islamaumaroc

المغرب الصامد

  أحمد مجيد ابن جلون

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

عاش المغرب قرونا وهو يدافع عن وجوده وكيانه، ويواجه الأطماع بجلده وإبائه، ويقاوم التيارات في سبيل معتقداته، وعرف حقبا أذاق فيها خصومه مرارة الانهزام، فنالوا مصير اللئام، وتكبدوا ثمن مغبتهم، ونتيجة تطاولهم، وعواقب فجورهم.

إنه القلعة المنيعة، والمعين الذي لا ينضب، والحصن القوي العتيد، فكلما ظن أنه ضعفت صلابته، أو قصر باعه أو فلت شوكته، إلا وانتفض مجاهدا، يذكر بماضيه التليد، وباستمرار نظامه المجيد، وباستقرار وضعه الفريد، وبعدم استسلامه لكل شره بليد، وجائر  بغيض، ومتسلط عنيد. ويستمد المغرب دوما من عبقرية ملوكه، وشهامة أبنائه، وسواعد رجاله، تلك المعطيات الخلاقة، والعناصر المفيدة المثيرة التي توقف المترامي عند حده، وتعيده إلى رشده، مقنعة إياه أن المغرب عرين الأبطال، وأنه يعرف حق الجار، ولكنه يرفض العمل الضار، والخراب والدمار، ولا يريد استقلاله بديلا، ولا يرضيه أن يكون مهانا، ولا يمكنه أن يعيش إلا محترما جليلا مهابا.

إن الملاحم التي خاضها أجدادنا الأشاوس، بقيادة ملوكهم العظام، لتثير التقدير والإعجاب بتعددها وتكراره، وأهميتها وتضحياتها، وضخامتها ونتائجها، ولتكون باعث اعتزاز وافتخار، وإجلال وإكبار، ولتوحي بوجوب عبارات الشكر، والاعتراف بمزايا وخصال أولئك الذين صنعوا أمجادنا، وصانوا كياننا، وبلوروا غاياتنا ومطامعنا، وجسدوا إبائنا بتضحياتهم وجهادهم، ومناعتهم ونضالهم، وقوتهم وإشعاعهم، وإيثارهم للسلم قبل استعمال القوة، والتفاهم بدل العنف والشدة، والمفاوضة تفاديا للخطأ والغفلة، والاستشهاد في سبيل الدين والملة.

وإن الاعتزاز بهذه الملاحم، ليدعوا كذلك وقبل كل شيء إلى العمل الصالح، والمجهود الهادف، حتى نكون بأجدادنا معتزين، وعلى درب عبقريتهم سائرين، ولخلافتهم مستحقين، نشيد ونبني، ونحرث ونسقي، ونعلم ونربي، ونوزع الرفاهية المثلى، في انطلاقة مباركة نحو التكامل المادي والخلقي، لنجعل من أمتنا تلك الأمة الوسط التي تجنح إلى السلم، بإرادة المومن القوي، عندما يكون السلم عادلا، ولا تخشى المجابهة، كلما كانت المجابهة ضرورية لصيانة حقوقها، أو الذوذ عن كيانها، أو الحفاظ على مكتسباتها، أو وقاية قيمها وتقاليدها ومعتقداتها.

إن المغرب اختار منذ القدم طريق العدالة والإنصاف، وفرض بين أفراد أمته المحبة والتقدير والتآزر، وجعل من مبادئ دينه الحنيف قاعدة حياته، ومنطلق مبادراته، ومنبع واجباته، وأساس اختياراته، ومرجعه الأصيل في معاملاته.

وإن الأسر الملكية العريقة التي تعاقبت على الحكم فوق ترابه، وجندت طاقاتها في خدمته، وضحت بجهودها وأرواحها في سبيل كرمته ومناعته، وفرضت احترام سيادته واستقلاله، آثرت الاستناد، عبر القرون والأحقاب، والمشاكل والأتعاب، على سواعد أبنائها، وشهامة أفرادها، وصمود جمودها، وحنكة مسيريها، وحسن تدبير قادتها، ودهاء روادها، لتشق الطريق نحو الاستقرار والاطمئنان، والتضامن والالتحام، والانفتاح والازدهار، فنسجت بعزيمة لا تلين، مميزات عبقريتنا، وخصائص أوضاعنا، وعراقة تقاليدنا، ووجاهة طموحنا، واستمرار انقياذنا على التضحية في سبيل الإيمان، والاستشهاد دفاعا عن الأوطان، والاستماتة نصرة لحقوق الإخوان والجيران.

وكم من معركة خاضتها، ملحمة عشناها، ومشاق قبلناها، وتضحيات قدمناها، وخسائر تكبدناها، لا دفاعا عن الأوطان فحسب، ولكن كذلك لنشارك إخواننا في العقيدة محنهم، ونؤازر أصدقاؤنا فنغيثهم، ونتمادى في خطة اخترناها منذ القدم فأصبحت مثالا يقتدى، ونموذجا يحتدى، وعربونا مستمرا عن حسن نيتنا، وصفاء طويتنا، وسلامة قصدنا، وما مشاركتنا في مقاومة جيراننا للاستعمار إلا آخر تلك العزيمة التي لا تلين، والتي جبلنا عليها من غير تردد، وأقنعنا الخصوم، بوجوب اعتبارها، ولزوم احترماها.

وكم من مراحل اجتزنها وأشواط قطعناها، وتحديات واجهناها، وأخطار جابهناها، وراء ملوكنا الميامين، نبادرهم الحب والوفاء، والشغف بالإخلاص والثناء، والتوجيه السديد بالامتثال والولاء، والطموح الوثاب بقلوب ملؤها التقدير والصفاء.

إن الشعب المغربي أعطى لكلمة الأمة مدلولها الحقيقي يوحد صفوفه، وتلاحم أفراده، وتوحيد كلمته، وعبقرية أبنائه، وشهامة أبطاله، وقوة إيمانه، ورباطة جأشه، وثبات إرادته وصفاء طويته، وتصديه لكل خديعة ومكر، مادام من المسلم به إن لا وجود لأية أمة، إذا لم يكن جميع أفرادها مكمنين بوجود تحقيق حلمهم في مستقبل مشترك.

هذا هو المغرب الذي نحبه ونعتز به، ونصونه ونموت لأجله، لأنه الإرث الذي آل إلينا من الأجداد، والوصية المقدسة التي لا يجوز التفريط فيها مهما كنت الأحوال، وبصمات التضحيات والصيانة والإيثار من الأجيال، ماثلة في كل جنباته عبر العصور، ولم يكن – من الوجهة الحضارية – نحثه وترصيعه، وإتقانه وإبداعه، وتحقيقه وفرضه، وإقراره واستمراره، إلا بفضل تلك النخبة الفريدة من الملوك الأكفاء الأجلاء المخلصين الذين امتازوا باليقظة والطموح، والتفاني والتجرد، والحكمة والتبصر، والرأفة والسماح، ونصرة العدل والإنصاف، والضرب على أيدي المتربصين المحتالين والمتقاعسين المخذولين، لا تأخذهم في الله لومة لائم، يسوسون الرعية بالحق والصدق، ويحكمونها بالعدل القائم، ويحملونها على الجد والنزاهة والتجرد.

لقد أرادوه، قدس الله أرواحهم الطاهرة، مملكة مسلمة مومنة، فوزعوا فيه بذور العقيدة، ونموا فيه روح التضامن والتكافل ولقنوا أبنائه تلك المبادئ السمحة، والقيم الإنسانية الكفيلة بتجنبهم المعاصي النكراء، وعواقب التنكر والبغضاء، وجندوا طاقاته وطموحه خدمة للمقاصد العليا، وشيدوا صرحه وكيانه بعزيمة وإباء، وصانوا حدوده، وفرضوا خاصياته ومعالمه، وكانوا سباقين إلى إبرام الاتفاقيات مع غيرهم من الدول، فأبرزوا من خلالها مزايا الحوار النافع، والتآزر الدولي الناجعة، وضربوا مثلا يحتدى في الممارسة الدولية المسؤولية للمعاهدات والأوفاق، وامتد إشعاعهم الحضاري عبر البحار والقارات، وعرفوا بشرف مقاصدهم، ونزاهة مبادراتهم، وسمو هممهم، وإخلاص صداقتهم، ووفاء وعودهم، وصدق مواقفهم.

إن تاريخنا ملئ بالإرشادات والعبر، وملاحمنا منحة من جد وكرم القدر، وتصورنا نموذج يحبذ ويعتبر، وأوضاعنا الأخلاقية توصف فتشكر، وشكرنا للعلي القدير معلل مبرر، وكل هذا ندين به لنظام صنعته السنون والأحقاب، وصقلته التجارب، واستمد مناعته وقدراته من جودة مقوماته، ونضال مؤسسيه، واستماتة مسيريه.

وشاءت الأقدار أن تفرض علينا المؤامرات حجرا بغيضا، واحتلالا مغرضا، فما وهن شعبنا الباسل، وما ضعف ولا استكان، وبل اعتبره امتحانا جديدا، واختبارا آخر، قاومه بنفس العزيمة والإباء، وكانت مناسبة أبرز فيها المغرب من جديد أصالة المبادئ التي يؤمن بها ملوكه وقوة العرى الوشيجة الرابطة بين العرش والشعب، وتحقق التحرير والاستقلال على أيدي ملكنا البطل، جلالة محمد الخامس، قدس الله روحه، وكم يطول الشرح، لو أردنا استعراض تلك الصفحات الخالدة من جهادنا المبارك.

وتربع جلالة الحسن المحبوب على عرش أسلافه الميامين فأعلنها صيحة مذوية ضد الفقر والتخلف، والجهل والمرض، والجور والتفرقة، والكسل واللامبالاة، وشرعنا في مسيرتنا المظفرة، ونضع اللبنات تلو الأخرى، تنفيذا لتخطيط محكم، رسمه ملكنا القائد، بعبقريته الواسعة، وطموحه الوثاب، وعزمه الأكيد، على تحقيق الازدهار المادي والتكوين الخلقي.

فكم من ميدان امتحناه فأخضعناه، وكم من مشروع نسقناه فأنجزناه، وكم من مبادرة اتخذناها فأدت إلى تحقيق منجزات جسام غطت الحاجة، وتغلبت على الفاقة، ووفرت الرغد، وأعطت السند، لانطلاقة مباركة جعلتنا نتقرب من صفوف الدول المتقدمة، ونتلكم بلغة المخاطب المقنع، ونبذل النصح عن إلمام واستحقاق، ونشارك بأوفر نصيب في المجهود البشري الرامي إلى إقرار الأمن بين دول العالم، وخلق جو من التفاهم الإيجابي والتضامن الإنساني.

وإنه لنوع أخر من الصمود المثالي في وجه التخلف والبهتان، والتسلط والطغيان، والعنف الأعمى، وعدم الإقرار بالمبادئ والقيم.

لقد قادها جلالة سدد الله خطاه حركة دائبة مباركة لم تعرف انقطاعا، فعزز الرخاء ووحد الصفوف، وجند الهمم، وتصدي للتحديات، ورسم الأهداف، وبلور المطامح، وحقق في إباء مقدس، ما كنا نصبو إليه من عزة وسؤدد، حتى تبوأنا المكانة المرموقة على مستوى الدول، وضمنا للأجيال الصاعدة وسائل حياتهم، ورسمنا لهم معالم الطريق، واندمجنا في موكب الأمم التي نسجت لحاضرها ثوب المناعة والازدهار.

وما التظاهرات التي يلتو بعضها البعض باستمرار، فوق تراب مملكتنا الشكور، إلا مظهر لتلك العبقرية الحسنية الموفقة التي لم تألوا جهدا في تنسيق وإبراز حقيقة لا مراء فيها، وهي أن النضال المغربي متنوع الجهات والغايات، متعدد الأركان والواجهات، لا تواجهه صعوبة إلا وتغلب عليها، ولا تعترض سبيله مشكلة إلا وعالجها ولا تدبر ضده مكيدة إلا وسفهها، وإنه لفهم فريد في ممارسة القيادة.

إن نضالنا إيجابي لأن غايته نبيلة، وشريف لأن قصده إحقاق الحق، وهادف لأن مرماه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقويم لأنه ينبذ التسلط وسيرفض المساس بالمبادئ أو الاعتداء على النفس والمال أو محاولة احتلال الأراضي واكتساح التراب الوطني.
وإن موقفنا من قضية أقاليمنا الصحراوية إلى حظيرة الوطن، بفضل كفاح ملكنا الغيور المقدام، ومقاومته المظفرة للادعاء والبهتان.

إننا ندين لمحرر بلادنا وصانع نهضتنا، وباعث انطلاقتنا بكل ما أصبحنا نتوفر عليه من طمأنينة واستقرار، ونمو وازدهار في الداخل، ومن سمعة طيبة في الخارج. وما المؤتمر الرابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد أخيرا  بالدار البيضاء والذي صادق على"ميثاق الدار البيضاء" المقترح من طرف عاهلنا المفدى، إلا حلقة من تلك السلسة الذهبية التي صنعها قائدنا العظيم بعبقريته وإرادته، وحنكته وتجربته، ويقظته وغبائه.

هذه محجتنا : تضامن وتفهم، ودفاع عن المبادئ والقيم، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وتشبث بالعدل والإنصاف، وعمل مستمر لصالح الجميع، وصمود أمام كل التحديات.
ولن نزيغ عنها لأننا أفراد رعية قائد ملهم، وملك مصلح، ورائد عظيم، فليدم ملكنا، وليدم عرشه المجيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here