءة مقبولة، لأن القراءة، كما هو معلوم عند أئمة القراءة، لا تأخذ بالأفشى في اللغة ولا بالأقيس في النحو حتى تشترط الموافقة التامة الشاملة لتكون القراءة متواترة، لأن هذه الأخيرة تعتمد، أول ما تعتمد عليه على الأصح في النقل وفي الرواية، وهي بهذا، سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها كما قال الإمام الداني رحمه الله.

ولا يهتم أرباب هذا الفن بمكانة هذا الوجه النحوي الذي وافقت فيه القراءة (بضم التاء) العربية (بفتح التاء)، قد يكون أفصح وقد يكون فصيحا وقع عليه الإجماع أو اختلف حوله الناس، لا يهم، المهم عندنا، نحن القراء، أن تكون القراءة شاسعة وذائعة ومتلقاة من طرف الأئمة المحققين بالإسناد الصحيح.

وفعلا أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبول قراءات أنكرها النحاة لأن الذي يهم القراء، كما سبق القول، هو النقل والرواية، لقد أنكر النحاة، وعلى رأسهم سيبويه(2) قراءة أبي عمرو لقوله تعالى "بارئكم" وأشباهه (3) باختلاس الحركة في حين أنه هو الأصح  والأكثر في الأداء.

كما أنكر النحاة إدغام التاء في الطاء في قوله تعالى :"اسطاعوا"(5). أدغمها الإمام حمزة لقرب التاء من الطاء، في المخرج ولأنه أبدل من التاء، إذا أدغمها حرفا أقوى منها وهو الطاء، ورغم أن النحاة لا يقبلون ذلك إذ في حالة الإدغام جميع بين ساكنين ليس أول حرف لين فإنها قراء مقبولة نتعبد بها ولا يجوز ردها، بحال من الأحوال.

إن النحاة لا يترددون في وصف هذه القراءة بالبعد عن الذوق ويكرهون سماعها، نحن القراء نقبلها ونقرأ بها في الصلاة وخارج الصلاة لأن الضوابط الثلاثة متوفرة فيها.

إن الإمام حمزة، رحمه الله احترم خط المصحف ولم يرد حذفها بالمرة وفضل إدغامها في الطاء(6)، أما الباقون (7) فرأوا أن التاء ليست في الخط ولم يتمكنوا من إلقاء حركتها على السين لأنها زائدة لا تتحرك، فلم يبق أمامهم إلا الحذف، وهم حين يحذفونها إنما يحذفونها لأسباب ثلاثة :
- أولا : التخفيف، وهو أمر معروف متداول في القراءات القرآنية.
- ثانيا : لزيادتها، والقراء يحذفون الزوائد كثيرا.
- ثالثا : لموافقتها للمصحف الكريم، وهو ركن ركين لا بد من توفره لتكون القراءة مقبولة.
سنرى من خلال أمثلة كثيرة، مدى تحرر القراءة المقبولة من القيود الضيقة التي يفرضها عادة، النحاة المتحجر بقواعده الصلبة على اللغة العربية، خارج القرآن الكريم.

وسيتضح لنا، ولاشك، من ذلك كله أن القراءات القرآنية، أي القرآن الكريم وظف اللغة العربية بمنطق رفيع، فجعل منها أداة فعالة للاتصال إلى درجة أن أصبحت حاملة لمعان كثيرة سامية بألفاظ قليلة ومعبرة عن أغراض دقيقة بأسلوب شيق جذاب.

1. 2    - أما الضابط الثاني فهو مطابقة القراءة لأحد المصاحف العثمانية.
وإنه ليؤسفني أن أقول إن الجم الغفير من الناس لم يفهم المقصود من هذه المطابقة أو على أصح تعبير لم يفهم نوعية هذه المطابقة وأين يجب أن يتجلى التطابق وما هي الأشياء التي يمكن أن تكون منطبقة، تبعا لناموس اللغة العربية وخصائصها على الرسم العثماني.

والذي غاب عن أغلبية المهتمين بالقراءات، ولا سيما المتأخرين منهم هو أن في هذه المطابقة مظهرين.

- مظهرا ثابتا لا يجوز، بوجه من الوجوه تغييره لا قليلا ولا كثيرا.
- ومظهرا آخر متحولا يلحقه التغيير والتبديل طبقا لما تسمح به المكونات الثلاثة الرئيسية للغة، من مكون دلالي وصوتي ومعجمي، ومن مكونات خاصة بالقرآن الكريم، مكونات أسميها سامية وأقسمها إلى مكون سام صوتي وسام دلالي وسام معجمي وأزلي وجواري ولغيي.

أما المظهر الثابت الذي يجوز بحال من الأحوال أن يلحقه التغيير والتبديل في القراءة المتواترة وأيا كان القارئ فهي الصوامت (الحروف الهجائية).

أما المظهر الذي يمكن أن يتغير ويتبدل ويتحول بالقلب والحذف والتقديم والتأخير والإعلال والإسكان فهي الصائتات (الحركات) سواء كانت حركات بسيطة، كالحركات القصيرة وأختها الطويلة أو الحركات المركبة كالإمالة وغيرها.

1. 3   - وأما الضابط الثالث فهو صحة السند،
وإنني لمضطر أن أقولا هنا كذلك، وبكل أسف أيضا، أن جل المهتمين بهذا الفن من المعاصرين (8) لم يفهموا هذا الضابط فاعتقدوا، كما اعتقد بعض المتقدمين أن صحة السند هو التواتر.

لكننا نحن القراء لا نشترط التواتر في القراءات لأننا لو اشترطناه لما احتجنا إلى الضابطين السابقين، ومعلوم أننا نعني ب"صحة السند" في قراءة أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي وتكون مشهورة عند الأئمة المهرة في هذا الفن، وأقل ما يتشرط فيها إذا لم يتفق التواتر في بعضها أن تجتمع على نقلها الطرق وتتفق عليها الفرق من غير نكير لها مع شيوعها واشتهارها واستفاضتها.

ومن هنا جاز أن تقول إن القراءة الصحيحة هي التي جمعت الأوصاف الثلاثة التي تحدثنا عنها أعلاه، ولا يهم إلى أي قارئ هي معزوة لكن أنفسنا ركنت إلى هؤلاء السبعة لكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم بحيث صار ما ينقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم.

2 – ماذا نقصد بائتلاق الكلام؟
نقصد بقولنا "ائتلاف الكلام" انتظامه على نسق واحد، بحيث يكون وسطه منسجما لا مع أوله، ولكن أيضا مع آخره، فإن كان الوسط يتحدث، مثلا، عن مفرد مذكر، وجب ليتصف بالانسجام ، أن يكون ما قبله وما بعده يتحدثان عن نفس الفرد.

وقد يكون الانسجام في الصيغة أو الدلالة أو في الصوت، وقد ينسجم الكلام في الآيات المجاورة فنسميه انسجاما جواريا وقد ينسجم مع مقاطع قرآنية بعيدة فنسميه انسجاما بعديا.

أعتقد أنه يحسن، لنكون فكرة كاملة عن الموضوع أن نستعرض الانسجام من أول القرآن إلى آخره.

3 – ائتلاف الكلام الموجود في "سورة البقرة"
1. 3  - في قوله تعالى :"بما كانوا يكذبوا" (9)، قراءتان : قراءة التخفيف (10) وأخرى بالتشديد (11).
أ – أما قراءة التخفيف فتأتلف ائتلافا جواريا مع ما قبلها مما يدل على الكذب، وهو قوله :"ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمومنين".

كما تأتلف مع ما بعدها مما يدل دلالة واضحة على كذبهم، وهو قوله :"وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون".(12)

هكذا يكون عندنا هذا الائتلاف الجواري الذي يوحي كل جزء من أجزائه الثلاثة بـ"الكذب" أو بمفهومه على الشكل الآتي :

1 – وما هم بمومنين?2 – يكذبون  3 – خلوا إلى شياطينهم يقرأ بهذه القراءة عاصم وحمزة والكسائي.
ب – أما قراءة التشديد فتأتلف ائتلافا بعديا، إنها تنسجم مع قوله تعالى :" ولقد كذبت رسل من قبل فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين"(13).

في هذا الائتلاف البعدي قوة في الوصف لا توجد في الائتلاف الجواري السابق، لأن
مكذب >   كاذب

وإذن فإن كل مكذب كاذب ليس كل كاذب مكذبا.

2. 3   - أما قوله تعالى :"فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه.." (14) فتأتلف ائتلافا من نوع آخر.
أ – أما من قرأها "فأزالها" فيؤلفها تأليفا جواريا مع مقابل ما توحي به الآية قبلها، وهي قوله :"يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة..."(15).
وائتلاف الكلام قد يكون بمقابلة الشيء بضده، وهنا قابل
الثبات >  الزوال
ومما يؤكد هذه المواجهة قوله بعده : "فأخرجهما مما كانا فيه"، فقابل الزوال بما يقارب أن يكون مرادفا له :
الزوال  >   الإخراج
ب – أما من يقرأها :"فأزلهما" (16) فيجعلها من زللت وأزلني غيري، أي أوقعهما في الزلل وهو أن يزل الإنسان عن الصواب إلى الخطأ والزلة، أقول من يقرأها "فأزلهما" يؤلفها تأليفا بعديا مع آية موجودة في سورة آل عمران، وهي قوله :"إنما استزلهم الشيطان"(17).

3. 3   - كما أن قوله تعالى "نغفر" في الآية :"وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين" (18) فمؤتلفة ائتلافين بعديا وجواريا.
أ – أما الذين يقرأون "نغفر" بالنون فيؤلفونها تأليفا جواريا : أي يجعلونها منسجمة :
أولا مع ما قبلها وهو قوله "وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية"، بحيث انسجم قوله :"وإذ قلنا" مع "نغفر" ولم يقل لا "تغفر" (19) ولا "يغفر" (20).
ثانيا مع ما بعدها وهو قوله :"وسنزيد المحسنين" لذا لم يقل :"وسيزداد المحسنين".
ب – وأما من يقرأها "يغفر" فيؤلفها تأليفا بعديا مع آية في سورة الأنفال وهي (21)، "قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين".

__________
1 – تلاحظ أن التواترة هو الركن في تمييز القراءة المقبولة – المتواترة من القراءة المردودة، ومع ذلك فإن القراء يعززون ذلك بركنين آخرين كما ترى، لذا أرجو اعتبار قولنا هذا، هنا عندما نتعرض للمصطلح "التواتر" لنزيده تحديدا.
2 – انظر هذه القضية في "الكتاب" الجزء الرابع صفحة 202 من تحقيق الأستاذ عبد السلام محمد هارون وانظر كذلك "الكتاب" الجوء الثاني، صفحة 307 من طبعة بولاق.
3 – الآية 54 من السورة الثانية البقرة. 
4 – مثل "يأمركم" (البقرة 67) "ويشعركم" (الأنعام 109) "وينصركم" (آل عمران الثانية في الآية 160).
5 – الآية 97 من سورة الكهف.
6 – انظر حكم إدغام التاء  في الطاء في كتابنا "بعض مظاهر التطور اللغوي الطبعة الأولى، صفحة 40.
7 – الباقون هم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي من السبعة وأبو جعفر المدني، يزيد بن القعقاع ويعقوب ابن ثعلب البزار من الثلاثة المتممة للعشرة.
8 – ناهيك بأولئك الذين نلتقي بهم في مناسبات فيهرتلون أمامنا وأمام الجمع بهراء في فن القراءات معتقدين أنهم يقولون شيئا يجهله الناس ظانين أنه بسماعهم قارئا يقرأ أو بمطالعتهم لكتاب في الموضوع يستطيعون الخوض في هذا الفن كما يخوضون في غيرها بدون علم وبدون خجل، ناسين أن هذا علم دقيق دقة الرياضيات والفيزياء، يحتاج لمن يريد أن يفيد الناس فيه أن يكون : أولا حافظا لكتاب الله، ثانيا قارئا مستظهرا متون هذا الفن ثالثا مطبقا لها، عارفا بخفاياها، وهذا يحتاج إلى أعوام طويلة يقضيها في الحفظ والدرس والتطبيق، ولم يتيسر لهؤلاء من هذا شيء لأنهم لم يكونوا استعدوا لهذا الأمر من البدء، وكثيرا ما ينفض المرء من هذه الاجتماعات ولسان حاله، يقول : اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
9 – في البقرة، الآية 10: "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون".
10 – أي يقرأون "يكذبون" بفتح الياء وإسكان الكاف.
11 – أي "يكذبون" بضم الياء وتشديد الذال.
12 – الآية 14 من سورة البقرة.
13 – الأنعام الآية 34.
14 – الآية 36 من سورة البقرة وهي بتمامها :"فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه وقلنا اهبطوا بعضهم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين".
15 – الآية 35 من فنس السورة، وهي بتمامها :"وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين".
16 – أي يقرأها بتشديد الدال، والذين يقرأونها هكذا هم نافع وابن كثير وابن عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي والذي يقرأها "فأزلها" هو حمزة وحده.
17 – الآية 155 وهي :"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم".
18 – الآية 38 من سورة البقرة.
19 – قرأ بها ابن عامر.
20 – قرأ بها نافع.
21 – الآية 38 من سورة الأنفال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here