islamaumaroc

ربطا لماضي الدولة العلوية بحاضرها: دعوة إلى إحياء الذكرى 200 لوفاة السلطان العالم المولى سيدي محمد بن عبد الله 1204و 1404ه).

  أبو بكر القادري

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

يعتبر الملك السلفي العالم سيدي محمد بن عبد الله من أعاظم ملوك العلويين الذين أسدوا لهذه البلاد كثيرا من المكرمات، وحققوا لها العديد من المنجزات، فلقد اهتم بمجرد تولي الملك، بتوطيد أسس المملكة على قواعد ثابتة الأركان، ووضع الركائز القوية لتثبيت الحضارة المغربية الأصيلة، واستفاد كل الاستفادة مما قام به الملوك السابقون، أمثال المنصور السعدي والمولى إسماعيل العلوي من تحقيق الأمن والرخاء والاستقرار، وإعطاء الهيبة للدولة التي صارت في عهده يشار إليها بالبنان.

لقد رأى رحمه الله أن توطيد أمر الدولة، وتركيز أركانها، لا يتحققان إلا إذا حصنت داخلا وخارجا، فالظروف التي تولى فيها مسؤولية الدولة، كانت ظروفا قاسية وشديدة، تجلى فيها جشع الدول الغربية الاستعمارية التي كانت تعمل جاهدة على الاستيلاء على خيرات البلدان القريبة منها والبعيدة، خصوصا وأنها كانت في بداية نهضتها الصناعية متوقفة كل التوقف على البلدان التي تروج فيها صناعتها وتجارتها، وتستفيد من إمكانياتها وموادها. كما أن الظروف الداخلية كانت تتطلب كثيرا من الحزم بعد ظهور بعض التطلعات الشخصية، والانحرافات الأنانية، والعنصريات القبلية. لقد اتجه رحمه الله إلى إصلاح البلاد من جميع النواحي، وكانت نظرته إلى القضايا والمشاكل نظرة شمولية ولقد استفاد من تجاربه وتجارب من سبقوه من الملوك فاكتسب حنكة سياسة، ومهارة دبلوماسية، زادتها مطالعاته وإطلاعه على أحوال السابقين مهارة واقتدارا، وزادها ذكاؤه وإيمانه نجاعة ونجاحا، لقد أدرك أن أساس كل نجاح، ومبدأ كل تقدم، هو الاهتمام بالناحية العلمية، وتكوين العلماء والتقنيين الضروريين للقيام بحاجيات الدولة، وصيانتها والدفاع عن حرماتها، وهكذا قامت في عهده نهضة علمية إصلاحية، كان لها أثرها في بعث الأفكار، وتجديد المفاهيم، ومقاومة الخرافات والأضاليل، والرجوع إلى روح الحنفية السمحة وبناء الدولة على الأسس الإسلامية الصحيحة، ولضمان هذه النهضة العلمية، قرب إليه العلماء المخلصين الذين كان يستفيد منهم ويستشيرهم ويوجههم الوجهة الصالحة التي تجعل منهم علماء عاملين، خصوصا في المجال الذي نال حظا كبيرا من اهتمامه، وأعني به جانب الاهتمام بالسنة النبوية، ونشر الكتب الحديثية التي كان يبحث عنها بالمشرق والمغرب، فقد روى التاريخ أن كثيرا من المسانيد الصحيحة في الحديث لم تكن موجودة في المغرب فعمل على جلبها، فهو الذي جلب من المشرق مسند الإمام أحمد بن حنبل ومسند الإمام أبي حنيفة، ومسند الإمام الشافعي، وهو الذي أمر علماء وقته بشرح مؤلف الصغاني في الحديث، إلى غير ذلك من أمهات الكتب والمؤلفات.

كما أنه اهتم بوضع تآليف وبترتيب الأحاديث النبوية على حسب منهج وضعه لنفسه، فألف كثيرا من الكتب، عرفنا منها : (1) الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية و(2) الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد، (3) ومواهب المنان، بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان.

وفي هذا الباب كان يستعدي جلة من علماء وقته، كالعلامة القاضي محمد بن عبد الله الغربي الرباطي والعلامة القاضي أبو عبد الله محمد بن المير السلوي والعلامة القاضي أبو زيد عبد الرحمان بوخريص، والعلامة أبو زيد عبد الرحمان المنجرة، وغيرهم ليملي عليهم الحديث النبوي الشريف، ويشير عليهم بتأليفه وجمعه، وفق ما يشير عليهم به.

كما أنه كان يجلس كل يوم جمعة بعد الصلاة بمقصورة الجامع بمراكش مع فقهاء مراكش وغيرهم من علماء المغرب، يذاكرهم ويناقشهم في المسائل الفقهية والحديثية والأدبية ويقول : والله لقد ضيعنا أعمارنا في البطالة واللهو في حالة الشبيبة.

لقد أصبح لا شغل له في أوقات فراغه من تسيير شؤون الدولة إلا مطالعة كتب السيرة والحديث، بالإضافة إلى كتب التاريخ والأدب والسياسة، وكان يستحضر كما يقول الزياني : كل ما يطالعه، حتى كاد أن يحفظ كتاب الأغاني برمته، لا يعزب عنه منه إلا النادر.

واهتماماه بقضايا الثقاة والعلماء، هو الذي يدفعه إلى إحداث نظام جديد متكامل للتدريس بالقرويين، وإدخال بعض أمهات الكتب التي لم تكن تدرس من قبل. لقد كان ملكا، وفي الوقت نفسه كان عالما لا يجارى، ولقد تحدث عنه صاحب نشر المثاني فقال :"وهو نصره الله وأيده، في العلم بحر لا يجارى، وفي التحقيق والمعارف لا يمارى، وقد جمع من دراية العلم، ما تقف العلماء دونه، وتود زواهر الأفق أن تكونه، إلى أن قال : فهو أدام الله نصره، سلطان العلماء وعالم السلاطين".

وجاء في كتاب "اقتطاف الأزهار، من حدائق الأفكار" لنجل صاحب الترجمة المولى عبد السلام، كما ورد في كتاب "الأعلام" ما يلي :" وكان والدي نصره الله، وأدام لنا والمسلمين علاه، حريصا على تعليم أولاده، تابعا في ذلك سنة آبائه وأجداده، يجلب العلماء لحضرته السعيدة المباركة، ويحث على تعليم العلم في سائر القرى والمدن، ويكرم الأعلام، وهو نصره الله مشارك في جميع الفنون العظام، قد وسع أهل العلم إنعاما وإحسانا، وعطاء وامتنانا، يعلي مجالسهم، ويستخرج نفائسهم، ويكثر جوائزهم، ويقضي حوائجهم، وله مع الفقهاء مذكرات ومحادثات في سائر الأيام، وممر الدهور والأعوام، فيلقي عليهم من المسائل المشكلات في الحديث والسير والأخبار، وضروب من الفنون العربية ونكت من المقطعات الأدبية، فلا يهتدون إليها إلا بعد الاطلاع، وسواء في ذلك، ذو العارض أو قصير الباع".

وعندما تحدث عنه العالم المؤرخ سيدي عبد السلام بن الخياط القادري قال :"الإمام الموهوب لهذه الأمة على رأس المائة، مجددا لها دينها، ثم قال : كان إماما من علماء الإسلام له تصانيف تقرأ بالمشرق والمغرب، نظر في المصالح، وقام بها قياما لم يقم به أحد من أهل عصره من ملوك الإسلام، ولم يسبق إليه غيره، غير الخلفاء الراشدين" واهتمامه رحمه الله بقضايا العلم والعلماء، وإصلاح المناهج التعليمية لم يصرفه عن الاهتمام بالقضايا الأخرى التي تتوقف عليها نهضة البلاد، ونشر لواء العدل فيها.

ففي عهده أدخلت الإصلاحات على المحاكم الشرعية، وألزم القضاة باتباع منهج في الأحكام سديد، من شأنه أن يحقق العدل الذي تنشده الأمة، وتقوم عليه الدولة، ويضمن إصدار الأحكام طبق التشريعات الفقهية التي تضمن الحقوق للجميع، دون محاباة أو ظلم أو إجحاف، وفي عهده وقع الاهتمام بالتنمية الاقتصادية، فوضعت قواعد للزيادة في موارد خزين الدولة، وأحدثت وظائف للاستفادة من مداخيل الغلات والسلع والأبواب، وهكذا ازدهرت الحياة الاقتصادية بدورها، وأصبح المغرب يلعب دوره المحترم مع الدول التي ترغب في التعامل معه، وربط علاقته مع أكبر دول العالم، التي صارت تنظر إليه وإلى بلاده بكثير من الاعتبار والتقدير، ناهيكم بالولايات المتحدة الأمريكية التي حظيت باعترافه باستقلالها، حيث كان المغرب من أول الدول التي اعترفت لها بهذا الاستقلال، الأمر الذي يبرهن على المكانة التي يتمتع بها المغرب عالميا في ذلك الإبان، حيث كانت تخطب وده الدول الكبرى، وتطلب مساعدته في كثير من الأزمات.

وفي هذا المجال لا يمكننا أن نغفل ما قام به سيدي محمد بن عبد الله إزاء الدولة العثمانية من مساندة في أشد الأوقات حاجة، فلقد ساعد العثمانيين بالمال والعتاد والمراكب الجهادية دون مقابل، عندما كانوا يواجهون الصليبيين المتواطئون ضدا على الإسلام والمسلمين، ولقد اعتبر الأسارى المسلمين الذين كانت تأسرهم الدول المسيحية أسراه، فعمل على فك أسرهم، وفداهم بالأموال من صندوق الدولة، حتى بلغ عدد من فك أسرهم نحوا من خمسين ألفا من المسلمين، ففي "الاستقصا" للناصري : أن ما أنفقه من الأموال في فكاك أسر المسلمين يفوق الحصر، حتى لم يبق ببلاد الكفر أسير، لا من المغرب ولا من المشرق، ولقد بلغ عددهم في سنة مائتين وألف، ثمانية وأربعين ألف أسير".

لقد نظم شؤون الدولة على أحدث طراز في وقته، واستفاد من المخططات السياسية التي كان يقوم بها الملوك الناجحون، ورؤساء الدول النبهاء، فعمر المدن، وأسس المراكز، وبنى الأبراج، وقوى وسائل الدفاع، ونظم الجيش على أساس جديد، وجلب السلاح والذخيرة من الدول التي كان يتعامل معها، وقاوم القرصنة التي كانت تقوم بها بعض الدول الغربية المسيحية، وحصن بلاده منها وحارب الدول  التي كانت احتلت جزءا من التراب المغربي، فأخرجها وطهر البلاد منها، وهكذا حرر مدينة "الجديدة" من ربقة الاستعمار البرتغالي، مستعملا جميع قواه البرية والبحرية، ومعتمدا على المجاهدين المغاربة الأبطال الذين لم يستكينوا أبدا لوجود الأجنبي ببلادهم، كما أنه عمل على تحرير مدينة "مليلية" من قبضة الإسبان، لولا أن الظروف لم تساعده.

لقد كان سيدي محمد بن عبد الله، قوة متحركة، ذا دينامكية فاعلة، يهتم بالشاذة والفاذة من قضايا بلاده وشعبه، يزور المدن، ويتفقد الشواطئ والثغور، لقد جعل عرشه كما يقولون فوق فرسه، فهو هنا وهناك، متفقدا شؤون وطنه وأمتعه، غير مبال بالمتاعب، ولا مستكين للراحة، معتمدا على الرجال المخلصين من حوله، مقدرا لهم، معتمدا على آرائهم، يقول الزياني كما جاء في الاستقصا :"عالي الهمة، يجب الفخر، ويركب سنامه، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يضع المسائل في محلها، ويعرف مناهب الرجال، ويؤدي حقوقهم، ويتجاوز عن هفواتهم، ويراعي لأهل السوابق سوابقهم، ويتفقد أحوال خدامه في الصحة والمرض، ولا يغفل عمن قبل الملك، متواضع، شاكر لنعم الله عليه، كلما ورد عليه فتح أو خير يسر المسلمين، سجد شاكرا لله في وسط مشوره أمام الخاصة والعامة، ينتخب الرجال، ويعدهم ليوم ما، وينادي كل واحد باسمه وقت اللقاء".

لقد أصبح المغرب في عهد المولى محمد بن عبد الله قوي الجانب، مهابا من لدن الخاص والعام، وأصبح يخطب وده كل الدول الأجنبية الكبرى، وأصبحت كلمته مسموعة مشرقا ومغربا، خصوصا عندما رأوا أن حزمه وحنكته واهتمامه ومهاراته وحسن تدبيره لشؤون الدولة والأمة، كل ذلك لازمه طوال أيام توليه الملك، فهو مهتم بالقضايا الداخلية لبلاده، من حيث الأمن والرخاء والاستقرار والحفاظ على الوحدة المغربية، والاستجابة لمطامح شعبه في التعليم والتثقيف والعدل وتهيئ سبل العيش الكريم، وهو مهتم كل الاهتمام بوسائل الدفاع وتطهير البلاد من الأجنبي والعمل على تحرير المدن التي كان الأعداء مغتصبين لها، وهو مع ذلك كله مهتم كل الاهتمام بربط علاقاته مع المسلمين وفك أسراهم والدفاع عن كرامتهم مشرقا وغربا، وهكذا أصبح المغرب في عهده ملء الأسماع والأبصار، وموطن التقدير والاعتبار.

كانت ولادة المولى محمد بن عبد الله بمكناسة الزيتونة، سنة أربع وثلاثين ومائة وألف (1134) وكانت مبايعته بالملك بعد وفاة والده المولى عبد الله يوم الإثنين خامس وعشري صفر من عام واحد وسبعين ومائة وألف (1171) هـ فكان سنه لدى مبايعته ثمانا وثلاثين سنة، بعدما تدرب على المسؤولية في عهد والده، حيث كان خليفة له بمراكش.

وفي شهر رجب سنة أربع ومائتين وألف (1204) هجرية التحق بالرفيق الأعلى وهو في طريقه إلى الرباط فدفن بإحدى قبة من قبب قصره بالرباط رحمه الله.
وبعد فبحلول شهر رجب الفرد الحرام سننتا هذه (1404) هـ يكون قد مضى على وفاة هذا الملك السلفي المصلح مائتا سنة هجرية، وهي مناسبة تدفعنا أن نقترح على كل من يهمه أمر النهضة المغربية، وبعث ثقافتها وأمجادها، وتخليد أبطالها وعظمائها أن ينظموا مواسم ثقافية، تخلد بها ذكرى هذا الملك الفذ الذي كتب في تاريخ المعرب صفحات بيضاء، وأعطى لبلاده علمه وحزمه وإخلاصه المكانة المرموقة التي لا ينساها التاريخ.

إن إقامة أمثال هذه الذكريات، تعرف الأجيال الجديدة بما قدمه عظماء المغرب من ملوك وعظماء وزعماء وصلحاء من مكرمات ومعروف لهذه الأمة المجيدة، التي وفت كل الوفاء للمثل العليا الصالحات، وأعطت عهدها ووفت به للعقيدة الإسلامية التي اعتنقتها عن طواعية، ووجدت فيها ما تتطلع إليه من عز ومكانة وتقدم، والتي اعتبرت نفسها دائما ومنذ أن شرح الله صدور أبنائها للإسلام، جزءا من الأمة الإسلامية المتضامنة الموحدة، تفرح لفرحها، وتتألم لألمها، وتسدي لها في أوقات الشدة والرخاء ما من شأنه أن يعلي مكانتها، ويبقيها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتناضل في سبيل المثل العليا، وفي سبيل الحفاظ على الإشعاع الثقافي الإسلامي الذي به وحده تستنير النفوس، وتستضيء الأرواح، وتهتدي الإنسانية، ويزول عنها الإنحراف.

إن التاريخ نفسه، فإذا كان المغرب في عهد المولى محمد بن عبد الله مد المسلمين بالعون والمدد، حماهم من الحيف واظلم، وفك أسرهم من أيدي الأعداء فإنه اليوم كذلك أصبح والحمد لله مقصدا للأمة الإسلامية جمعاء، تقصده وفودها من جميع أنحاء المعمور، لتنعقد فيه اجتماعاتها، وتتدارس في رحابه قضاياها ومشاكلها، وتصحح فيه من عزمها باسترداد الحقوق، والدفاع عن المقدسات، وتطهير الأراضي الإسلامية من قبضة الغاصبين، وتعمل على إخراج فكرة التضمن الإسلامي، من حيز الفكر والنظر، إلى حيز التطبيق والعمل. إن اجتماع مؤتمر القمة الإسلامي الرابع بالدار البيضاء تحت رئاسة جلالة الملك الحسن الثاني جاء ليؤكد ربط ماضي هذه الأمة بحاضرها، وليثبت أنها لازالت وفية لرسالتها في الاهتمام بقضايا المسلمين شرقا وغربا، وتوثيق عرى التضامن والتآزر والتكاثف فيما بينهم، وأن عزة هذه البلاد من عزة المسلمين، ونصرتها من نصرتهم، ومكانتها من مكانتهم، وصدق الله العظيم الذي قال وقوله الحق :"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here