islamaumaroc

السلطان المولى محمد بن عبد الله ومآثره الخالدة

  أحمد ابن شقرون

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

شاهد المغرب منذ عهد بعيد مشاهد مختلفة، وعاش الكثير من التطورات المتنوعة، وكثيرا ما اشرأبت إليه الأعناق، وتوجهت إليه الأطماع، لما حباه الله به من موقع جغرافي رفيع، ومناخ جميل، وأرض معطاء\ ومناظر خلابة، ومياه عذبة مناسبة.

وكم مثلت على مسرح حياته من روايات، وكم جرت على أرضه من معارك يصمد أمامها صمود الشم من الجبال.

وبينما هو يشكو تمزقا وانحلالا، وتفرقا وانقساما، إذ هبت نسمات طيبة من المشرق، وبالضبط من –ينبوع النخل – تحمل بين جوانبها الأمن والأمان، والهدوء والاطمئنان، والبشر والسعادة، والرقي والازدهار، وبين عشية وضحاها طلع نجم الدولة العلوية الشريفة في سماء – سجلماسة – وما أدراك ما سجلماسة، أول بلد بالمغرب تشرف ببيعة أول ملك من ملوكها، حيث تيمن المغاربة بهذا البيت النبوي ومالت إليه القلوب، والتمس الجميع فيه الخير والرحمة والاستظلال تحت ظله الوريف.

فمنذ اعتلى أو ملك من ملوكها عرش المغرب أحس الناس بالهدوء والاطمئنان، إذ توجهت همة العرش أولا إلى القضاء على الفتن والاضطرابات سواء من الداخل أو الخارج، ونظمت الأمور تنظيما محكما حتى أمكن للمغرب أن يظهر بمظهر الدولة القوية الصامدة أمام كل التحديات.

وإذا كان ملوك هذه الدولة المقدسون لم يأل كل منهم جهدا في سبيل إسعاد المغرب والدفاع عن جوزته، فإننا نقصر حديثنا اليوم على المولى سيدي محمد بن عبد الله لأنه علم من أعلامها، ورائد كبير من روادها، ومصلح كبير من مصلحيها، وعالم مطلع من علمائها، وبطل عظيم من أبطالها، مجدد الدولة بعد جده إسماعيل العظيم، ونافخ روح النهضة العلمية والإصلاحية والفكرية، ومحيي الآثار الإسماعيلية، ومعيد بهجتها.

فلنستعرض مواهبه الخلاقة في الاضطلاع بمهمة الملك ومبلغ استعداده للقيام بشؤون الدولة عظيمة كالمغرب.

فهو الذي جدد تنظيم الجيش، وعاود ترتيب الأسطول المهم، وحصن كثيرا من الثغور، وجدد العلائق التي كانت بين جده إسماعيل وبين الدول وأنشأ روابط أخرى مع غيرها.

فقد كانت له روابط إخائية وعلائق ودادية خاصة مع بعض ملوك الدولة العثمانية بحيث كان يبعث لهم الأموال الكثيرة والأعتدة الحربية الممتازة إعانة منه لدولتهم عدا ما كان يصرفه في افتكاك ممن أسراهم وإنقاذهم بذلك من ربقة الأسر، ومذلة الاغتراب والقهر، على أن افتكاكه للأسارى لم يكن يخص به الأتراك وحدهم، بل كان يبذل الأموال بغير حساب في افتكاك العديد من الأسرى من مختلف الأقطار الإسلامية الذين كانت القرصنة الأوربية تهاجمهم وتسترقهم استرقاقا ومن شدة اهتمامه بافتكاك الأسرى نظم عدة سفارات كانت نتائجها النجاح الكامل.

ففي سنة 1179 هـ وجه كاتبه أحمد بن المهدي الغزال سفيرا لدى ملك إسبانيا – كارلوس 2 – وكلفه بالنظر في شون الأسارى المسلمين الموحدين هناك ودفع المعونة إليهم، فكان يجوب البلاد طولا وعرضا باحثا منقبا عنهم وقد استجابت الحكومة الإسبانية على جميع مطالبه بما فيها تسريح الشيوخ والمصابين بأعضائهم من أي بلد كانوا وهذا العمل كان يقابل في سائر البلاد الإسبانية بكامل الاحتفاء والإكرام، كما سجل ذلك الغزال في رحلته، وفي سنة 1182 هـ بعض ملك إسبانيا يلتمس من حضرته التوسط مع الجزائر لتبادل الأسرى، فأرسل أيضا كاتبه الغزال ليقوم بالمهمة الأولى ويتولى الأمر بنفسه واستمر جو العلائق صافيا بين المغرب وإسباينا إلى أن وقع حصار سبتة سنة 1185 هـ غير أن تلك الغيوم ما لبثت أن انجلت بسرعة وعاد الأمر لما كان عليه.

وفي سنة 1193 هـ بعض المولى سيدي محمد بن عبد الله سفيرا آخر إلى المملكة الإسبانية هو محمد بن عثمان المكناسي ليجدد الصلح مع إسبانيا بمعاهدة جديدة، اشترط فيها ملك إسبانيا أن يعقد السلطان سيدي محمد بن عبد الله صلحا مع ولده ملك – نابولي -.

وقد توجه محمد بن عثمان المكناسي سفيرا إلى ملك – نابولي – فرناند الرابع، وبعد أن افتدى بعض الأسارى وأبرم الصلح ورجع جمع هذه السفارة في مكتبه – البدر السافر-.

وفي سنة 1199 هـ التمس ملك إسبانيا التوسط له في افتداء أميرة من البيت الملكي الإسباني أسرها قرصان الجزائر أثناء ذهابها لنابولي وامتنعوا من فدائها فكتب المولى سيدي محمد بن عبد الله للسلطان عبد الحميد التركي فأمر أهل الجزائر بإطلاق سراحها، إلى غير ذلك من افتكاكات مختلف الأسرى، على أن للسلطان سيدي محمد بن عبد الله روابط سياسية أخرى مع غير الدول المذكورة.

فهناك معاهدة معه دولة – السويد – بواسطة نائبها المفوض الذي وجهته لطلب المهادنة وهي تشتمل على ثلاثة وعشرين شرطا.

وهناك معاهدة مع ملك الدنمارك – كريستيان السابع - تشتمل على واحد وعشرين شرطا.

كما عقد معاهدة مع – انكلترا – في عهد ملكها جورج الثاني، وقد كانت سفارته التي يوجهها إلى الخارج تقابل في البلاد التي توجه إليها بكل إجلال واحترام، سواء من جانب الدوائر الحكومية أو من جهة الأمم والشعوب التي حلت بين أظهرها، وكانت تجري لها المراسم والقواعد المتبعة – ديبلوماسيا – في سفارات الدول بعضها لبعض فتتلقى بتحيات المدافع وتنزل ضيفا على الحكومة في أفخم دورها وقصورها، وتذهب وتجيء في حراسة الجنود.

أما عن أعماله الدفاعية ومواقفه الطويلة فالتاريخ شاهد عدل، فهو لا ينسى له إنقاذ مدينة (البريجة) الجديدة من يد البرتغال الذي مكان مستوليا عليها سنة 1182 هـ حيث أتم بذلك عمل جده مولاي إسماعيل في إجلاء المحتلين لمراسي المغرب، وقد جاءت رسل البرتغالي حاملة إلى حضرته الهدايا الفاخرة طالبة منه الصلح والهدنة.

وحاول استرجاع مدينتي سبتة ومليلية.
وقام بتحصين آسفي وغيرها من الثغور البحرية التي كان المغرب يوتى من قبلها، ثم بنى مدينة الصويرة، وفضالة – المحمدية –وجدد مدينة (آنفا) الدار البيضاء.
وفي هذه الفترة كانت السفن المغربية تجول فوق متن البحار تشق عباب الاطلنطيكي والمتوسط ويتردد أسطولها بين أكناف تلك البحار، ويجوس خلال الثغور الأجنبية فيقتنص مراكب الأجانب الذين لا مهادنة مقررة معهم، وكانت تلك الدول تخشى عواقب هذا الجولان وتود اجتنابها، فكانت تخطب وده، وتسعى في مهادنته ومسالمته، فيهادنها ويسالمها، على ما كان يقع من بعضها من الوقائع البحرية، والمظاهر العدائية.
أما سيدي محمد بن عبد الله – العالم – فيحدثنا التاريخ أنه – رحمه الله – كان قبل ولايته الملك، له اعتناء زائد بمطالعة كتب الأدب والتاريخ والسياسة وأحوال العرب وأيامها، ووقائعها وأنسابها حتى فاق في ذلك معاصريه وصار المرجوع إليه فيه، وقد ذكر أبو القاسم الزياني وغيره ممن عاصره وخالطه : أنه كان يستحضر كل ما يطالعه حتى كاد أن يحفظ كتاب الأغاني برمته لا يعزب عنه منه إلا النادر.

ولما تولى الملك أكب على مطالعة كتب السنة وولع بسرد كتب السيرة والحديث وزهد في غيرها فحصلت له بذلك ملكة في السنة وأحكامها وجلب من المشرق كتبا كثيرة في الحديث لم تكن موجودة بالمغرب إذ ذاك كمسند الإمام أحمد بن حنبل ومستندي أبي حنيفة والشافعي وغير ذلك من مهم المتون والشروح، وأصدر أوامره للعلماء بشرح مؤلف الإمام الصغاني في الحديث فكان ممن قام بذلك من العلماء الشيخ التاودي بن سودة رحمه الله وكثيرا ما كان يجالس العلماء ويذاكرهم في الحديث والفقه والأدب وأيام العرب وينوه بهم مع ما كان يحصل له من النشاط بتبادل الآراء معهم ويبين عن باع في العلوم طويل.

وكانت عنده أوقات خاصة بسرد كتب الأحاديث مع علماء كبار اختارهم لمجالسته ومسامرته، وفي غالب الأحيان يتعرض في مذاكرته معهم إلى طرح مشكلات في الحديث أو في السيرة أو العلوم العربية، فيفض بفكره الثاقب عويصها، ويحل مشكلها وله من التآليف ما يلي :
1 – الفتوحات الإلاهية، في أحاديث خير البرية، التي تشفي به القلوب الصدية، جمع فيه ما اتفق عليه الأئمة الستة، 1) مالك – 2) أبو حنيفة – 3) الشافعي – 4) أحمد بن حنبل – 5) البخاري، 6) مسلم .
2 – الجامع الصحيح الأسانيد، المستخرج من ستة مسانيد.
3 – مواهب المنان، بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان.
4 – رسالة في منهج التعليم.
5 – رسائل في اختياراته المذهبية.

وقد أوقف رحمه الله، المساند على الخزائن الإسلامية في شرق البلاد وغربها ورتب لقراءتها وتدريسها كثيرا من الأوقاف كان يتسلمها العلماء المختارون لتدريسها بفاس والرباط وغيرها.
كما عني – رحمه الله – عناية كبرى بالتعليم وتنظيمه فدعا إلى نبد المختصرات التي لا تفيد القارئ بقدر ما يتعب في تفهمها وإدراكها، وقد بلغ من اهتمامه بالثقافة والتعليم أن اقتنى نفائس المؤلفات ووزعها على خزائن المعاهد العلمية.

وفي ميدان  العدالة، اهتم بتنظيم العدلية تنظيما محكما، بحيث كان من حين لآخر، يصدر ظهيرا شريفا مشتملا على عدة فصول يذكر فيها القضاء بواجباتهم، ويلزمهم باتباع المناهج الشريعية الواضحة التي لا التواء فيها ولا تعقيد، ويحذرهم من أن ينساقوا مع الفتاوي التي تشعب القضايا ويذهب معها حق المظلومين، ويوصي بالأيتام المهملين، ويأمر بطرد الوكلاء المحامين الذين يثبت عنهم القيام بالتشعيب في الدعاوي وأكل أموال الناس بالباطل.

أما أعماله البنائية في المساجد والمدارس والمعاهد، فكثيرة جدا قد عد صاحب كتاب الاستقصا وحده نحوا من ثمانية وخمسين، ما بين مسجد ومدرسة.

وبعد : فشخصية سيدي محمد بن عبد الله كسلطان عالم مثقف واع متفتح الذهن مطلع مصلح غيور، رائد بطل مقدام خبير بشؤون الحياة عارف بالطبائع وتفاعلاتها، لجدير بأن تخص حياته وعبقريته بتأليف.
ومما مدح به من الشعر أرجوزة الأديب البليغ أبي العباس أحمد الونان المعروفة بالشمقمقية التي مطلعها :
مهلا على رسلك حادى الاينق
ولا تكلفها بما لم تطق
قال في الاستقصا : وهذه الأرجوزة مشهورة بين الناس، وهي من الشعر الفائق، والنظم الرائق، أبان منشئها عن باع طويل، واطلاع غزير، على أخبار العرب وأيامها وحكمها وأمثالها، حيث أن من حفظها وعرف مقاصدها أغنته عن غيرها من كتب الأدب.

وقد شرحها الكثير من العلماء، ومنهم العلامة أبو العباس الناصري ملف كتاب : - الاستقصا – لأخبار دول المغرب الأقصى.

فرحمه الله ورضي عنه، وأثابه على ما قام به من جهاد في سبيل الله والدين والعلم والوطن وبارك مسيرة أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني الزاخرة بالمبرات والعظائم، والله ولي التوفيق .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here