islamaumaroc

ذكرى العائلة العلوية الشريفة: ثلاث قرون على عرش الدولة المغربية حادثة وحيدة في التاريخ المغربي (في صحافة المغرب منذ 50 سنة).

  محمد المكي الناصري

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

من ضمن المجموعات الصحفية القديمة التي صدرت في المغرب اخترنا مقالا نشرته مجلة (السلام) التي كانت تصدر بتطوان في عددها الخامس المؤرخ بشوال سنة 1352 الموافق لفبراير سنة 1934 تحت عنوان ( ثلاثة قرون على عرش الدولة المغربية : حادثة وحيدة في التاريخ المغربي) مذيلا بتوقيع (أبي الفداء) وهو الاسم المستعار الذي كان ينشر به أحيانا الشيخ محمد المكي الناصري، مقالاته في (السلام) وغيرها من المجلات والصحف المغربية.

قامت على رأس الدولة المغربية في الإسلام، عدة عائلات ممتازة لها مفاخر جليلة محفوظة أبد الدهر في تاريخنا الوطني العظيم، إلا أن هذه العائلات لم تعمر طويلا فوق العرش المغربي لأسباب كثيرة، اجتماعية وسياسية، داخلية وخارجية تعاونت على إسقاطها وإقامة غيرها مقامها.
وليس هذا جحودا من الأمة المغربية وكفرانا بالإحسان كما نجده في كثير من الأمم، فالأمة المغربية أمة شديدة الوفاء قوية الإخلاص لمن تضع بين أيديهم مقاليد أمورها، وتكل إليهم حراسة مصالحها ومصيرها، حتى إذا ما رأتهم يستعملون هذا الحق في غير مكانه بظلم داخلي أو تساهل خارجي، استرجعت منهم أمانتها، واستردت بيعتها. وهكذا كانت الحال عند استواء العائلة العلوية على العرش المغربي وإسقاط العائلة الأخرى، فقد بلغ الظلم من العمال السابقين، أنهم ضربوا الضرائب، وفرضوا الخراج على كل شيء يمكن الانتفاع به، ونظام سياسي كهذا يقوم على استغلال المواطنين واستعبادهم، لا يمكن صبر الرعية عليه طويلا.
ثارت الأمة وقتئذ، والتفتت إلى عائلة أخرى تكون رمزا فرادتها، وموئلا للدفاع عن مصالحها، فكانت هي العائلة العلوية الشريفة التي على رأسها علي الشريف.
ذلك أن عليا هذا كان بيته في ذلك الحين ملجأ الخاصة والعامة، يقصدونه في المعضلات، ويهرعون إليه في الملمات، وشهرته الدفاع عن الإسلام والذب عن حوزة المسلمين، تجاوزت المغرب إلى العدوة الإسلامية في إسبانيا (الأندلس) حيث كان يذهب مجاهدا في سبيل حرية المسلمين الدينية، ضد التعصب المسيحي الكاثوليكي المنتشر بإسبانيا المسيحية، الأمر الذي جعل الأندلسيين يرغبون في إقامة ملكه ومبايعته، والتزام نصره وطاعته، وما كاد يعود إلى بلده سجلماسة، حتى أخذت رسائل علمائهم ورؤسائهم، وقصائد أدبائهم، تأتيه تباعا، يطلبون إليه الجواز على العدوة للقضاء على عدوان المسيحية وتعصبها البغيض. ومن بينها قصيدة العلامة أبي فار س بن أبي الربيع الغرناطي التي يقول فيها :
أبا الحســن المولى الشريف الذي به              على الغرب شمس النصر أشرق بالصحرا
أجــــر جارك اللهفان من عثراته                 أبا حســـن، وانصر جزيرتك الخضرا
أرى كل من في الغرب أصبح قانطا              وأندلــس ترجـو بطاعتكم نصـــرا
فكأنهـــا وقــف عليكم رجاؤهم                    كبيرهـــم والطفـل والكاعـب العذرا
لقد طمــع الكفـــار ملك رقابنا                     بإهلاكهــم في أرضنـا الحرث والثمرا
فكــم من ضعيف لا حراك لجسمه                وشيـــخ بها أربـى على مائة عشرا
وسمــر وبيض من أوانس كالدمى                وصبيــة مهـد لا تعـي النفع والضرا
فدوتكــــم الكفار تفني طغاتهـم                    وتشبــع مـن قتلاهـم الوحش والطيرا
فأنتــم لنا الحرز القوي ونحوكـم                  تشوفنــا، استعجلــوا نحونـا السيـر
فمن هذه القصيدة وأمثالها، يعرف الباحث مبلغ الشهرة التي كانت لعلي الشريف بين المسلمين، مغاربة وأندلسيين، ويقدر الثقة المطلقة التي حصل عليها بين الشرفاء السجلماسيين، وهكذا لم تكن تعلن الثورة، ويتم إجلاء عمال الحكومة الجائرين، وتدخل سجلماسة في قبضة الثوار، حتى رفعت الأمة إلى عرش ملكها ابن علي الشريف، السلطان محمد العلوي، وكانت هذه المبايعة الأولى بسجلماسة، سنة خمسين وألف 1050، وهي إذن سنة خطيرة في تاريخنا القومي، وهي فاتحة القرون الثلاثة، التي قضاها المغرب تحت قيادة العائلة العلوية الشريفة، هذه القرون الثلاثة التي ربما كانت هي أصعب الأدوار في حياة الأمة المغربية منذ وجودها في التاريخ، هذه القرون التي تكونت فيها نهضة العالم المسيحي ومدنيته الغربية، بما معها من مطامع استعمارية، وغارات متوالية. هذه القرون الثلاثة التي أصاب فيها العائلة العلوية ما أصاب المغربي من سراء وضراء، وسعادة وشقاء، والتي تقاسم فيها الشعب المغربي وعائلته الملكية، حلاوة الانتصار، ومرارة الانكسار، هذه القرون التي استطاعت فيها عائلة العلويين، رغما عن صروف الدهر الجائرة، أن تحفظ لهذه الأمة كيانها السياسي والقومي، فلم يزل دينها الإسلام، ولغتها العربية، وأرضها مغربية، وجنسيتها مغربية، ورئيسها الشرعي الوحيد، هو سلطان البلاد، واستطاع التاريخ  المغربي أن يسجل لأول مرة فوق صفحاته الخالدة، أن عائلة مالكة استوت على عرش الدولة المغربية ثلاثة قرون، وخرجت ظافرة منتصرة من المعركة، رغما عن الثورات الداخلية، والغارات الخارجية.. فمرور ثلاثة قرون على انتصاب العائلة العلوية، فوق عرش الدولة المغربية، هو في الحقيقة حادث قومي خطير، جيدر بالذكرى والإحياء، في جميع الأنحاء. وإحياء ذكرى هذه القرون الثلاثة، هو إحياء لذكرى الراعي والرعية، وإحياء ذكرى العائلة العلوية التي هي جزء لا يتجزأ من الأمة المغربية، هو إحياء لذكرى هذه الأمة نفسها، وتعريف للعالم أجمع، بأن لها دولة قائمة ثابتة أمام جميع العواصف، وأن لها حكومة نظامية، مركزية، مستمرة منذ مئات السنين.
لهذا نلفت نظر نقيب العائلة العلوية الشريف المعظم المؤرخ الكبير، وأنظار أصحاب الدولة والسعادة، وزراء الحكومة المغربية المحترمين، وأنظار كافة الموظفين المخزنين وممثلي الجلالة الشريفة من "خلفاء" في المنطق المغربية المختلفة، وقواد، وعمل، وقادة،على وجوب القيام بإحياء هذه الذكرى العظيمة، في جميع أطراف المملكة المغربية، لان حادثة كهذه الحادثة الكبرى لا تمر كل يوم، ولا تأتي كل عام، ون وجود هذه الطبقة نفسها إلى اليوم، وتمتعها بما لها من نفوذ وكلمة، إنما هو بفضل العائلة العلوية الشريفة، وبفضل بقائها واحتفاظها بعرش الدولة المغربية.
ونلفت أنظار مفكري المغربي ومؤرخيه وأدبائه، شيوخا وكهولا وشبابا، على وجوب تنظيم لمنة مركزية ذات فروع، تقوم بالدعاية لهذه الذكرى، وتتصل بجميع حملة الأقلام، ليقوموا بأبحاث تاريخية تشرح حياة هذه العائلة منذ استوائها على عرش الملك إلى الآن، وهذه اللجنة المركزية تعين بالاتفاق مع السلطات المخزنية، أسبوع الذكرى متى يكون؟ وتعمل على جمع أدباء المعرب في المناطق الثلاثة : السلطانية، والخليفية، والطنجية، داخل أسبوع  الذكرى في عيد واحد، حيث يعقدون اجتماعا تاريخيا تحت رعاية جلالة الملك السلطان سيدي محمد بن  يوسف، وبحضور خلفائه في تطوان، وطنجة، وفاس، ومراكش، وتافيلالت، يعرض فيها الباحثون أبحاثهم عن تاريخ العائلة العلوية المالكة، ويعلنون إلى العالم أجمع، ما بذلت هذه العائلة الشريفة من جهود جبارة في سبيل خدمة الشعب المغربي والدفاع عن كيانه القومي والسياسي، نعم لا ننكر أن القرون الثلاثة التي نريد إحيائها، قد مضت عليها سنة وثلثا سنة، إلا أن إحياء الذكريات أمر اصطلاحي، ومرور سنة أو سنتين بالنسبة لثلاثة قرون لا يعد شيئا مذكورا، وإذا كان الشعب المغربي قد أحيا ذكرى تتويج جلالة السلطان بإخلاص وحماس عظيمين، فإنه لابد سيحيي هذه الذكرى الكبرى التي هي ذكرى مرور ثلاثة قرون عل صعود عائلته الشريفة وأجداده المقدسين فوق عرش المملكة المغربية، وإن إحياء الأمة هذه الذكرى، سيكون اعترافا بالجميل لتلك الأرواح الطاهرة، ومظهرا علنيا بارزا لالتفاف الشعب المغربي حول ملوكه الشرفاء، في السراء والضراء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here