islamaumaroc

ذكريات عيد العرش المجيد.

  الرحالي الفاروق

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

لعيد العرش في المغرب ذكريات خالدة تذكر فتشكر، ومآثر ثابتة تنظر ولا تنكر، وأعمال جليلة حققها الملوك العلويون الغر الأشاوش لصالح البلاد والعباد لا تزال آثارها الصامدة الدالة عليها شاهدة حاضرة ثمارها اليانعة النافعة تؤدي أكلها كل حين بإذن ربها من غير انقطاع ولا امتناع، ولذلك فكلما أطلت ذكرى عيد العرش المجيد إلا واهتزت لها قلوب المغاربة الأوفياء، واشرأبت لها أعناقهم ولاحت في أجوائها دلائل الاعتزاز والافتخار ومعالم النصر والظفر والاستبصار، وازدادت روابط التعلق والمحبة والوفاء والإيثار بين ملوك الدولة العلوية العتيدة والشعب المغربي الأبي الذي لا يألو جهدا في التعبير عن خباياه وخفاياه وإحساساته الدفينة وشعوره العميق تجاه ملوكه العظام الكرام الذين وجد فيهم بكل حق وصدق ضالته المنشودة وغايته المقصودة في البناء والتشييد ولم الشتات وجمع الشمل ودفع حسد الحاسدين وإحباط المتآمرين الزائغين عن الحق والحانقين على الخلق إلى جانب الانبعاث الإسلامي والرقي الاجتماعي والنهضة الحضارية والازدهار الاقتصادي، وفي ذلك من المعطيات الأساسية الكفيلة برفع مستوى الشعوب في مختلف الميادين وعلى كل الواجهات.

إن ذكرى عيد العرش لتعود بنا إلى أوائل عهد تربع جلالة المغفور له محمد الخامس رحمه الله وطيب ثراه، ورضي عنه وأرضاه على أريكة أسلافه الغر الميامين، حيث اتخذ الشعب بكل طبقاته من تلك الذكرى – ذكرى عيد العرش – رمزا لمحبة ملكه المفدى الذي كان الاستعمار البغيض يضيق عليه الخناق من كل جانب فكان رحمه الله لا ينصاع له ولا يأتمر بأمره رغم شدته وقوته وغطرسته وجبروته، ورغم تعدد أشكال استمالاته وضغوطه وتلبيساته وإيحاءاته، فكانت قناة محمد الخامس لا تلين للاستعمار إذ لا يبغي بغير حقوق شعبه وأمته في الاستقلال والحرية والانعتاق بديلا كيفما كان هذا البديل، وأتذكر وما بالعهد من قدم أن التهيئ للاحتفالات كان يبدأ يوم الذكرى بزمان ليس بالقصير إذ يجتمع الناس زمرا زمرا غالبا في أوائل الليل بعد الفراغ من الأعمال اليومية للمذاكرة والمشاورة حول التنظيم والتهيئ وتعيين محلات إقامة لاحتفالات والمشرفين عليها، وهكذا فلا يأتي اليوم الموعود – يوم عيد العرش – حتى تكتسي المدن والقرى والدواوير والمداشر والقصور أبهى حلل الزينة والفرحة والحبور، فترفرف الأعلام الوطنية خفاقة عالية في سماء الصدق والصفاء والعناق والوفاء والمحبة والإخاء والتفاني العفوي، وتفرش القاعات والأماكن العامة وتنصب مكبرات الصوت لإيصال الخطب والكلمات التي تلقى بهذه المناسبة إلى الآفاق البعيدة عن محل الحفل، وبذلك تكمل الغاية الكامنة وراء إلقاء الخطب الوطنية ألا وهي توعية الشعب بكل فئاته وطبقاته وإسماع صوت الحق للشاهد والغائب، وهكذا يمضي المواطنون يوما خالدا يجددون فيه ولاءهم وإخلاصهم لملكهم المحبوب رمز وحدتهم وضامن استقلالهم وحريتهم وعنوان استمرار شخصيتهم ومحقق آماليهم وأمانيهم.

وقد كان للعلماء والمثقفين والطبقة الواعية من الشعب دور لا ينكر في هذا المجال إذ كانوا في طليعة الرواد والدعاة وعلى رأس الخطباء والنطقاء يعبرون بأفصح لسان وأصدق لهجة عما يختلج في صدور مواطنيهم من مشاعر وطنية ودوافع قومية، وكان علماء جامع ابن يوسف، صنو جامع القرويين وقرينه منضويين تحت ذلكم اللواء الخفاق، وسائرين في ظله الوريف ومباركين للخطوات الثابتة والمبادئ الرائدة للجالس على العرش التليد، وقد كانوا بدورهم يقيمون بهذه المناسبة حفلا بهيجا برحاب جامع ابن يوسف يحضره العلماء والأساتذة والطلاب يتبارون فيه بما تجود به قرائحهم من الشعر والنثر في تمجيد عيد العرش السعيد وتخليده.

ذلك ويمتاز عيد العرش في العهد الحسني الزاهر والطاهر باستمرارية تلك الروح الوطنية الوقادة التي عمل جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده على إذكائها في النفوس وترسيخها في القلوب بما أضفاه على هذه الذكرى من أعمال جليلة وأفعال نبيلة جعلت بلادنا تقفز إلى المصاف الأولى للدول النامية وجعلت العالم ينظر إليها بعين الاعتبار والانتصار والإجلال والإكبار.

في هذا العهد الحسني السعيد الحافل بالمكرمات والغني بالمأثورات سجل بلدنا ازدهارا وتفوقا قلما يجود بمثليهما الزمان وذلك في مختلف المجالات التنمية والتحريرية والإسلامية:
ففي ميدان التربية والتعليم وتكوين المواطنين تعد المملكة المغربية من أرقى دول العالم في هذا المجال إذ تنتشر المدارس والمعاهد والجامعات في كل بقعة من أرض وطننا الغالي العزيز، كما أن عدد التلاميذ والطلاب المتصدين للتعلم والدرس قد قفز إلى رقم يشرف ويماشي مستوى القطاعات الموازية الأخرى، واعتنى جلالته بميدان التعليم الإسلامي الأصيل فجدد ما اندثر منه، ونظم جامعة القرويين التي تعد حصنا حصينا ومأمنا أمينا وركنا ركينا وقلعة شامخة من قلع اللغة العربية والحضارة الإسلامية، ولم تقتصر همته العالية أطال الله بقاءه وخلد في الصالحات ذكره وثناه – على ذلك فقط، بل أنشأ دار الحديث الحسنية حفاظا على الحديث الشريف والإسناد الصحيح الذين اعتنى بها العلماء المغاربة اعتناء فائقا، وبذلك ربط السلف بالخلف واللاحق بالسابق ثم بعد ذلك رمم المدارس القرآنية وجددها وخاصة تلك التي تهتم بالقراءات المتواترة وأشاع الوعي الإسلام الصحيح عن طريق إذاعة الدروس الرمضانية التي حييها جلالته في رمضان المعظم من كل عام، ويستدعي للمشاركة فيها العلماء الأعلام من مختلف الأصقاع الإسلامية.

وبما أن جلالته هو حامي الملة والدين والساهر الأمين على الإسلام والمسلمين فقد دافع عن سنة جده المصطفى الصادق الأمين،  فبدد الغيوم والظلمات وحارب الأهواء والضلالات وكبح جماح الغاوين والمتنطعين والمتشددين والمبتدعين وصدق الله العظيم "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور..".

وإن المغرب اليوم – شأنه في ذلك شأن باقي بلاد الإسلام – ليقف على أعتاب صحوة إسلامية شاملة تمس في الصميم بمبادئه وشرائعه وأخلاقه ومعاملاته بفضل المجهودات المشكورة المبذولة من طرف مولانا أمير المومنين الحسن الثاني الذي لا يترك فرصة تمر سواء في أوامره وتوجيهاته أم في خطبه ومواقفه دون أن يذكر شعبه العزيز بالتشبث بالإسلام عقيدة وعملا وهو أعزه الله في كل ذلك إنما يعطي المثل الأسمى قصد الرجوع به إلى السنة الغراء والمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيع عنها إلا هالك.

وقد عمد جلالته في الآونة الأخيرة – تكريسا لكل مجهوداته الإصلاحية تصحيحا للصحوة الإسلامية – إلى إحداث المجلس العلمي الأعلى برئاسة جلالته والمجالس العلمية الإقليمية، وأصدر بذلك ظهيرا شريفا علويا منيفا يحدد اختصاصاتها وينظم هيئاتها ويوسع مجالات تدخلها في شتى الميادين التي تدعو الضرورة الملحة إلى تداركها وطرق بابها، إحقاقا للحق وإزهاقا للباطل إن الباطل كان زهوقا، وإنا لنتمنى لهذه المجالس أن تقوم بواجبها وبالأمانة العظيمة الملقاة على عاتقها أحسن قيام، كما نتمنى لها أن تلتزم في فتاويها وفي إرشادها وفي كل ما يصدر عنها بأحكام الإسلام الصحيح الصريح الذي لا تشوبه شائبة  ولا يسير مع المصالح الشخصية والنصائح الذاتية، ولا مع الأهواء والأضاليل وإنما يقتصر على قواعده القويمة وطرائقه المستقيمة.

وما دمنا في صدد تعداد مظاهر الصحوة الإسلامية في العهد الحسني السعيد، فلا ينبغي أن نغفل عن تأسيس نظام الحسبة التي أمر بتحديد رسومها وإرساء أسسها جلالة الملك المعظم الحسن الثاني حفظه الله، فالحسبة كما هو معلوم نظام إسلامي خالد أقره الإسلام وطبقه المسلمون الأولون فجاء بنتائج باهرة في ميدان المراقبة على السلع والمعروضة للبيع، وفي مضمار الأخلاق والمحافظة عليها وصيانتها وكذلك في نطاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصدق الله العظيم إذ يقول :"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن النكر" وفي الحديث، لتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم.

فإننا نسجل بكل ارتياح واطمئنان واعتزاز استحسان تصدي جلالة الملك بحكمته المعهودة وحنكته المشهودة وحصافته الرشيدة لذلك التعدي السافر والاستيلاء الغادر على صحرائنا المغربية حيث استنبط أعزه الله معجزة العصر وأعجوبة الدهر المسير الخضراء إلى تحرير الصحراء من الاستعمار الظالم فكانت النتيجة والحمد لله ذلك الفتح الرباني العظيم الذي أدهش القريب والبعيد وأقر بفعاليته وجدواه كل منصف ومجيد، وهكذا تحررت الصحراء وانضمت إلى الوطن الأم بفضل كفاح جلالته وتأييد الشعب المغربي قاطبة لخطواته الموفقة، والجهود المتوالية والنية معقودة بحول الله لتدارك ما فات إبان الاستعمار من إصلاحات مفيدة وتخطيطات بناءة في الصحراء التي وعد مولانا الملك بإلحاق أقاليمها الثلاثة بمستوى الازدهار الذي تتمتع به الأقاليم الشمالية من المملكة الشريفة، فهنيئا للصحراء المغربية ولأهلها الصادقين المخلصين بهذه الجهود المثمرة وصدق الله العظيم :"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد".

والعرش العلوي المجيد ما فتئ منذ القدم يعمل لنشر العدل والأمان ويدعو إلى السلام والاطمئنان تحت ظل راية القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ومواقف الملوك الأشراف العلويين – من المولى محمد الشريف وأخويه المقدسين المولى رشيد والمولى إسماعيل العظيم إلى وارث سرهم وقدح زنادهم وشعلة عبقريتهم مولانا الحسن الثاني المؤيد بالله – ثابتة واضحة لا غبار عليها ولا التباس وهي مبنية أساسا على التصالح والتناصح والتآزر والتظافر خدمة للعروبة والإسلام انطلاقا من الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده عن النعمان بن البشير رضي الله عنه قال "مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

إن جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله ورعاه الذي يحتفل الشعب المغربي الكريم اليوم بالذكرى الثالثة والعشرين لاعتلاء جلالته عرش أسلافه الطاهرين المنعمين ليعد أبرز شخصية قيادية في العالم الإسلامي تجاهد بكل ما أوتيت من توفيق واتزان وسداد وصبر ومثابرة ورشاد لإحلال السلم والأمن في ربوع المعمور ولتحرير مدينة القدس الشريف والمسجد الأقصى من أيد الصهاينة الخبثاء المعتدين الذين يحاولون بكل الوسائل الظاهرة والخفية محو معالم الإسلام ومظاهره من الأراضي الإسلامية التي استولوا عليها ظلما وعدوانا، وبأساليب شيطانية وإعانات خارجية مفضوحة وممقوتة وإنا إن شاء الله لفي انتظار ذلك اليوم الذي ينتصر فيه سلطان الحق ويعلو شأن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على يد مولانا الملك المؤيد بالله "إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب".

واعتبارا لما لجلالة المعظم من شهامة وأريحية ودور متميز في تحرير بلاد الإسلام والمسلمين من مخالب وبراثين الاستعمار المعتدي الأثيم، اقتداء بأجداده المنعمين الذين يشهد التاريخ – وهو خير شاهد – أنهم هبوا خفافا وثقالا لنصرة المسلمين في أقصى البقاع الإسلامية وحرروا أسرى كثيرين من المسلمين من يد قراصنة الدول الأوربية المسيحية ابتغاء مرضاة الله تعالى وتحقيقا للتضامن الإسلامي، اعتبارا لكل ذلك وغيره فقد أجمع العلام الإسلامي والعربي على تقليد جلالته رئاسة لجنة القدس تلك اللجنة التي جعلت من أوائل مهماتها تحرير مدينة القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المغتصبة والضائع حقها في متاهات الجحود والتعنت والغرور واللامبالاة، وفي مناورات القوة والعصيان والصهيونية ومن سار في مسارها ونهج نهجها من الدول التي تؤثر المصالح على المبادئ وتقدم الشكليات على الحقائق والله غالب على أمره، وإن أبناء العالمين الإسلامي والعربي ليحيون الأعمال الناهضة والمواقف الخالدة والتدخلات المفيدة لجلالة الملك، ويرون فيه خير محرر للمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ويباركون خطواته الموفقة الرشيدة في سبيل نصرة الدين وتدعيم المشروعية والدفاع عن الحق العربي السليب.

ونسأل الله العلي القدير أن يمن على مولانا الإمام الملك الهمام بالنصر والتأييد والتمكين والظفر والفتح المبين، وأن يسدد خطاه ويوفق أعماله ويسلك به الطريق المستقيم لخير شعبه وأمته في حبه والمؤيدة لعمله، ويحفظه في ولي العهد المحبوب الأمير سيدي محمد وصنوه السعيد الأمير مولاي رشيد، ورحم الله أولئك الملوك العلويين الأماجد ذوي الأعمال الجليلة والمواقف النبيلة وفي طليعتهم مولانا محمد الخامس منقذ المغرب وبطل التحرير وأب المغاربة أجمعين، فجزاهم الله الجزاء الأوفى، والحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here