islamaumaroc

التاريخ يعيد نفسه في قضية الملك الراحل المغفور له محمد الخامس

  عبد الحق المريني

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

قضى معمد الخامس رحمة الله عليه حياته كلها ملكا على عرش قلوب المغاربة، كان يقف في عهد «الحماية الفرنسية" سدا منيعا أمام محاولات الاستعماريين لسلب المغرب كل ما تبقى له من مظاهر سيادته، وكان الأمين الأوفى على حقوق شعبه، فلم يقبل المساومة على حريته وأمنه واستقراره، وقال كلمته المشهورة : "ن نظام الحماية كقميص وضع لطفل صغير، فكبر الطفل ولم يتغير القميص وبذلك أصبح غير صالح لأن يلبسه هذا الرجل الراشد".
وعلى إثر "انفجار هذه الشرارة" قام المغرب ملكا وشعبا يناشد مطلبا ليس له في غيره أرب بعزيمة لا تمنعها قوة وإيمان لا يحصره أفق وطموح لا تحده غاية.
وكان الاعتداء على العرش المغربي في شخص جلالة الملك المجاهد المقاوم «والرجل الخطير" كما قال عنه السيد "كابرييل بو"، Gabriel Puaux «المقيم العام الفرنسي» السابق، ونفدت الخطة الإجرامية ونفى من وطنه يوم 20 غشت من سنة 1953 إلى جزيرة كورسيكا بعد أن رفض التنازل عن العرش قائلا "لمختطفيه" : إنني ملك البلاد الشرعي ولن أخون الأمانة التي أناطها بي شعبي وفرنسا قوية فلتفعل ما تشاء". وقرأ في نفسه قوله تعالى "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأودوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله" ووضع مدبرو المؤامرة الخسيسة والشنيعة على المغرب ورمز المغرب المفدى دميتم على العرش المغربي معتقدين بأن الستار سيسدل نهائيا على "مسرحيتهم" السافلة.
ولكن جرت رياح الجهاد بما لا تشتهي سفن الماكرين المحتالين والضالين المضلين، فتشبث المغرب بأذيال الصبر على مكاره المؤامرة الدنيئة المدبرة ضد العرش والشعب، واستمسك بالإيمان القوي في مزالق الفتنة المبيتة وبالاعتقاد الراسخ بفوز الفكرة النيرة الطاهرة، وتعلق بحب الاستشهاد في سبيل العقيدة الراسخة لتحرير الوطن وعودة المجاهد المناضل، حامل مشعل الجهاد والفداء إلى عرشه ووطنه، وقد ألهم الله الملك المكافح الثبات والمصابرة في منفاه السحيق فاستهان بالصعاب والشدائد وتحمل مشقة البعد عن الوطن والأحباب ووحشة العزلة وقساوة الغربة، واعتصم بالعزة والكرامة وبقداسة الرسالة الملقاة على عاتقه لتحقيق ما تصبو إليه بلاده من عزة وتحرير ووحدة، "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله".
وما أن مرت سنتان على نفي محمد الخامس قدس الله روحه حتى انصدع الظلام ورجع كيد المعتدين في نحورهم وانهارت "دميتهم" واختفت "صنائعهم" وتحطمت "أبراجهم"، وتبخرت أحلامهم وخفقت أرواح الشهداء بيضا على حواشي الليل البهيم، وانشق عمود الفجر يتلو : "نصر من الله وفتح قريب". فكانت عودة قائد الجهاد "والنسر الأبيض" إلى عرشه وشعبه وعشيرته وعترته وأنشد له الشعب المغربي الكريم نشيد الذكرى : "وحقك أنت المنى والطلب" !
فكانت العودة من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وكانت عودة ظافرة من ملحمة بطولية قادها ملك في نصرته كانت نصرة الشعب المغربي وفي عظمته كانت عظمة البلاد المغربية.
وبذلك لم يكن محمد الخامس ملكا وكفى، بل كان رسول أمة ضحى بتاجه ليرفع راية كفاحها في معركة مصيرها وليحمل إشعاعا من الإيمان يضيء لها مصيرها وسيرتها ومستقبلها بين الأمم.
وإذا أمعنا النظر في مراحل هذه الملحمة الخالدة نلاحظ أن التاريخ يعيد نفسه في كثير من فصولها، فنجد أن "قضية محمد بن يوسف (محمد الخامس) تمثلت في سورة يوسف"، عليه السلام، كما أشار إلى ذلك المرحوم أبو العباس أحمد التيجاني في حديث له بجريدة العلم المغربية صدر في شهر نونبر من سنة 1955، فكانت مواقفه رحمة الله عليه متسمة بالتبصر والصبر والأناة والتضحية لأجل إعلاء كلمة الله وإسعاد وطنه ومواطنيه. ففضل المنفى ومواجهة كيد الظالمين المغيرين بشمم وإباء على الانسياق وراء المغريات والتمتع ببهاء الملك وعظمة السلطان : "رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن (كيد "المقيمين العامين" الفرنسيين ومن كان يؤازرهم من السفهاء المتعاونين والعصاة المتمردين الذين باعوا ضمائرهم للشيطان ) أصب إليهن وأكن من الظالمين"، ولما رأى المستعمرون أن تهديداتهم لم تفدهم في شيء نفذوا مؤامرتهم "ودخل معه السجن فتيان" (نجلاه الأميران مولاي الحسن (جلالة الملك الحسن الثاني) وشقيقه مولاي عبد الله (وكافة أفراد أسرته الكريمة ) وقضي الأمر، وكان أمر الله قدرا مقدورا !
وبعد أن انجلت الحقيقة وحصحص الحق وظهر أمر الله " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" فتحت المفاوضات بين محمد الخامس وفرنسا لترتب عودة السلطان إلى عرشه وإنهاء عهد الحجر والحماية وإحلال عهد الاستقلال والحرية .. ودامت المفاوضات بين أخذ ورد "وتردد وتسويف حتى كاد أن يحل اليأس محل الرجاء" ولكن "يد الله فوق أيديهم" : "حتى إذا استيأس الرسل (رسل أنتسرابي وايكس ليبان) وظنوا أنهم كذبوا جاءهم نصرنا".
"ولقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب" والعبرة هي في "إعزاز يوسف - الذي كان يباع بثمن بخس ورمي بتهمة السرقة. والإعراج به إلى عرش مصر"، والعبرة هي أيضا في إحقاق الحق وإزهاق الباطل في قصة نفي "محمد بن يوسف" وعودته إلى عرشه معززا مكرما "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق"، "قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" صدق الله العظيم.
وإذا تصفعنا تاريخ الأندلس نجد تشابها كبيرا أيضا بين "محمد الخامس" ملك غرناطة "ومحمد الخامس" ملك المغرب في مراحل عديدة من تاريخهما الوطني. وقد تعرض لهذا التشابه السيد محمد بن عودة في مقال له صدر بمجلة "الأنوار" التطوانية بتاريخ نونبر من سنة 1953 أي بعد ثلاثة أشهر من نفي محمد الخامس وأسرته الكريمة إلى جزيرة نائية في المحيط الأطلنتيكي. يقول السيد محمد بن عودة (بتصرف واختصارا) :
يعرف هذا الملك الأندلسي في كتب التاريخ الإسلامي بمحمد بن أبي الحجاج يوسف (شابه من جانب النسب سلطان المغرب "محمد بن يوسف") وكانت أيامه أحسن أيام دولة بني نصر، ففي عهده بني مرشان غرناطة وجامع الحمراء ومعظم ما في قصر الحمراء الذي كان آية في الروعة والجلال. وكان عصره عصر يمن وبركة وأمن وأمان إلى أن لعب شيطان التآمر بعقول إخوته فتآمروا على خلعه والبطش به. إلا أنه فر في آخر الأمر من حضرة غرناطة. وولوا مكانه أخاه من أبيه المعروف بإسماعيل الثاني، وقد لحق "محمد الخامس" الملك الغرناطي بفاس واستنجد بملكها "أبو سالم المريني" لاسترجاع عرشه، فوعده بإعانته بجيش مغربي، إلا أنه لما كان "محمد الخامس" في طريقه إلى غرناطة لمحاربة الملك "الدخيل" قتل الملك المريني وتلقى الجيش المغربي أمرا بالرجوع إلى المغرب وبقى الملك الأندلسي وحيدا بمدينة "روندة" لا حول له ولا قوة. وفي هذا الظرف بالذات قام محمد بن إسماعيل بالاستيلاء على عرش الملك إسماعيل الثاني وقتله شر قتلة. وبعد مضي بعض الشهور ضاق الغرناطيون بأعمال الإرهاب والعنف والتعذيب التي كان يمارسها الملك المتآمر.
وكان الملك "محمد الخامس" الغرناطي قد حاول استرداد عرشه قبل تدبير المؤامرة الثانية ومديده إلى ملك قشتالة وتحالفا على رد الحق المغصوب إلا أن حليفه اغتنم هذه الفرصة لينتقم من رعاياه، فرجع "الملك الشرعي" عن محاصرة غرناطة وتنازل عن حقه إلى فرصة مواتية لا تهرق فيها دماء المسلمين. ولما سنحت الفرصة الذهبية والتف حول "الملك الشرعي" رعاياه الذين لم ينكثوا عهده وحافظوا على الذمة زحف بجيوشه على مدينة غرناطة التي خرج منها الملك المذكور "محمد السادس" هاربا إلى إشبيلية مع الذين فرضوه على الشعب الغرناطي وتثبتوا بأذياله الواهية. ودخل "محمد الخامس" غرناطة ظافرا، عائدا إلى ملكه الذي غاب عنه سنتين (كما غاب عنه محمد الخامس المغربي سنتين أيضا قبل عودته منصورا إلى عاصمة مملكته). وكان استقبال محمد الخامس الأندلسي بغرناطة (كما كان استقبال محمد الخامس المغربي بالرباط ) استقبالا لم يشهد له تاريخ العاصمتين الإسلاميتين مثيلا.
ولما تبوأ الملك الغرناطي عرشه من جديد معززا مكرما كان رحيما بأعدائه وبالذين خانوا الأمانة وقلبوا له ظهر المجن فازداد عند رعيته حبا واحتراما وتقديرا، ونظم وزيره المشهور لسان الدين بن الخطيب وتلميذه أبو عبد الله محمد بن زمرك قصائد رائعة في هذه الأحداث البطولية الفذة.
وإذا عدنا إلى سيرة الجنرال شارل دكول رجل "فرنسا الحرة" وما بالعهد من قدم، نلاحظ تشابها أيضا بين مقاوم يوم "18 يونيه 1940" ومقاوم يوم "20 غشت 1953"، فكلاهما قاوم استعمار بلادهما الغاشم العاتي بكل ما لديهما من دهاء وقوة وعقل وتبصر وفهم وعلم وعمل صادق وتمسك بالوفاء للعهد.
فمواقف الجنرال دكول من النازية معروفة كنار على علم ومكتوبة في ثنايا قلوب الأحرار في كل مكان. وقد سار محمد الخامس رحمه الله على نفس الخطة، فكان بجانب "فرنسا الحرة" ورفض تطبيق قوانين "حكومة فيشي" على اليهود المغاربة لمواطنتهم المغربية، ورحب بإنزال جيوش الحلفاء بشواطئ المغرب في نونبر 1942، وعارض الجنرال نوكيس "المقيم العام الفرنسي بالمغرب" في رفضه لهذا الإنزال. ولم ينس الجنرال دوكول هذا الموقف النبيل إزاء "فرنسا الحرة"، كما بارك مشاركة الجيوش المغربية الفعالة في مقاومتها للجيوش الألمانية بالجبال الإيطالية وبنواحي الألزاس والراين الفرنسية وبالبلاد الألمانية نفسها.
وقام الجنرال دكول بزيارة للمغرب ولجلالة الملك محمد الخامس في شهر غشت من سنة 1943، ولما تلاقى الرجلان اكتشف الجنرال دوكول عن قرب عظمة شخصية الملك المغربي وتشبثه بتحرير بلاده بالدرجة التي كان الجنرال الفرنسي متشبثا بها أيضا أمام الاحتلال النازي لبلاده. وغادر الجنرال دوكول المغرب مومنا إيمانا راسخا بأن محمد الخامس ليس رجل "الحماية الفرنسية" بل هو رجل "الاستقلال والحرية" كما كان دوكول رجل "فرنسا الحرة" لا فرنسا القابعة تحت السيطرة الألمانية الجاثمة على صدرها.
ولم تكد الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها حتى كان أول زائر لفرنسا المحررة هو الملك محمد الخامس في شهر يونيه من سنة 1945، فاستقبله الجنرال دوكول استقبال الأبطال وقلد ضيفه الكبير "وسام الحرية" ولقبه "برفيق التحرير" Campagnon de Libération  تقديرا لمواقفه الشجاعة النبيلة من أجل المساهمة في تحرير فرنسا وبالتالي تحرير بلاده، ولمرافقته له شخصيا في درب النضال والتحرر من السيطرة الأجنبية.
ويشاء الله بعد توالي الأيام أن يحرز المغرب على حريته واستقلاله ويقتضى قضاؤه الذي لا مرد له أن يلتحق "محرر البلاد وبطل الاستقلال" محمد الخامس بالرفيق الأعلى، جزاه الله عنا خيرا وأحسن مثواه. ويترك فينا ولي عهده وشريكه في المنفى ورفيقه في الكفاح والنضال "موحد البلاد وباني الاستقلال" صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني أمد الله في عمره حتى يحقق مزيدا من التقدم والازدهار فى مسيرة شعبه الخضراء الظافرة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here