islamaumaroc

مساهمة الفقيه محمد بن محمد الفلاق في الدعوة إلى إعداد الجيش المنظم على عهد السلطان مولى محمد بن عبد الرحمان

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

واجه المغرب في أواخر القرن الثالث عشر صعوبات جمة في مقاومة التدخل الأجنبي وكان يحاول بكل قواه أن يثبت وجوده ويقر كيانه ويحمي نفسه من كيد المعتدين ولقد شعر أن التكافؤ العسكري لم يكن ميسرا خصوصا بعد الحرب الكبرى التي قامت بينه وبين فرنسا في مدينة إيسلي عام 1260 هجرية موافق 1844 ميلادية وفي الحرب التي قامت بينه وبين إسبانيا في تطوان عام 1276 هجرية موافق 1860 ميلادية.

وفي كلا الحربين تبين أن سبب الانهزام الذي أصيب به المغرب لم يكن مرجعه إلى فقد الروح المعنوية في الجانب المغربي وإنما كان مرجعه إلى انعدام التنظيم وقلة التجهيز وإلى فقد الوسائل الحربية الحديثة لذلك هبت أريحية المغاربة لتعليل أسباب الهزيمة وللدعوة إلى تلافي كل ما يمكن أن يثبط العزائم وساهم الفقهاء والأدباء بدورهم في هذا الباب فألفوا الكتب ونشروها بين الناس ليستوعبوا حقيقة أمرهم وليبينوا ما هم في حاجة إليه سواء في الميدان السكري أو في الميدان الاقتصادي أو في الميدان السياسي وتكونت بسبب ذلك حركة قوية حاولت أن تقارن بين النظام السائد آنذاك في الجيش المغربي المبني على الهجوم لتشتيت جموع العدو دون القدرة على حماية الأرض حماية كافية وبين النظام الذي كان سائدا في الجيش الأوربي الغازي المعتمد على الزحف المنظم المقتبس من نظام الأتراك ودعت هذه الحركة إلى وجوب الاقتداء بالنظام الثاني لتكون المواجهة إيجابية ولتؤدي نتائجها المرجوة .

وكان هناك تكامل مطلق بين العرش العلوي وبين الفقهاء الذين ألفوا الكتب في هذا الشأن لإبراز أهمية الموضوع وتحليل كل ما يتعلق به ولتسفير البواعث الضرورية التي تلزم كل مواطن بالمساهمة العملية في إنجاح هذه المشاريع الإنقاذية الكفيلة بتحرير البلاد وإبعاد الدخلاء عنها.

وبالفعل فقد شرع المولى عبد الرحمن بن هشام في إدخال عناصر الإصلاح واقتدى به في ذلك من بعده ولده المولى محمد الذي شجع الحركة العلمية والصناعية الذي دعا إلى وجوب التفتح على ما في أوربا من تقنية لنستغلها في كل حاجياتنا وخصوصا فيما يتعلق بوسائل الدفاع.

ومن المعلوم أن كل حركة إصلاحية لا تتم إلا بمساندة فكرية وتوعية شعبية تبين للناس ضرورة مساندتها وتشرح لهم فوائدها وتهيب بهم أن يؤازروها ماديا ومعنويا وتلك هي المساهمة المرجوة من المثقفين سواء كانوا علماء أو أدباء فليس هناك رأي يسرد إذا عدم السند من رجال الفكر الذين يربطون بين قيمته في ذاته وبين ما ينتج عنه من نفع للبلاد والعباد.

وحيث أن المغرب أصبح يشعر بالخطر الداهم من قبل أعدائه، فإن الدعوة إلى تنظيم الجيش أصبحت دعوة صريحة وضرورية كما أصبح إشعار المغاربة بوجوب الإنفاق على جيشهم من أهم الضرورات التي لم يجد الفقهاء بدا من توضيحها وتبرير صلاحيتها ومن الإفتاء بشرعية إلزامها.

وإذا كان الجانب الأول قد ألحت عليه الضرورة بعد حرب إيسلي فإن الجانب الثاني قد فرفضته ظروف البلاد بعد إرهاق المغاربة بنتائج حرب تطوان وما خلفته من مشاكل اقتصادية كبرى حينما التزم المغرب بتقديم عشرين مليونا من الريالات الذهبية لإسبانيا مقابل انسحابها من المدينة المغربية الأسيرة.

ومن الكتب الممثلة للاتجاه الأول كتاب كشف الغمة ببيان أن حرب النظام واجب على هذه الأمة للفقيه محمد بنعبد القادر الكردودي المتوفى سنة 1268 هجرية فقد تحدث فيه مؤلفه عن نظام الحرب وعن وسائل الدفاع وعما يجب أن يتسلح به الجيش المغربي ليكون في المستوى المرغوب فيه وقد ذاع هذا الكتاب بين الناس وتقل منه المؤرخون ما يتلاءم مع أهدافهم الإصلاحية ومن بين الناصري في كتابه الاستقصا.

وأما الاتجاه الثاني فقد ألف فيه كتاب مازال مخطوطا إلى الآن وهو موجود بخزانة القرويين بفاس سجل تحت عدد 1997 عنوانه تاج الملك المبتكر ومواده من خراج وعسكر للفقيه محمد بن محمد الفلاق السفياني المغيظي المتوفى سنة تسع  وثلاث مائة وألف.

إن هذا الكتاب ألف في ظروف وطنية دقيقة كانت تدعو إلى تبيان الواقع وإبراز الحقائق وتسجيل الآثار الخطيرة التي نتجت عن الغزو الأجنبي لبلادنا وما خلف هذا الغزو من اضطراب اقتصادي وما نتج عنه من أزمة مالية كان من الواجب أن يبحث الشعب نفسه عن حلولها ليلا يبقى التسلط الأجنبي مهيمنا بعسكره وقوته، فالمقاومة لا تحقق بمجرد الإيمان بها إذ لابد أن يكون مع الإيمان استعداد قوي ولا يتأتى هذا الاستعداد إلا بتنظيم الجيش ولا جيش إلا بمال ولا مال إلا بالشعب الواعي الذي يستجيب لنداء الواجب كلما دعا، ولكن من هم هؤلاء الذين يتحملون مسؤولية التوعية في الأمة إنهم العلماء والفقهاء ورجال الفكر الذين يبينون للجمهور ماله وما عليه والذين يحرصون على تبرير المواقف الوطنية تبريرا شرعيا يدفع إلى الإخلاص والوفاء.

ولقد كان المغرب في هذه الحقبة التي نتحدث عنها يتوفر على عدد من هؤلاء المثقفين الذين يعرفون قيمة المواجهة للاستعمار ويعرفون ما يستفيده المغرب من المقاومة المسلحة المنظمة المنضوية تعت لواء العلوي المجيد.

وكان من بين هؤلاء المثقفين الواعين الفقيه الفلاق الذي ألف هذا الكتاب فجمع فيه نظريات سديدة في أغلبها وربط بين دفتيه بين الجانب العقلي في التسيير السياسي وبين الجانب الشرعي في هذا التسيير، وبذلك كان كتابه هذا كتاب فقه وسياسة في آن واحد. فقد ذكر في مقدمته أنه لاحظ أن الجيش المغربي لم يكن قبل السلطان المولى عبد الرحمن وولده سيدي محمد مبنيا على قانون واضح ونظام دقيق ولكنه في عهدهما قد قويت شوكته واتبع خطة تفيد البلاد في المواجهة والمقاومة.

ودفعته هاته الملاحظة إلى الحديث عن الجيش وتاريخه وضرورة وجوده وطرق الإنفاق عليه، وقال إنه لم يقف على أحد من الأئمة رضي الله عنهم قد استوفى المرام وحصل مطالبه على التمام إلا كلمات صدرت من أنو شروان اعتمدت على العقل والطبع واستغلها بعض الباحثين كابن خلدون استغلالا عمرانيا فاحتاجت إلى من يربطها بالجانب الشرعي لتكتمل أبعادها وتتحقق غاياتها، وذلك ما حاول أن يتكفل به خصوصا بعد مقارنته بين ما كتبه ابن خلدون في هذا الشأن وبين ما كتبه الطرطوشي في كتابه سراج الملوك الذي اعتبره ابن خلدون أقرب إلى كتب الوعظ منه إلى كتب السياسة الرشيدة.

قال المؤلف بعد هاته المقارنة : «وكاتبه أراد الأخذ بالمذهبين ناقلا عنهما بعض معاني الكتابين ممزجا الطبيعة بالشريعة راجيا أن يعم نفعه بين الخليقة ويتم حسنه بأكمل السيرة والطريقة وكل من الإمامين رضي الله عنهما أفاد فيما قصده وانتقى لطالب مطلوبه وغليله وجزاهم الله عنا وعن المسلمين خيرا".

ثم ذكر بعد ذلك المنطلق الأصلي الذي ورد عن أبو شروان وهو قوله الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح العمال وإصلاح العمال باستقامة الوزراء وأس الكل بافتقاد الملك حال رعيته بنفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه.
ومن هذه الكلمات كون موضوع كتابه الذي قسمه إلى عشرة أبواب مرتبة على الترتيب التالي :
الباب الأول في الملك
الباب الثاني في الجند الباب الثالث في المال
الباب الرابع في الخراج
الباب الخامس في العمارة
الباب السادس في العدل
الباب السابع في إصلاح العمال
الباب الثامن في استقامة الوزراء
الباب التاسع في افتقاد الملك حال رعيته
الباب العاشر في اقتدار الملك على رعيته حتى يملكها لوا تملكه.

وتتميما للفائدة فإنا سنقدم ملخصا لهذه الأبواب ليعرف القراء مضمون الكتاب ومنهج مؤلفه الذي كان يلقي دروسه في المحافل والمساجد سواء في ناحية سوق الأربعاء حيث كانت قبيلته أو في مدينة فاس حينما أصبح قاضيا بها.

الباب الأول في الملك
تحدث المؤلف هنا عن حقيقته وغايته وشروطه وحكمه كما تحدث عن الخلافة والإمامة وأشار إلى ما ذكره ابن خلدون من أن الملك إذا صرفه صاحبه باعتبار طبعه حمل الكافة على مقتضى الغرض الشهواني وإذا صرفه باعتبار السياسة العقلية حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في المصالح الدنيوية أما إذا صرفه على مقتضى النظر الشرعي في المصالح الأخروية والدنيوية فذلك هو المقصود بالخلافة، وشروطها عند المؤلف خمسة هي العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل والنسب القرشي.

وقد عد المؤلف النسب القرشي شرطا من الشروط وخالف في ذلك ابن خلدون الذي كان يرى أن مسألة الخلافة لا تتعلق بالنسب وإنما تتعلق بالعصبية ولعل الخلاف بين المؤلف وابن خلدون في هذا الباب يعتبر خلافا ناتجا عن منظور كل منهما للأحوال السياسية من خلال الأحداث التي تربط كلا منهما بعصره فابن خلدون عاش قي حقبة كانت العصبية قي غالب الأحيان عند غير القرشيين فلم يعبأ بها قي شروطه أما المؤلف محمد بن محمد الفلاق السفياني فقد رأى أن الدولة الحاكمة بالمغرب تستمد قوتها من ارتباط المواطنين بها ومن تقديرهم لقائدها المتفاني في خدمتها السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن المتصف بالحزم والجدية والإخلاص.

وناقش المؤلف في هذا الباب نقطة تتعلق بأهل الحل والعقد فابن خلدون نظرا لإيمانه بالعصبية يرى أن أهل الحل والعقد هم أهل الشوكة والعصبية والقدرة والقهر والتغلب، في حين يرى المؤلف باعتباره يمثل رأي الفقهاء أن أهل الحل والعقد هم العلماء الذين يملكون القدرة على التمييز بين الصالح وغيره والذين يكون لهم السند المعنوي القادر على امتلاك النفوس واستمالتها إلى الخير والصلاح.
والغالب أن هذا الخلاف مرجعه إلى الدور الذي يمثله العلماء في البلاد، فإذا كانوا خاملين غير مشاركين في المشاكل العامة فهم ليسوا من أهل الحل والعقد أما إذا تحملوا الأمانة وساهموا بوجودهم الفعال في إثبات أركان الحق وقاوموا وجاهدوا وبينوا الحق من الباطل فهم ولا شك سيملكون زمام التسيير وسيكونون من أركان الدولة وسيكون لوجودهم معنى ولرأيهم قوة.

والظاهر أن المؤلف كان يهدف من كتابه هذا إلى إقرار سلطة العلماء وإلى ربطها بالمجرى السياسي والعسكري ليعمل الكل على مساندة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن الذي كان يمثل الرأي العام المتشوق إلى الحرية والرفاهية والتخلص من الضغط الأجنبي.

الباب الثاني في الجند
وهو من أهم الأبواب في الكتاب ولا يسع القارئ إلا التأمل والتدبر في معانيه وقد استقرأ هذا الموضوع من مختلف الكتب الفقهية والتاريخية وحاول تحديد معنى الجند سواء من حيث إطلاقه على مجرد العسكر أو من حيث إطلاقه على كل من يعين الإمام على تحقيق وظيفته وتنفيذ أمره وتطبيق مقرراته فيدخل في ذلك صاحب السيف وصاحب القلم وصاحب الرأي وصاحب الحجاب ولقد استمد عناصر موضوعه فيما يتعلق بصاحب السيف من كتاب أستاذه الشيخ محمد بن عبد القادر الكردودي السابق الذكر فأشار إلى طريقة نظامه وترتيب درجاته حيث يجعل على كل ثمانية من الجنود ناظرا ويعقد له عقدة وعلى كل خمسة من النظار عريفا وعلى كل خمسة من العرفاء نقيبا وعلى كل خمسة من النقباء قائدا ويعقد له علما وعلى كل خمسة من القواد أميرا ويعقد له راية إن كثر الجند (ص21).

ويتدخل المؤلف هنا فيذكر أن هذا الترتيب لو عمل به في الرعية كلها لأغنى عن الجيش واعتمد في ذلك على قول الإمام العلامة قاضي الحضرة الفاسية أبي الحسن التسولي حين عجز الإنفاق على الأجناد.

وما هذا التدخل على ما يبدو إلا إشعار بوجوب النظام والترتيب والإعداد للمقاومة والجهاد فليس من المعقول أن تبقى المقاومة دون رقيب وهذا من الأهداف الرئيسية التي كان يتوخاها المؤلف من كتابه هذا لئلا يبقى الجيش مهيض الجناح فاقدا للرأس المفكر وللقائد المدير.

وتحدث بعد ذلك عن شروطه وموانعه وفرائضه سننه ومنهياته ويهدف من وراء ذلك إلى تقوية معنوية الجيش ودفعه إلى الالتزام بمحاسن الصفات والابتعاد عن كل المساوئ فإن الجندي عنوان المجد وحامي الدولة وحارس البلاد، فلا يصلح إلا إذا كان يتحلى بجميع صفات الفروسية فلا يكذب ولا يختلس ولا يغل ولا يتقاعس ولا يفر من المعركة ولا يختال ولا يخون ولا يفسق ولا يزني، وقد اختار المؤلف آيتين من القرآن الكريم تجمع الصفات الضرورية للجندي وتبين ما يجب أن يتحلى به المؤمن إذا أراد النصر والظفر قال تعالى في سورة الأنفال :"يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين".

ففي هاتين الآيتين خمس خصال ما اجتمعت في جيش إلا كان النصر حليفه أولها الثبات في المواجهة وعدم الاستسلام للخذلان وثانيهما استمرارية الذكر لله لأن من يذكر الله في حالة الحرب يستحضر هيبته ويتجنب سخطه ويحرص على أن تكون مواجهته خالصة لله، وثالثها طاعة الله وطاعة الرسول ليكون الجهاد مبنيا على أساس شرعي سليم فلا يكون بغيا ولا تمردا ولا حرابا ولا غضبا ولا عدوانا، والصفة الرابعة التآزر والتضامن وعدم التنازع فإن أي تنازع في الجيش يؤدي إلى الفوضى والفشل.

أما الصفة الخامسة فهي الصبر، قال المؤلف وهو ملك النصر، ثم نقل نصوصا تتعلق بالموضوع منها قول ابن النحاس : «...ما اجتمعت هذه الخمسة في فئة قط إلا ونصرت وإن قلت وكثر عدوها» ومنها ما نقله من كتاب شيخه الكردودي عن كتاب فلك السعادة وهو قوله : «إن هذه الصفات لما اجتمعت في الصحابة رضي الله عنهم لم تقر لهم أمة من الأمم ففتحوا البلاد شرقا وغربا ودانت لهم العباد سلما وحربا ولما تفرقت فيمن بعدهم آل الأمر قليلا إلى ما ترى فلا حول ولا قوة إلا بالله ».
ثم تحدث بعد ذلك عن شعار الجيش ولباسه وألوانه واستعماله للطبول والبنود وتطرق إلى حكم الله في الموسيقى التي تستعمل في الجيش فرأى أنها جائزة سواء كانت تستعمل لإرهاب العدو كما ذكر أرسطو أو كانت لدفع النفس إلى المقاومة وحثها على الإقدام كما ذكر ابن خلدون واستند في حكمه هذا إلى ما قال ابن عباد من أن الأمور المحدثة إذا قصد بها تعظيم الله وإجلال ما عظمه الله فهي جائزة (ص 32).

ومن هذا المنطلق أفتى بجواز الاحتفال بالأولاد حين ختم القرآن أو حين دخول المسجد وجواز الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم وحجته في ذلك أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قفوله من بعض غزواته فقالت له إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب على رأسك بالدف فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أوفي بنذرك أو كلاما هذا معناه قال والحديث الآن لا نذكر من أخرجه من الأئمة وهو عندهم ثابت مشهور ثم قال ولا شك أن الضرب بالدف من أنواع اللهو والنبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالوفاء بنذرها لما كان سبب ذلك فرحها بسلامته، وحرص المؤلف هنا على ذكر بعض القواعد الأصولية الهادفة إلى تحقيق مناط الأحكام وربطها بالمقاصد فذكر أن كثيرا من الأشياء ليست مذمومة لذاتها وإنما هي مذمومة لما يترتب عنها من شر وضرر فإذا خلصت من الشرور وصارت هادفة للخير فإنها تصير مشروعة مقبولة ويتجلى ذلك في كثير من الأشياء كالغضب إذا كان لله وكان من أجل العق كان حسنا فإن كان للنفس والهوى كان مذموما وكذلك الشهوات لا يمكن أن يشرع إبطالها بالكلية فهي محرمة إذا كانت ناتجة عن هوى، أما إذا كانت خاضعة لأوامر الله ونواهيه فإنها تكون امتحانا للعباد وكذلك أمر العصبية فهي إذا كانت جاهلية حرمت أما إذا كانت لإقرار أوامر الله فهي أمر مطلوب واجب.

الباب الثالث في المال
تحدث فيه عن كيفية قسمه على الجند وغيره كما تحدث فيه عن طريقة الوصول إليه وكيفية فوضه على الرعية.

وفي هذا الباب عرف المال بقوله : «هو المجتمع من الرعية وغيرها على قانون الشرع أو من الرعية فقط على قانون متعارف عند الاحتياج إليه وفقد الأول وهو المسمى بيت المال (ص 35) فيدخل بالأول الزكاة وخمس الغنيمة وهو المال الذي أخذ بقتال أو حكمه كقرار الكفار بعد نزول الجيش ببلادهم، وخمس الركاز والفيء وهو ما أخذ من الكفار بغير قتال كهدية الطاغية وفرار العدو قبل دخول المسلمين أرضه. ومال الصلح والجزية وخراج الأرضين ومال من لا وارث له من المسلمين والمقتول ردة.

ويراد بالثاني المكس ولعل من أهداف المؤلف في هذا الكتاب إبراز حكم الله فيه نظرا لكون القسم الأول معروفا متداولا فذكر أنه يجب بطريقين - طريق عقلي وطريق نقلي.

أما الطريق العقلي فواضح لأن المال ضروري لبناء الدولة ولا يتم انتصار جيش بدونه فإذا لم يتيسر هذا المال في الخزينة فعلى الإمام أن يبحث عنه من وجوه تقر المصلحة العامة فيؤخذ بحق وينقق في حق وأحال على ما في مقدمة ابن خلدون وعلى ما في كتاب سراج الملوك من وجوب ذلك بالبديهة.

أما الطريق النقلي الذي يعتمد على أصول شرعية فثلاثة أنواع :
النوع الأول هو نص في المراد واعتمد فيه على ما جاء في كتاب المستصفى للغزالي من وجوب فرض خراج على المسلمين إذا احتاج الجيش إلى مال ولم يكن في بيت مال المسلمين ما يكفيه بناء على أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الغاصة، وأنه إذا تعارض شران أخذ بأخفهما ضررا. ومن المعلوم أن الضرر الذي يحدث بأخذ جزء من مال شخص أقل من الضرر الذي يحدث للمسلمين بانهزامهم إذا ما فقد الجيش العدة والعتاد، ويستنبط هذا الحكم من قول الله تعالى (ص 38) : قالوا يا ذا القرنين إن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض، فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا، قال ما مكنني فيه ربي خير، فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما. (سورة الكهف – 95).

 ثم نقل بعد ذلك حكما عن الشاطبي وحكما عن اليوسي في أجوبته لأمير المومنين المولى إسماعيل فقد قال فيها : «نص علماؤنا أنه إن لم يكن بيت مال يكن على جماعة المسلمين أن تجمع ما لا يرتب به الجند وحملة العلم".

النوع الثاني يتعلق بالقياس الجلي.
ويتضح من النصوص الفقهية التي استدل بها أن هذا النوع يقاس على أجرة العون الذي يشعر الخصم أثناء الدعوى فإنها تؤخذ من بيت المال فإذا تعذر ذلك فى فرضت على المدعي الذي يؤتى الخصم إليه فكما أن هذا الأمر لم يكن واجبا عليه لأنه داخل في ترتيب القيام بواجب الإمام فلما عجزت الخزينة كلف بها المدعي فكذلك هذه الجزئية المتعلقة بالدفاع عن حوزة الأمة فالأمل فيها أن تكون من بيت المال فإذا عجز وجب فرضها على المسلمين عامة لأن الضرورة إذا كانت قد دفعت إلى فرض الإنفاق على الشخص في إحضار خصمه فكيف لا تكون واجبة في حماية الكيان العام وفي إعداد الجيش الذي لا يستقر الأمن بدونه ولا تتم حماية الدين والدنيا إلا بحمايته وجهاده.

النوع الثالث فحوى الخطاب.
ويكاد يكون هذا النوع قياسا أيضا حيث ربط المؤلف هذه الجزئية بمسألة من يأخذ أجرا على حماية الطرق بالسلاح وهو ما يعرف عندنا في المغرب بالزطاطة حسب ما هو منظوم في العمل الفاسي وبمسألة ما يأخذه الجندي على بدرقة الحاج أي خفارتهم وحراستهم ليدفع عنهم كل غائلة، فإذا كان ذلك جائزا فيما يتعلق بصون المال فكيف لا يكون جائزا في صون الدماء والدين وسد الثغور وحفظ مصالح الدولة العامة.
ومن هنا توصل إلى الحكم الشرعي الذي يجعل للإمام الحق في أن يلزم الناس بدفع الأموال لتمويل الجيش وتزويده بكل ما يحتاج إليه، بل إنه أباح للإمام أن يلزم من تقاعس عن الدفع بشرط العدالة وعدم الإجحاف.

الباب الرابع في الخراج
وفيه تحدت عن وجوه المعاش وعما يصلح منها لاستدرار الخراج الشرعي ولا يتم ذلك إلا بجهد وعمل ولهذا كانت الضرورة تدفع أولي الأمر إلى استعمال المكوس وأخذ الجبايات على قانون متعارف لما في ذلك من المصالح.

وقد أشار في هذا الباب إلى وجوه المعاش حسب ما ذكرها ابن خلدون سواء كانت جباية ومغرما أو كانت اصطيادا أو فلحا أو صناعة أو تجارة كما أشار إلى تقسيم آخر من وجوه المعاش ذكره ابن جزي فى كتابه القوانين الفقهية حيث جعل الكسب نوعين.

النوع الأول كسب بغير عوض وهو أربعة أشياء : الميراث والغنيمة والعطايا وأخذ ما لم يملكه أحد كالحطب والصيد وإحياء الموات.

النوع الثاني كسب يعوض وهو أربعة أشياء أيضا عوض عن مال كالبيع وعوض عن عمل كالإجارة وعوض عن فرج كالصداق وعوض عن جناية كالدية.

تم قال : (ص 44) : «وهذه الأمور كلها تصلح أن تكون في الشرع رزقا للجند سوى الوجه الأول من كلام ابن خلدون والأخير من كلام القوانين لكن قد تتعذر هذه الأوجه في ابتداء الملك لأنها أعمال وهي لابد لما من استعمال وهو لازم له الإمهال. والإمهال يؤدي إلى الاضمحلال والعدم في هذا المعنى فلم يكن حينئذ بد من الوجه المذكور من أخذ المال على قانون متعارف وهو المسمى بالمكس ويباح لأجل المصلحة ويخرج عن معنى المكس ولم يبق له إلا اللقب لأن مصالح المسلمين ليست من المكس في شيء".

وأشار بعد ذلك إلى ما يعتري الدولة من الخراب إذا قلت المصانع أو كثر الرفه والإسراف والجشع والتبذير حسب ما هو معروف في المقدمات التي نبه إليها ابن خلدون ولذلك اضطر إلى الحديث عن العمارة بعد ذلك وهي موضوع الباب الخامس.

الباب الخامس في العمارة
ويقصد به العمران وهو من خصائص الإنسان حيث ميزه الله بكل المؤهلات التي يسعى بها إلى إقرار حضارته وضمان عيشه سواء من حيث استعداده للصناعات أو من حيث اهتمامه بنظام حياته وتنسيق سياسته وإقرار وجوده على أساس من التعاون المشرك والتعايش المطلق والالتزام بالقوانين السياسية والإدارية لحماية مصالحه في الإطار الداخلي وفي المجال الدولي.

ومن البديهي أنه لا يتم عمران إلا بدولة قائمة ولا يتصور وجود دولة إلا بعمران بحيث يوجد التكامل بينهما إلي أبعد المحدود، فإذا وقع الخلل في أحدهما أثر على الآخر.

ومن أسباب اندثار العمران سيطرة الرفاهية على الإنسان وهيمنة الترف عليه، ومن المعلوم أن الفرد حينما يستلذ النعمة تستبد به الشهوات وتستولي عليه الغرائز ويصبح الرزق الذي يملكه قليلا في عينيه فيبحث عن المال من أي طريقة كانت ولو أدى به الأمر إلى ارتكاب المحرمات وحينئذ تنعدم المروءة ويموت الضمير وتتضخم الأنانية ويسود الظلم، وويل للإنسانية من الظلم إذا ساد فيه خراب الأمة وضياع البلاد والعباد ونقل قي هذا الموضوع فقرة من مقدمة ابن خلدون تتحدث عن الظلم وأثره في خراب العمران فقد قال ابن خلدون «لا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه بغير عوض كما هو المشهور بل الظلم أعم من ذلك وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طلبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الضرع فقد ظلمه، فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والمتعدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون من حقوق الناس ظلمة وغصب الأملاك على العموم ظلمة، وويل ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله وأعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع قي تحريم الظلم".

وعليه ففي نقوله هذه ما يبين روحه الإصلاحية التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب وإلى إظهار ما يجب إظهاره من قواعد الدين وقوانين الأخلاق وأصول التدبير السياسي والعسكري مع بيان طبيعة العمران الذي لا يكون له كيان إلا بالعدل والإنصاف.

الباب السادس في العدل
وهذا الباب هو في الواقع نتيجة لما قبله لأنه إذا تحقق العدل انعدم الظلم وعمت الطمأنينة وحرص الناس على البناء وتسارعوا إلى كل أسباب الازدهار واجتهدوا في تحقيق كل صنوف التنمية، واقتبس في كتابه كثيرا من أقوال الحكماء فيما يتعلق بالمنافع التي تعود على الدولة إذا ما انتشر العدل بين الناس فإن الظلم يقلل الرزق ويؤذن بالخراب ويذيع الرعب وينزع الطمأنينة من النفوس ويبعث على القلق والهلع والفزع، ولهذا كان الالتزام بالصدق والنزاهة وعدم إذاية الآخرين من أجل ما يتصف به الحاكمون ومن سار في ركابهم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة وفي الوقت ذاته هو خراب للعمران كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب السابق.

الباب السابع في إصلاح العمال
وهنا ذكر أن الإصلاح موكول إلى العلماء الذين هم أهل المعرفة وأرباب الحل والعقد، فإذا فسد العلماء ضل غيرهم ولا يقع الفساد إلا من إيثارهم للدنيا على الدين، ومن المعلوم أنهم إذا فسدوا انتقل فسادهم إلى الأمراء فإذا فسد الأمراء فسد الناس ولذلك كانت المسؤولية الكبرى في الإصلاح تتصل بهم لأنهم الموجهون العالمون بالحلال والحرام.

ثم تعرض بعد ذلك إلى وجوب الاهتمام بنوعية ما للولاة فعلى الأمراء أن يختاروا من هؤلاء من يكون وفيا صادقا حازما غير منساق للجور أو منقاد للعدوان، فالولاة هم العنوان الذي تتميز به الدولة فإذا جاروا انقلب جورهم عليها وإذا عدلوا كانت عدالتهم أساسا لاستقرارهم وثباتها. ونقل من كتاب الطرطوشي ما يتعلق ببيان الشروط والعهود التي تؤخذ على العمال وهو قوله : «اعلم أرشدك الله أنه يجب أن يولى على الأعمال أهل الحزم والكفاية والصدق والأمانة وتكون التولية للغناء لا للهوى، وملاك الولايات وأساسها ألا يولى الأعمال طالب لها ولا راغب فيها"، كما نقل ما روي عن بزر جمهر وقد قيل له ما بال ملك آل ساسان صار أمره إلى ما صار إليه قال لأنهم قلدوا كبار الأعمال صغار الرجال وعقب على ذلك بقوله والمراد بصغار الرجال الذين لم توجد فيهم الأوصاف المطلوبة.

وبعد تحليله لبعض الجزئيات نقل عن الطرطوشي أيضا ما يأتى : «اعلموا أن معظم ما يدخل على الدولة من  الفساد بتقليد الأعمال أهل الحرص عليها لأنه لا يخطبها إلا لص في ثوب ناسك وذئب في مسلاخ عابد وحريص على جمع الدنيا نابذ لدينه ومروءته يبتغي عرض الحياة الدنيا يتخذ عباد الله خولا وأموالهم دولا وإذا اهتضمت حقوق المسلمين وأكلت أموالهم فسدت نياتهم وقلت طاعتهم فانتقضت الأمور ودب الفساد إلى الممالك، قال المامون :"ما فتق علي فتق إلا وجدت سببه جور العمال".

وهكذا نلاحظ أن المؤلف في هذا الباب كان حريصا على تحديد المسؤولية وتوزيعها توزيعا دقيقا يتدرج به من مسؤولية العلماء إلى مسؤولية الأمراء إلى مسؤولية الموظفين فحمل الأمر الأكبر لذوي العلم والمعرفة بشؤون الدين ثم إلى الأمراء الذين يجب عليهم أن ينقادوا لأقوال العلماء وأن يقتدوا بسلوكهم ثم إلى العمال وحينئذ تزدهر البلاد وتقل الفوضى ويعيش الناس آمنين بعداء عن كل ما يدعو إلى التمرد والعدوان.

الباب الثامن في استقامة الوزراء
وقصد بالاستقامة اتباع الطريقة المحمدية التي تحث على العدل والإنصاف والنزاهة والصدق وعدم إهمال الواجبات ولهذا نقل عن ابن حجر القولة التالية إن الاستقامة درجة عظيمة بها كمال الأمور ومن لم يستقم ضاع سعيه.

أما المراد بالوزراء فقد حاول أن يربط بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ونقل ما يتعلق بذلك من مقدمة ابن خلدون ومن كتاب سراج الملوك كل للطرطوشي والغالب أنه لم يكن يهدف من هذا الباب إلى تحديد كل عمل يقوم به الوزير سواء كان إداريا أو عسكريا، وإنما كان الهدف منه إبراز الشروط التي يجب توفرها في كل من يعين الملك سواء كان يسمى وزيرا أو صاحب رأي أو صاحب سيف.

ومن المعلوم أن الشروط التي تحدث عنها نوعان : شروط صحة وشروط كمال، فأما شروط الصحة فقد جعلها كالشروط المعتد بها في الإمامة وأما شروط الكمال فقد ذكرها حينما تحدث عن هؤلاء الموظفين فقال عنهم (ص 58) ينبغي أن يكونوا على ما وصف به ابن صرحان عمر رضي الله عنه من أنه كان عالما برعيته عادلا في قضيته عاريا من الكفر قبولا للعذر مصون الباب رفيقا بالضيف غير محاب للقوي ولا مجاف للقريب ثم يزاد لصاحب السيف المعرفة بعواقب الأمور من التجربة والمقاساة للشدائد. قالوا مرآة العواقب بيد التجارب وقالوا النظر في العواقب نجاة وقال أبو العلاء المرعي :
ومن خير الليالي علمته     خداع الإلف والفيل المحالا
وقد ورد هذا البيت محرفا في الكتاب فصححناه ليتلائم مع ميزان الوافر.

الباب التاسع في افتقاد الملك رعيته
وقد بين في هذا الباب ما يجب القيام به إزاء كل الموظفين من مراقبة سلوكهم وتتبع أعمالهم لئلا يستأنسوا بالظلم أو ينساقوا إليه وهم آمنون من المتابعة والمراقبة ونقل في هذا الموضوع فقرة من رسالة عبد الحميد الكاتب كما نقل أقوالا من كتاب سراج الملوك وركز الحديث على جزئية من الرسالة التي وجهها الشيخ الحسن اليوسي إلى المولى إسماعيل لما تتضمنه من أصول سياسية واجبة تتعلق بالمال والجهاد والقضاء، فقال عن المال إنه يجب أن يجمع بحق وأن يفرق بحق، وقال عن الجهاد إنه ضروري لإعلاء كلمة الله ولتعمير الشعوب ونشر الأمن بها وذكر عن القضاء أنه يجب أن يبني على العدل وعلى انتصاف المظلوم من الظالم.

وقد أشار المؤلف إلى ما ذكره اليوسي ليكون ذلك تنبيها مباشرا إلى أحوال الرعية في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، وليجعل من تلك الرسالة تذكيرا عمليا يبعث على الحذر وتقصي الأحوال حتى لا يبقى لأي ظالم أو جائر وجود في عهد هذا السلطان العادل.

الباب العاشر في اقتدار الملك على رعيته حتى يملكها ولا تملكه
وقد بناه على ثلاثة فصول
الفصل الأول في معنى الاقتدار وقد ربطه بالعصبية التي لا يستقر حكم إلا على أساسها واستدل على ذلك بآراء ابن خلدون في الموضوع ولم يناقشه هنا فيما يتعلق بشروط الخلافة لأننا قد ذكرنا من قبل أنه لا تناقص بين المؤلف وبين ابن خلدون لأن كلا منهما نظر من زاويته الخاصة وفقا لمقتضيات الأحوال السياسية والاجتماعية التي يعايشها.

وأما الفصل الثاني فقد تحدث فيه عن المقدور عليهم وهم الكفار والبغاة وعن المقدور به من أنواع التأديبات سواء كانت حدودا أو تعزيرات أو حروبا، وقد حرص على تحديد أحكامها الشرعية والبحث عن أيسر الطرق لجمعها في حيز يسهل حفظها واستظهارها واعتمد في ذلك على كثير من أقوال الفقهاء كابن جزي وابن شاس وابن الحاجب وغيرهم.

وقد نقل عن صاحب القوانين الفقهية أنواع الجنايات الموحية للعقوبة وهي القتل والجرح والزنى والقذف وشرب الخمر والسرقة والبغي والحرابة والردة والزندقة وسب الله وسب الأنبياء والملائكة وعمل السحر وترك الصلاة والصيام.

وذكر أن تعداد هذه الأنواع اعتباري فقط لأنه قد يتداخل بعضها مع البعض الآخر ولذلك ارتأى أن يختار في تفصيل الحديث عنها ما سار عليه صاحب اللباب من أن أسبابها ستة وهي الأديان والنفوس والأموال والأنساب والأعراض والعقول.

أما الأديان فيدخل فيها الردة وهي الكفر بعد الإيمان نصا أو ضمنا، والزندقة والسحر وسب الله والملائكة والأنبياء. وعقوبة من ارتكب ذلك القتل على تفصيل وشروط مذكورة في المطولات.
وأما النفوس فنوعان عمدا وخطأ ويدخل فيهما الجرح فأما الجناية على النفس عمدا فعقوبتها القتل إذا حملت وفق شروط معينة وانتفت الموانع، وقد بين ذلك في كتابه وأما الجناية خطأ فعقوبتها الدية والكفارة.

وأما الأموال فيدخل فيها المحارب وهو من يقصد أخذ الأموال على وجه يتعذر معه الاستغاثة عادة كإشهار السلاح والخنق والسكران وقتل الغيلة ويدخل السارق وهو من يأخذ المال من حرز لا ملك له فيه على وجه الحقيقة.

وقد أشار إلى عقوبة كل من المحارب والسارق وفق ما جاء في كتاب الله وحدد ذلك تحديدا فقهيا شاملا لمختلف الأمور والحيثيات.

وأما الأنساب فهي شاملة للزنى واللواط وذكر ما يترتب على ذلك من المفاسد وبين العقوبات الشرعية اللازمة في ذلك.

وأما العقول فعقوبة الجاني عليها ثمانون جلدة للحر بسوط معتدل إن حصلت الشروط الموجبة لذلك.
وأما الأعراض فنوعان.

النوع الأول ما عقوبته الحد وهو القذف.
النوع الثاني ما عقوبته باجتهاد الحاكم وهو أدب واستصلاح وزجر على ذنوب لم يشرع فيه حدود ولا كفارات لمعصية الله أو لحق آدمي.

وبعد ذلك انتقل إلى الفصل الثالث وفيه تحدث عن الترابط المتين الذي يحصل بين الملك والرعية حينما تشعر بحرصه على منفعتها وبسهره على حفظ مصالحها وحماية حقوقها.
وبهذا الفصل انتهى الكتاب الذي كان نموذجا حيا للخطة السياسية التي تقوم على أساسها الدولة، وسجلا حافلا بالقوانين العامة المبنية على أصول من الشريعة لحماية الجيش ولضرورة تمويله وإعداد أجهزته من مختلف وجوه المعاش التي يساهم فيها كل فرد من أفراد المجتمع على قدر طاقته وكفايته.

ولا ريب أن الذي سيطلع عليه سيعلم أنه أمام إنتاج فقهي يعبر تعبيرا حيا عن إحساس المغاربة بالمسؤولية وعن مساهمتهم الكبرى في البحث عن الحلول الإيجابية كلما دهمهم أمر شديد أو حل بهم بأس من قبل أعدائهم.

وقانا الله شر الأعداء وهدانا إلى سبيل الرشاد إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here