islamaumaroc

إلى عرشه نداء الأمس واليوم.

  محمد الخطيب

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

شاءت الظروف أن يمر عام كامل ويحول الحول على مقالي الأخير الذي تكرمت دعوة الحق بنشره بمناسبة عيد العرش المجيد.

وشاءت الظروف هذا العام أن يكون الموضوع الذي أختار لنفس المناسبة هو ما كتبت حوله أو مظهر منك منذ عام مضى، وذلك إظهارا ومشاركة : إظهار لما أكنه وأعتبره جديرا بالاحتفال، ومشاركة للشعب المغربي في فرحته والأمة المغربية يوم عيدها المجيد بتربع صاحب الجلالة على كرسي أسلافه.

واستجابتي لما طولبت بالكتابة حوله من تحرير مقال آخر للمناسبة، أعتبره تزكية لما سبقت مني الإشارة إليه، وتأييدا لما أسلفته في مقالي السابق من خطرات.

وقد أحببت أن أعتبرها كذلك خطرات، وإن كانت في الحقيقة ليست سوى إبراز واقع تجلى فيما كنا عليه، ويتجلى فيما نعمل من أجله ونكافح في سبيله تأكيدا لما يجعل هذه المناسبة عيدا قوميا وطنيا نقيم له من معالم الزينة والفرح ما بطوقنا واستطاعاتنا تعبيرا عن الفرحة وتخليدا لذكرى مناسبتها.

وأعتقد أن ليس في الأمر ما يدعو للريبة والشك حول مصدر الفرحة وموجباتها، إذ هو احتواء كامل لكل سبب يجعل هذا العيد عيدا قوميا ووطنيا.

وإن الوقائع التي تحضرني بهذه المناسبة برغم كونها تاريخا باعتبار توقيتاتها، فإن التاريخ يظل قائما في أذهاننا دون إغفال لا يلزم أن يبقى منه، اعتبارا لكونه انعكاسا على حاضر الأيام وأحداثها وتطوراتها.

وتحضرني في هذه اللحظة وأنا أمسك بالقلم لأكتب هذا المقال، عدة ذكريات تاريخية تؤكد كلها تمسك الشعب بوحدته، ودفاعه عنها لكونها، كانت وستظل وسيلته الوحيدة أو الأولى لإبراز الكيان القومي المغربي في إطاره الحقيقي، وإنها السبب والوسيلة إلى ما كانه المغرب ويريد أن يكونه تمسكا بحقه ودفاعا عن وجوده. وهي كذلك تبرير لهذا الجهد الذي يبذله المغرب والكد لما يسعى وراءه ويعمل لاسترجاعه من حقوقه الضائعة التي يراد استمرار ضياعها واغتصابها.

فالعرش بالنسبة للمغرب كان ولا يزال ذا المقام الأول من الكفاح والجهاد، اعتبارا بكونه الدعم والأساس الذي يقوم عليه الوجود القومي والكيان الوجودي. ولذا كان يوم الجهاد ذا المقام الأول في عمل المكافحين وهو لا يزال كذلك اعتبارا لما أسلفت ذكره وتمسكا بالغاية التي نشأ الكفاح من أجلها ويقوم عليها.

تحضرني كما قلت سابقا عدة جزئيات استوحي منها حسن القصد الذي كان يغمر ويدفع ولا يزال يغمر ويدفع لتمجيد الوحدة والسعي للحفاظ عليها.

إذ قسم اليمين بالنسبة للجيش البخاري الذي تحققت به وتعززت وحدة البلاد في الشمال والغرب أيام المولى إسماعيل، لم تكن ظاهرة تكوينه، والقصد منها غير تعزيز الوجود الكياني لهذا القطر المعتز بنفسه ودينه.

وظاهرة تكوين ذلك الجيش يحتاج شرحها لأكثر من مقال ويتطلب إفراد فصل خاص وكامل لذلك، وإذا لم يكن فالمستطاع التعرض بالتفصيل لما ذكر، فلا أقل من الإثارة إلى أن بداية تكوين الجيش المغربي بقطع عن عدة أسباب أخرى، كان تكوين الجهاز الذي يقوم على عاتقه استيعاد وحدة البلاد وتخليصها من يد الأجانب المحتلين لها.

وكما كان هذا الأمر قائما بالنسبة لماضي الكفاح والجهاد، فقد ظل كذلك بالنسبة للحركة الوطنية في ماضي عملها وحاضره.

إذ في أواسط منة 1955 - ولا أذكر تاريخ اليوم والشهر، استدعى ثلاثة من أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال بعد الإفراج عن اللجنة كلها وخروجها من سجن القنيطرة وانتقال بعض أفرادها لباريس من طرف مسيو ادجار فور، وكان وقتها رئيسا للحكومة الفرنسية، ووجهت الدعوة بالحضور إلى ثلاثة من أعضاء اللجنة الذين كانوا موجودين بباريس هم المرحوم الأستاذ الحاج عمر بن عبد الجليل والأمين العام حاليا لحزب الاستقلال الأستاذ محمد بوستة والكاتب العام للجنة الإدارية للاتحاد الاشتراكي الأستاذ عبد الرحيم بوعبيد.

هؤلاء الثلاثة كانوا أول من علم وسمع من رئيس الحكومة الفرنسية بأن فرنسا يقينا منها بإلحاح المغرب في نيل استقلاله وما ضحى به من أجل ذلك، وسعيا لحقن الدماء التي كانت تراق في الساحات المغربية، قد قررت منح المغرب استقلاله، وانبرى بعد ذلك وقبله مسيو ادجار فور لشرح الدوافع والأسباب التي توجب منح هذا الاستقلال والاعتراف به، وكان رئيس الحكومة الفرنسية يعتقد أنه بموقفه هذا وتعبيره عنه بإسم الحكومة الفرنسية كلها، سوف يسمع ما يثلج صدره، ويجد الاستجابة التامة لما يطلبه ولما كان يعتقد أن يتكرم به من منح المغرب استقلاله. وأنه بذلك يقطع الطريق أمام كل اعتبار آخر، وأنه بذلك الموقف تحفظ لفرنسا كرامتها، ويزكي التدبيرات التي اتخذت من طرق كيوم ضد محمد الخامس وأعضاء عائلته.

إلا أن دهشته كانت عظيمة لما سمع من محاوريه ومخاطبيه بلسان واحد تمسكهم بتردد كلمة الشعب "إلى عرشه".

و"إلى عرشه" كانت كلمة كل الناس وسائر الطبقات المغربية، وقولة كل مغربي مغربي سواء في شمال البلاد أو جنوبها، في شرقها أو غربها، في البوادي والحواضر، وفي الجبال السهول، وبين الصغار والكبار، وعند الشباب والشيوخ، تجسم ذلك جميع الحركات السياسية وغير السياسية كالمقاومة وجيش التحرير الذي تم تكوينه في القاهرة العربية بين المغرب بخط يد زعيمه الأستاذ المرحوم علال الفاسي وعن الجزائر بخط يد السيد أحمد بن بله بإمضاء ممثل من الحزب الحر الدستوري التونسي فالذي أبرم شعبيا وقوميا لم يكن لثلاثة من أفراده أن يتحرروا منه أو أن يقبلوا بما دونه. وإن كان الثلاثة أنفسهم وهم من هم وطنية وغيره وتعلقا بالعرش قد كانوا يومنون كل الإيمان بأن السبيل الأوحد لتحقيق الاستقلال هي عودة الملك "إلى عرشه" ومنح كل مفاتيح القضية لليد التي أقامت كل دليل على أمانتها وأثبتت للملأ أجمح أن عودتها هي الكفيلة بتحقيق ما كان المغرب كله يسعى إليه من استقلال واسترجاع للكرامة والوحدة، وقيادة الأمة لتحقيق الغاية من الجهاد والكفاح.

كان الأمر كما قلت، وتلك هي النتيجة التي تلخصت في الرد الإجماعي من طرف من قر رأي ادجار فور على استدعائهم وعرض الاستقلال عليهم.

لقد دهش ادجار فور وأذهله سماع ما لم يكن يتوقع أن يسمعه بلسان إجماعي من طرف قادة وقمة العمل السياسي بالمغرب والذين كانوا يمثلون حركة كانت أكثر قوة وأوسع انتشارا.
إن اندهاش ادجار فور مما سمعه، وتأكد من صدق ما أدلى به ممثلو حزب الاستقلال الثلاثة، وتمسكهم بالقول "إلى عرشه" وعدم اقتناعهم بما كان قد عرض عليهم هذا الذي جعل الحكومة الفرنسية وعلى رأسها رئيسها إذ ذاك وأوحى إليها فكرة اجتماعات ،"اكس ليبان" والعمل بالسعي الحثيث لعقد تلك الاجتماعات التي كانت في مجملها، وأقول في مجملها لكون فئة من الذين استدعوا للحضور في تلك "الندوات" كانوا يرون غير أي الأكثرية الوطنية التي كانت ترى وجوب التعجيل بالعودة إلى العرش قبل أية مبادرة أخرى.

والذي لا شك فيه ولا مراء حوله، أن موقف الثلاثة كان متمشيا مع واقع الأمر، ومع الموقف الاجتماعي للأمة وعملها بعد حادث اغسطس سنة 1953 سواء كان الإطار للعمل سياسيا أو غير سياسي كالمقاومة وجيش التحرير، فالموقف الذي جعل الثلاثة يفصحون عن رأيهم قد كان نابعا من موقف الحزب نفسه، إذ لم يكن مقبولا أن يرضى الحزب، ولا مصدقا لجهاده وكفاحه أن يقوم بغير ما كانت المقاومة المغربية وجيش التحرير يقومان به ويسعيان إليه من الدعوة الأولى «إلى عرشه » قبل أي شيء آخر.

وأروي للقارئ هذا الحادث كما سمعته، وفي مذكرات من حضر الاجتماع ما يكثف عن حقيقة الأمر وكيفية الاجتماع.

والذي أريده من هذا أن أثبت أن الشمال الذي كان مهدا أولا وأوليا للمقاومة لم يكن يقبل بغير العودة إلى العرش أو أن يرضى أن تجهض المقاومة وأن يتم القضاء على جيش التحرير دون عودة الملك الذي كان رمزا للوحدة والتحرير والضمانة الأولى لتحقيق ما كان المغرب كله يريده ويسعى إليه.

ولو قبل الثلاثة غير ذلك، لكان موقفهم رضوخا للإرادة الفرنسية وانقلب الأمر دون الإرادة الشعبية والتصورات المغربية الاجتماعية، حشاهم ذلك برغم ما أراد ادجار فور أن يصور به خذلانهم إياه وخذلان فرنسا فيما كانت تريده وتبتغيه.

ففرنسا التي تحملت وزر ما أقدمت عليه يوم عشرين اغسطس سنة 1953 كان عليما أن تتحمل نتائج فحشها في التدبير، والنتيجة الوحيدة إذ ذاك كانت عودة الملك لعرشه. وهو المطلب الوحيد للأمة المغربية جمعاء، يقينا منها أن العودة لا بد وأن تكون مصحوبة بكل المطالب الأخرى سواء فيما يخص الاستقلال أو الوحدة، وقد كان محمد الخامس بمثابة ما آمنت به وسعت إليه الأمة جمعاء.

وقد تحققت رؤية الشعب، وما كان المغرب يسعى إليه ويجاهد من أجله، فقد عاد الملك الحبيب إلى عرشه، وجاءت عودته مقرونة بتحقيق الاستقلال ثم الوحدة التي ابتدأت في الشمال بضمه إلى الوطن الأب، ثم طنجة، وبعدهما طرفاية ثم إفني، وانتهى الأمر بضم الصحراء المغربية.

فإذا احتفلنا اليوم بذكرى عيد العرش، فإنما نحتفل بذلك كله، مجسما في الذود عن حياض البلاد وتحقيق كرامتها، برغم ما تكلفه الصحراء من أتعاب وما أثير من مضاعفات جانبية.

فتحقيق الوحدة الكاملة الشاملة، ان هي مطلب من مطالب الشعب، فهي غاية من غايات العرش الذي يلزم أن نزيد في الالتفاف حوله وفي تأييده، إبقاء واستمرارا لمعالم الوحدة التي تضم الشمال إلى الجنوب والشرق إلى الغرب، وتجمع سائر العناصر المكونة للإنسية المغربية.

ولن يفوتني بهذه المناسبة السعيدة أن أذكر بأمرين لهما الأثر الكبير على المسيرة التي قطعنا أشواطا منها وسنقطع أخرى بفضل العرش والتفافنا حوله.

فقرار المولى إسماعيل بالاعتماد على الجيش وجعل صيغة القسم على "البخاري" من شيمة ذلك الجيش وصفاته في الوقت الذي كان قسما بالولاء له، كان قسما للسير وراء الغاية والقصد المكين الذي هو تحقيق الوحدة وانتشال الأجزاء المغتصبة منه شمالا وغربا من مخالب الاستعمار الأجنبي البريطاني والبرتغالي والإسباني.

وقد جاء من بعد المولى إسماعيل من كان وجوده على رأس العائلة المغربية ومن موقع كرسي العرش، أداء للرسالة الأولى التي هي وحدة البلاد والتمكين لمستقبلها.

فاستر القسم وأخذ تعميمه لا يشمل الجيش وحده، بل يعم كل ذي مسؤولية في البلاد سواء كان وزيرا أم سفيرا أم عاملا.

وإن وزراء صاحب الجلالة وعماله وسفراءه ، هؤلاء وبمعيتهم الجيش المغربي يقسمون يمين الولاء للعرش بوصفه الأمين المؤتمن على وحدة البلاد للسير في ركاب الأمة جمعاء التي ترى في العرش رمز وجودها ووحدتها.

وإن احتفالنا بهذا اليوم الخالد معناه التمسك باستمرارية الوجود القائم على وحدة البلاد والتمسك بشرعيتها وتقدير مصلحتها، ويتجلى هذا في سلوك الذين وضعوا في مكانات المسؤولية .

فالدفاع عن العرش برغم أنه كان دفاعا عن محمد الخامس وإقامة الدلائل على التمسك به وشخصه قد كان في نفس الوقت دفاعا عن العرش والتمسك به كنظام وأسلوب في الحياة.
ولن أمل من تكرار ما سبق أن أعربت عنه غير ما مرة خاصة في مقال السنة الفارطة من كون إقامة هذه الذكرى والاحتفال بها، عربونا من الشعب على اعتزازه بهذا اليوم السعيد وبالتالي في اعتزاز بنفسه.

إن المغرب إذ يحيى في يوم ثالث مارس ذكرى تربع صاحب الجلالة على كرسي العرش المغربي، فهذا إلى جانب ما يعني الأمر من تقديره والتفافه حول العرش، يبدى اعتزازه بنفسه، ويقيم للوحدة زينة تكريما لها وتقديرا لنتائجها.

فالشمال كان دوما شمالا، وسيظل كذلك برغم كل العاديات عليه، مثلما أن الجنوب سيبقى جنوبا والشرق شرقا كما أن الغرب سيبقى غربا، إلا أن الجامع بين هذه الأطراف كلها وبين الفئات والعناصر المختلفة، هو هذا الرمز الذي نحتفل به هذه الأيام الغراء، وما نبديه خلالها من فرصة ففي الوقت الذي نحتفل فيه بيوم ثالث مارس، نقيم الدليل على أننا نعي حقيقة الرمز الذي ترمز إليه وبذلك تتضاعف المناسبات ويبدو في الأفق أننا أمة كاملة في جميع مقوماتها ومدلولاتها.

هذه جملة حقائق يلزم الكشف عنها، والتذكير بها في أية مناسبة، وإذا كان ذلك واجبا مفروضا فيها، فإنها اليوم جديرة أكثر من أي وقت آخر بالكشف عنها والتذكير بها، وتعميق الوعي بمدى قوتها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here