islamaumaroc

العهد الحسني والتحدي الشامخ.

  عثمان ابن خضراء

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

يحتفل الشعب المغربي بذكرى جلوس صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين .. فيحتفل بالعهد الذي لا ينتفض والوفاء الذي لا ينفصم والحب الذي لا يتضاءل والاستبشار الذي لا يبرح والمسرة بما كان والثقة بما سيكون، والاعتزاز بما يوضع من خطط ويمارس من أعمال.

ثلاثة وعشرون سنة مليئة بجلائل الأعمال وصور التحدي الشامخ.. فمن تأسيس كتلة الدار البيضاء لاستكمال تحرير إفريقيا.. إلى معركة التنمية والمليون هكتار.. ومن معارك الحدود في سنة 1963 إلى حرب يونيه 1967.. إلى مؤتمر القمة الإسلامي الأول.. ومن المؤتمر الإفريقي الذي انبثق عنه ما يعرف في السياسة الدولية بـ "روح الرباط" إلى حرب رمضان على الجبهتين المصرية والسورية. ومن معركة التحرير والوحدة المتوجة بالمسيرة الخضراء المظفرة إلى مقاومة مؤامرات الخيانة والغدر.. واسترجاع إقليم واد الذهب.. ومن تدعيم الوحدة الوطنية باقتران الإرادة في تطوير أدوات وهياكل الحوار الديمقراطي بالسعي المخلص إلى تثبيت السيادة الوطنية وجعلها في مأمن تام من التحرشات والمضايقات التي تأتي من الخارج، وحيث يرتبط حشد العزائم وتقوية الهمم الوطنية .. على تقوية الاقتصاد الوطني والاهتمام بالتصنيع.

وعمل الحسن الثاني في كل ذلك يتميز بالتضحية والجدية والفطنة والذكاء وحب الصالح العام، وهي العوامل التي جعلته يحيا بحياة أمته ويسعد بسعادتها، ولا عجب، فعروس ملوكنا كانت ولا تزال قلوب شعوبهم، وأن تيجان ملوكنا أعمالهم ومنجزاتهم، وأن صولجانهم أفكارهم وتوجيهاتهم.

فالعرش المغربي من أول تأسيسه كان تصحيحا للأوضاع، والتزاما بحمل مشعل رسالة الإسلام، وقد استطاع أن يقف في وجه كل الأعاصير منذ المولى إدريس الأول رضي الله عنه إلى جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله أن من يدرس طبيعة العرش المغربي وحقيقته منذ إنشائه يجد أكثر القائمين على هاته العروش الجالسين عليها كانوا نخبة أعدهم آباؤهم أحسن عدة ليكونوا جديرين بقيادة أمتهم وزعامتها، ويكونونهم تكوينا شعبيا ويربونهم تربية قاسية ليكونوا أهلا لقيادة شعوبهم، ففي حياة الملك المغربي الخاصة يكون دائما محفوفا بالعلماء والحكماء ورجال الشورى، وهمته تحقيق المآثر بالعمل المتواصل لبناء التاريخ وإرساء قواعده ومناراته لخير الأجيال المغربية ولخير الحضارة الإنسانية التي كان المغرب دائما ركنا قويا من أركان انبعاثها وإشراقها وانتشارها، ثلاثة وعشرون سنة.. وفي كل سنة يستمع الشعب المغربي بقلبه وفكره إلى مليكه، وقائده، وزعيمه، جلاله الملك الحسن الثاني المعظم وهو ينشر صفحات الأمجاد.. ويقرأ من كتاب المنجزات والانتصارات، ويعيد من صحف المواقف والنضال والصمود والمآثر مما يثلج صدره وصدر شعبه، ويلقى جلالته الأضواء على طريق الغد وما يتطلبه العمل من أجل المستقبل محددا الأهداف مستعرضا الوسائل باسطا في أفق الأمل نور الثقة والإرادة، داعيا شعبه إلى الصراط المستقيم والمحجة البيضاء التي كانت سبيلا في ظلمات الأمل أيام الكفاح التحرري.

نعم.. فعيد العرش 1984 يحل بنا ونحن نخوض أوج معركة نضجت أفكارها، ووضحت أهدافها وتيسرت طريق الوصول إلى مبتغاها والمرتجى منها، هناك معركة التنمية الفلاحية والاقتصادية والصناعية، معركة التقدم الاجتماعي، معركة العدالة الاجتماعية معركة الحرية، الحرية الحقيقية التي تنعكس في حياة الإنسان فكرا وعاطفة، ومادة.. والتي تدخل حياة الإنسان فتقتحم بيته وطرق حياته وأسلوب تفكيره فتبسط بين يديه ردائها خيرا ونعمة ورفاهية.. خبزا، وبيتا، ومدرسة، ومستشفى، وعدالة، ينعم بهذا كله تحت مساء بلاده الحرة، وفي مجتمع متماسك تتحكم فيه نوازع الخير والفضيلة.

إن عهد الحسن الثاني حافل بالعطاء والبطولات والأمجاد... مليء بجلائل الأعمال ودلائل التوفيق. وإن الحماس الوطني، والإيمان الصادق لهو الحافز الذي يحرك أبناء المغرب قاطبة لتحقيق المزيد من المكاسب والكثير من الانتصارات ثم ما حدث أثناء المسيرة الخضراء المظفرة حيث تحول المغاربة إلى شخص واحد يحس بنفس الإحساس ويعيش نفس الموقف وتوجت باسترجاع الصحراء المغربية إلى حظيرة المملكة بفضل كفاح ملك شهم وشعب بطل.. وذلك بالرغم من الروح القبلية التي كان الاستعمار وأذنابه يذكونها من بعده... لأن سكان الصحراء كانوا يعتبرون مستقبلهم في الانضمام إلى باقي تراب المغرب المحرر بترابطهم به روحيا وتاريخيا.

وهب أبناء الصحراء من كل فج عميق لتأكيد الولاء وتجديد الطاعة والبيعة لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني... ورفعت أعلام النصر مرفرفة فوق ربوع الصحراء رغم كيد الكائدين.. وستبقى خفاقة، منيعة وإن تآمر الحساد والمضلون الذين وقفنا بجانبهم أيام الشدة فكانوا من أول المتنكرين لنا والناقمين علينا..

والتاريخ أصدق شاهد.. فقد سجل بسطور من ذهب كفاح الملوك العلويين والشعب المغربي من أجل :
وحدة التراب عموما والصحراء على الخصوص الشيء الذي أكدته الوثائق والمستندات الوطنية والأجنبية فقد وصل إلى تخوم الصحراء بالسينغال السلطان العلوي مولاي إسماعيل وصاهر أهل شنقيط حيث عقد على الملكة خناثة بنت الشيخ بكر المغافري، هذا البيت المشهور بالصلاح والاستقامة.

ورحل السلطان مولاي الحسن الأول بدوره إلى تخوم شنقيط وتوغل فيها إلى أن نزلت جيوشه بالساقية الحمراء متفقدا أحوال الرعية.

وكان السلطان مولاي عبد العزيز قد أرسل وفدا إلى شنقيط لينصب بعض الموظفين ويسلم لهم ظهائر تعيينهم ويتفقد الأحوال ويصلح من شأنها فقصدت هذه البعثة مدينة "السمارة" بالساقية الحمراء واجتمعت بالشيخ ماء العينين وأدت مهمتها أحسن أداء.

هذا، وإن من جملة الوثائق التاريخية التي أدلى بها المغرب حول مغربية الصحراء أنه في سنة 1911 عندما تمت المعاهدة الفرنسية في شأن المغرب وضعت خريطة لتحديد البلاد المغربية فكانت تحد الجزائر وإفريقيا الوسطى بالسنغال، وتوجد الصحراء المغربية داخلة في هذه الحدود.. وقد عمدت فرنسا إلى إدماج الصحراء المغربية في إفريقيا الغربية سنة 1920 بدون استشارة الدولة المغربية وملكها مما جعل هذا الأمر ملغى ومناقضا للقوانين الدولية.

واستطاع الشعب المغربي بفضل كفاح طويل بقيادة ملكه المنعم محمد الخامس ونجله الملك العبقري الحسن الثاني من تحرير جزء من الأراضي المغربية سنة 1956.

وقد آثر المغرب وهو يوقع وثيقة الاستقلال على أن يحتفظ فيها يخص الأجزاء غير المحررة منه، ويسجل حقه الكامل في تحريرها واستعادتها إلى حظيرة الوطن المحرر، وواصل الكفاح بعد ذلك فاسترجع طرفاية المجاورة لصحراء المغربية سنة 1958 بعد مفاوضات مباشرة مع إسبانيا ثم بعد عشر سنوات من مفاوضات مضنية مع إسبانيا استعاد المغرب منطقة إيفني في سنة 1969.

وأخيرا جاء دور الساقية الحمراء... واهتم الرأي العام الدولي بالمواقف البطولية والدهاء السياسي والخبرة القانونية التي استعملها الملك الحسن الثاني لمعاجلة هذه القضية سواء مع إسبانيا أو هيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، وأثبت حفظه الله تعالى مغربية الصحراء تاريخيا وسياسيا واجتماعيا ودينيا وقانونيا،  فاعترف الجميع بمشروعية مطالب المغرب في الوحدة الترابية وتحرير الأراضي من المحتل الأجنبي رغم مناورات الذين يحلو لهم الاصطياد في الماء العكر والمتشبعين بمبادئ الاستعمار.

ثم قرر الملك العبقري القيام بمسيرة سلمية والدخول إلى الصحراء في موكب سلام، وأيدت جل دول العالم، وفي مقدمتها الدول العربية والإسلامية موقفنا مباركين هذه المسيرة الشعبية، وهذا الزحف المقدس، الشيء الذي دفع بالحكومة الإسبانية إلى التفاهم مع المغرب والاستجابة لإرادة الشعب وملكه، ورفعت الأعلام المغربية مرفرفة على ربوع الصحراء... وتعالت هتافات الغبطة والنصر والحب والولاء تغمر أرجاء الوطن، وهب أبناء الصحراء من كل فج عميق لتأكيد الولاء وتجديد الطاعة والبيعة لجلالة الملك... وتحقق العالم مرة أخرى من شعبية الحسن الثاني ومن مغربية أهل الصحراء الذين رفضوا رفضا مطلقا كل محاولة لتزييف واقعهم ومحاولة فصلهم عن تاريخ أجدادهم.

وجاء انسحاب موريطانيا من ملف الصحراء الغربية ليؤكد الحقيقة الواضحة التي تتجلى في كون المغرب هو الطرف المعني أولا وأخيرا.. وخرجت مدينة الداخلة برجالها ونسائها وشبابها وأطفالها إلى الشوارع هاتفة بمغربيتها ورافعة للعلم المغربي وللشعارات التي تؤكد صدق الولاء.

فكان يوم 17 رمضان 1399 موافق 11 غشت 1979 عيدا بالنسبة لسكان المنطقة ودعوة للحكومة المغربية إلى بسط السيادة الوطنية على إقليم وادي الذهب، وكان تتويج الانتفاضة الشعبية الرائع في الداخلة هو إيفاد فوج من سكان الإقليم المحرر لتمثيل السكان في تجديد البيعة إلى جلالة الملك الحسن الثاني طبقا للتقاليد المرعية وتأكيدا لتمسك السلطان بالوحدة.

وبعد استكمال الوحدة الترابية ها هو :
المغرب = ملكا.. وحكومة ... وشعبا.
يبذل جهدا كبيرا وتضحيات غالية لاستعادة عظمة البلاد بعد تحقيق الوحدة، وقد هيأ جلالة الملك بتعاون مع حكومته الرشيدة البرامج الواسعة والدراسات الجوهرية للعناية بالصحراء اقتصاديا واجتماعيا ودينيا، وستصبح جنة خضراء بإذن الله تعالى وحسن عونه، وكل من تجول اليوم بربوع الصحراء المغربية من المواطنين والأجانب تأخذه الدهشة للتطور السريع الذي تجلى للعيان في جميع الميادين وفي هذه المدة الوجيزة.

فالمعركة مستمرة من أجل عظمة المغرب.. وهي كما يريدها الحسن الثاني عمال مستمر للتجديد، للتلقيح، للإنتاج، لأنه عمل كل شهر كل سنة، كل جيل..

فهي معركة إيمان في القلب وفي التفكير والإبداع والإنتاج.. والمغاربة الذين فتحوا وطبعوا دولا أخرى بالطابع المغربي لن يقبلوا التنكر لأصالتهم ولن يستوردوا أنظمة غربية لأن مجتمعهم يرفضها.. فليطمئن الحاقدون والحاسدون فالشعب المغربي المسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

والأمة التي يقودها ملوك من طراز الحسن الثاني تستطيع حقا الاستفادة من تضامنها وقوتها ووحدة أبنائها لتشق طريقها نحو العظمة والبناء والازدهار، وعيد العرش كان دائما يرمز إلى هذه المعاني، ويجسد تجاوب الملك المسلم والشعب المؤمن وإلتحامها في معارك النضال والكفاح في جميع فترات تاريخ بلادنا، فبلادنا تدفع عجلة التقدم إلى الأمام.. والشعب يعطي كامل قدرته في الإنتاج والحجم الكلي للإنتاج يعطيه كل مواطن ويقدمه من مجهوده ومن بذل ومن كفاح استجابة لنداء ملكه العبقري الملهم واستجابة لنداء التاريخ والأجيال.
فالحسن الثاني سليل العزة النبوية الشريفة يعتبر من المجددين لمعالم الإسلام في هذا القرن.. إذ ما خلا قرن من القرون من قيام داعية يدعو إلى الله تعالى على هدى وبصيرة ويحيي بأقواله وأعماله ما يكاد يندرس من معالم هذا الدين... وقد شرح أمير المومنين في رسالته السامية الموجهة للأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس الهجري:

فضائل ومميزات الدين الإسلامي
والذي يعتبر دين العلم والحرية والكرامة والوفاء بالعهود، لقد أرسى المسلمون حضارتهم العظيمة على مبادئ العلم والمعرفة فأثروا الفكر الإنساني في مختلف المجالات، وأغنوا العقل البشري بفتوحات فكرية وعلمية واسعة، وتحدث جلالته في رسالته التاريخية عن الأمة الوسط التي هي الأمة التي ترتكز كل مظاهر حياتها على تحقيق التوازن حيث لا إفراط ولا تفريط، وإنما الانسجام والتكامل والألفة والتوفيق بين الدين والدنيا، باعتبار أن العقيدة السمحاء تنظم تلك العلاقة الشمولية التي تخلق ذلك الانسجام المتواصل والذي يجعل من الالتزام العقائدي على مستوى العبادات التزاما دنيويا في نفس الوقت، بالنظر لجوهر تلك العبادات ودلالاتها الروحية وانعكاساتها العملية على السلوك والتعامل.

ويعتمد جلالة الملك الحسن الثاني في رسم طريق الفلاح بالدعوة للعودة إلى ينبوع العقيدة الإسلامية كدين ومنهج وسلوك ينظم العلاقات داخل المجتمع الإسلامي ويركز على مبدأ العلاقات بالنسبة للفرد والجماعة وبالنسبة للراعي وأفراد الرعية، بحيث تخص الجميع ولا يستثنى أحد – ومن هذا المنطلق فإن الدعوة الرائدة لأمير المومنين بمواصلة الدور الحضاري للأسلاف تعني استيعاب المضمون الروحي للعقيدة الإسلامية وترسيخ المضمون الفكري.. والسياسي والاقتصادي للإسلام..

وإن توجيه هذه الرسالة التاريخية لأمة الإسلام نابع أساسا من الالتزام بروح العقيدة السمحاء.
نعم.. إن الخطة التي يسير عليها الحسن الثاني تتسم بسمة الخلق والإبداع، وتقوم على استيفاء المناهج والأساليب المتولدة على الدراسة المحكمة والاستيعاب الرزين لتجنب مواطن الزلل والزيغ وتسلم المشاريع من مغبات الاختلال والارتجال.

هذا وإذا كان العصر الذي نعيش فيه يتميز بتقدم العلم وطغيان المادة، مثلما يتميز بظهور عدد من المذاهب والتيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن أرشد الحكومات في نظر الملك المسلم الحسن الثاني هي تلك التي عرفت كيف تحسن الاختيار وسط الآراء والنظريات المختلفة وتخط للشعب المسلم سياسة مستمدة من حقائقه الدينية وشخصيته الاجتماعية مرتكزة على مقوماته ملبية لعبقريته واحتياجاته سواء فيما يخصه كشعب له مميزاته أو فيما ينوبه كعضو مسؤول في الأسرة الإنسانية الكبرى.

وأمام هذه التيارات المختلفة فإن جلالته يرى أن الشعب المغربي المسلم يجد نظاما اقتصاديا واجتماعيا في كتاب الله العظيم الذي يقول :
"وكذلك جعلناكم أمة وسطا" فنكون تلمك الأمة الوسط التي ليست بالرأسمالية ذات النظام الأهوج التي لا تترك حرية لأي ضعيف.. ولا بالاشتراكية التي دلت الأرقام والحوادث على أن نظرياتها يمكن أن تكون أخطر من تطبيقها.. نريد أن نكون تلك الأمة التي يمكنها أن توفق بين النظامين، وذلك بأن تعطي لكل الميادين مدلولها ومفهومها، ففرق جلالته بين الميادين الني يجب أن تبتعد منها الدولة، وأن تبقى تلك الميادين في قبضة المبادرات الحرة.

أما ميادين التأميم، فباختصار كل ما يجعل للدولة سلطات على القطاعات الإستراتيجية للإقلاع الاقتصادي وللاستثمار في النمو.. مثل الطاقة.. والصناعة الثقيلة.. والمواصلات بجميع أنواعها.. والقروض، ووسائل القروض ودور القروض ذات الصبغة الاقتصادية المنتجة.. والخيرات الباطنية برا كانت أم بحرا.. هذه القطاعات الإستراتيجية ذات الطاقة مائية كانت أم كهربائية أو نووية إن شاء الله تعالى .. أو معدنية أو مالية.
وهناك ميادين أخرى وهي ميادين المبادرات الخاصة، وهي كل ما يمكن المواطن من رفع مستواه الخاص، وخلق الرواج والنيابة عن الدولة التي لا يمكنها أن تخوض جميع الميادين، فنرى الصناعة، والصناعة الصغيرة، والسياحة، والفلاحة بجميع أنوعها، والتجارة، وخلق شركات مغربية داخل البلد وخارجها بجميع القارات حتى يمكن للمغرب أن لا "يتزوج" دائما بخلاياه وسلالاته الخاصة..

بل أن يأتي بدم جديد وتلقيحات ويعرف بنفسه بإنتاجه، ويمكنه كذلك أن يدر للخارج أدمغة ومفكرين ونخبة كبيرة من شبابه.

ومن أجل تهيئ الأطر الضرورية لهذا التطور الاجتماعي والفكري، فإن المبادئ الأساسية التي تعطي لتعليمنا ميزته الخاصة تتلخص في التعريب.. والمغربة.. ومجانية الدروس... زقد قررت عزيمة ملكنا المثقف أن تتحمل الدولة عبئ توفير أكبر عدد من المنح لشبابنا الذين يطمحون بجد وعزيمة وإرادة في استكمال تكوينهم في مدارسنا العليا وكلياتنا وفي غيرها في الخارج، وبذلك تقيهم شر المشاكل المادية التي يمكنها أن تكون عائقا وحاجزا بينهم وبين مواصلة التكوين الذي ينتظرونه، والذي يمكنه وحده أن يفتح لهم أفسح الآفاق وأجداها ويحقق النتائج التي تنتظرها الأمة، ويعمل جلالته على تشجيع العلم والأدب بصفة عامة، وإتاحة الفرصة لذوي المواهب لانطلاق قرائحهم حرة كريمة، تنتج كل ما تستطيع إنتاجه في ظل الرعاية الكريمة... ولا غرابة في ذلك فإن اهتمام ملوك الدولة العلوية بالحركة العلمية شيمة من شيم عصورهم الذهبية الزاهرةـ لقد كانوا يعفون العلماء من الأداءات الضريبية تكريما لهم وتشجيعا، وكانت المنح تنهال على المؤلفين كالجوائز التي توزع اليوم في مختلف الأقطار الأوربية على العلماء والباحثين والكتاب، وكانت الخزائن تقام في كل مدينة.

وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله من أشهر مؤلفي عصره، فأسس مدرسة حرة لتلقين ضباط الجيش المغربي القراءة والكتابة وأول الفنون العسكرية فتخرج من هذه المدرسة قواد مهرة أدخلوا إصلاحات كثيرة على الأساليب العسكرية واستفاد المغرب من مواهبهم إفادة كبرى.. وكانت الدراسات تسير على مقتضى أساليب المدارس العصرية   يذلك الوقت.. كما كان المولى عبد الرحمن مصرا أشد الإصرار على تعميم التعليم الابتدائي في الحواضر والبوادي واستخدم للوصول إلى هذه الغاية جميع الوسائل التي رآها كفيلة بتحقيق برامجه...

ثم توالوا الملوك العلويون على أريكة العرش وتمموا الحلقة التي بدأها أسلافهم منيرين لذلك لرعاياهم طريق الهداية والرشاد.

ثلاثة وعشرون سنة قضاها جلالة الملك الحسن الثاني متربعا على عرش القلوب حافلة بالعطاءات والبطولات والأمجاد، مليئة بجلائل الأعمال ودلائل التوفيق... فلا غرابة، وهذا الملك العلوي الشهم يحيا بحياة أمته ويسعد بسعادتها... وهو سر الصلة الوثيقة الثابتة المتمكنة بينه وبين شعبه.. والعرش المغربي كان دائما مركز القيادة، معبرا عن ضمير الأمة ومعربا عن شعورها ومنفذا لرغباتها وتطلعاتها وأسواقها، عالما بمواقع الخير منها، وفاهما لمعنى المجتمع الحديث الذي تعيشه.

فالذكرى الثالثة والثلاثون لتربع جلالته على العرش العلوي المجيد لتذكرنا في فخر واعتزاز بالكفاح الوطني الذي خاضه ضد القوى المعادية لحرية ووحدة الشعوب، فهو حفظه الله تعالى من ذوي الإيمان والراسخ الذين يدركون إدراكا واعيا حقيقة الخطر القائم على الإنسان وسيلعبون دورهم البطولي غير عابئين بما يلحقهم من مكروه وأذى – وأن التاريخ الذي يسجل حياة الأمم وأعمال رجالاتها لفخور بما يضمه إليه من صفحات لامعة ووقفات مشرفة لمليكنا الذي تعتز به العروبة وينتظم به الإسلام جلالة الملك الحسن الثاني.

فالعشب المغربي وهو يحتفل بعيد العرش المجيد يكرم عبقرية فذة من تلك العبقريات التي لا تزور العالم إلا نادرا، وهي التي تنشر ألوية العدالة الاجتماعية وترفع كلمة العرب والمسلمين وتقوي عضدهم بالمواقف السديدة في كل الفرص والمناسبات، وتدعو بأعلى صوتها في المحافل الدولية إلى تحرير إفريقيا من الاستعمار والتميز العنصري ويساند ماديات وعسكريا حركات التحرير في المستعمرات، ويدعم بآرائه وأفكاره الحكيمة حركة عدم الانحياز، ويسعى بجهود متواصلة إلى وحدة العرب والمسلمين حتى تستعد شعوبهم وقيادتهم إلى مواجهة العدو وتحرير فلسطين السليبة.

ويطيب لي أن أورد هنا فقرة من أهم فقرات الرسالة الملكية الكريمة إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري :
معاشر المسلمين :
لقد شرفنا الحق سبحانه وتعالى بأمر عظيم، عندما كلفنا بهداية أنفسنا وهداية الإنسانية، ودعانا إلى أن نتمسك بالخلق الكريم والسلوك القويم حتي يصبح كل مسلم إنسانا كاملا في نفسه وأسوة حسنة لعموم البشرية – وعندما أراد أن يجعل أمتنا "خير أمة أخرجت للناس" لم يجعل خيرتها مشتقة من سمو في العرق والجنس والسلالة، إذ لا فضل في الإسلام لآدمي على آدمي إلا بالتقوى " وكلكم من آدم وآدم من تراب" كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام، و"إنما جعل خيرية أمتنا قائمة على مقدار ما تبذله من جهود صادقة في إصلاح شؤون البلاد والعباد وتطهير الأرض من الفساد...".

إن الأمة العربية جمعاء تحتفل بعيد العرش وإنها لمناسبة قومية عظيمة تهتز فيها مشاعر المواطنين فرحا وطربا، ويفتخر فيها الشعب المغربي بأسره مرحا وعجبا لأن هذا العيد الوطني الكبير يجسد وحدة الأمة المغربية كما أن هذه المناسبة القومية العظيمة تذكر سكان هذه البلاد العزيزة بأمجادها السعيدة الغابرة وتقاليدها المجيدة الزاهرة وإن شعبا كالشعب المغربي يومن بأن مجد ملكه من مجد شعبه جدير بتاريخه في الماضي وخليق بتاريخه في المستقبل المشرف الوضاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here