islamaumaroc

سمة العرش الصمود.

  محمد ابن تاويت

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

كلما حلت ذكرى عيد العرش المجيد، جعلت نفسي تجول في جوانب العظمة، التي تجلى بها وطننا عبر التاريخ السحيق، فأستشف في أركانه معاقل للأمجاد، قابعة متحفزة، وألمح في عرينه أسودا، رابضة مستفزة ، تقلب أنظارها، وتزأر زئيرها...

لقد كانت أول محاولة لي في هذا المجال، تلك التي ساهمت فيها، سنة خمسين أو إحدى وخمسين، في سابقة نيل الجائزة التي أعلنت عنها جريدة العلم، فاخترت موضوعا كان جديدا بالنسبة لذلك العهد، هو «كيف قامت الدولة العلوية المجيدة" فنلت بذلك الجائزة الثانية، ونال الأولى صديقي الأستاذ الصديق ابن العربي، حفظه الله وسلمه، ونال الثالثة الأستاذ عبد القادر الصحراوي، رحمه الله.

وفي السنة بعدها، ساهمت بدراسة للمواقف التي وقفها المولى الحسن، في تثبيت دعائم الملك، التي كانت قد تعرضت للزعزعة، أيام جده المولى عبد الرحمن في موقعة إيسلي، وأيام أبيه المولى محمد، في موقعة تطوان.

لقد نالت هذه الدراسة الدرجة الثالثة، ونال الدرجة الأولى صديقي قاسم الزهيري، الذي توارد على نفس الموضوع بعنوان يخالف شكلا عنواني ولكنه في الجوهر، لا يخالف كثيرا وقال لي صديقنا جميعا الأستاذ عبد الكريم غلاب، الذي كان في لجنة الاختيار أنه دافع كثيرا عن مكانتي في هذا ولكن الله غلاب، وانعقدت أوامر الصداقة بيني وبين الأستاذ قاسم الزهيري، واتصلت الصلات بيننا، لما تقلد إدارة الإذاعة الوطنية، عند فجر الاستقلال. فكتب إلي في مناسبة زيا ة ملكنا محمد الخامس، طيب الله ثراه لتطوان، قادما من إسبانيا، وفي يده صك لانضمام الشمال إلى الجنوب، ومشاركته في التمتع بنعمة الحرية والانعتاق، فأعددت للإذاعة موضوع "زيارة الملوك لتطوان" ثم كتب إلي في مناسبة ذكرى ابن الخطيب، فكتبت موضوع "ما بين ابن الخطيب وابن خلدون، فأذيع الموضوعان، في مناسبتيهما. ولما زرته إثر ذلك، عرض علي مساهمتي في موضوعات الإذاعة فقبلت، ونادى على المرحوم الأستاذ في إدريس الجاي، الذي كان رئيس القسم العربي، فقال له : انظر في البرنامج، موضوعا يقوم بإعداده فلان ونظر الأستاذ الجاي، فإذا هو تاريخ الأدب المغربي، الذي ظلت خانته شاغرة خالية. فحمل الشروع في نفس اليوم، وسجلت آنذاك، الحلقتين الأوليين، في هذا الموضوع.

المهم أني، منذ سنة خمسين وأنا أرجع البصر، كرة بعد أخرى، ممعنا في أغوار تاريخنا، ومساهما في مناسبتنا هذه، بعدة دراسات، أذكر منها ما نشر لي بجريدة الشهاب، سنة ثلاث وخمسين أو أربع، بعنوان «العرش بالشعب والشعب بالعرش". فصار منذ ذلك الحين، هذا العنوان، يستهوي الكاتبين والمتكلمين، فيكتبون به ويتحدثون عنه، في الإذاعات وغيرها...

وعلى كل حال ، لنكف عن الذكريات "صدى السنين الحاكي" كما يقول شوقي. ولنتناول بالذات، ما يضمه عنواننا المذكور ولو كنت من الذين يرصون عن أنفسهم ناظمين، لجعلته مطلع قصيدة، شطرا يضم إليه الفقه، نحو "فيه يقضي الخلود" لكني لا أريد الفضول ...

نعم الصمود على الحق، هو الصفة المثلى التي دعا إليها الإسلام، وأمر بها القرآن في قوله "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون". وهو الصخرة التي آوى إليها المسلمون، وتحطم عليها كل ما حاوله، بالفعل، أو نواه في الضير، أعداؤه الكافرون. حصل في مشارق الأرض ومغاربها، بدولها المنظمة، وبجماعاتها المكتسحة، وبهجماتها المخربة، مغتصبة ومفترقة، في أجيال متلاحقة ومتناسقة، كذلك في سيرة تاريخ المسلمين، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا طيلة القرون الثلاثة عشر. ولن يهنوا ولن يستكينوا، مادام القرآن نبراسهم المنير، ودين الإسلام حصنهم الحصين.

بهذا قضى الحق، وأيدته الحقيقة، وبهذا وجدنا الإسلام في هذه القلعة الغربية، من أقطاره الشاسعة، وفي هذه الزاوية المباركة، يحمل راية النضال، ويدير بكلتا يديه دفة الاستمرار. فكانت البدايات تحدو إلى النهايات، دائما، بالانتصارات الباهرة. وإن تخللت الكوارث واختلفت البواعث فالنتيجة واحدة الظفر والانتصار، والعزة التي قال فيها الله "ولله العزة ولرسوله وللمومنين ولكن المنافقين لا يعلمون".

لا نريد أن نستشهد التاريخ طويلا، وهو يحيى ويتقلب نشيطا في هذه الربوع، ولا نريد أن نفسح المجال لدول حملت الأمجاد على كواهلها القوية، في هذه البلاد، ولنقتصر على عرش هذا الوطن المقدس يحمله هذا البيت الكريم بآله الكرام العلويين.

فإننا لو تتبعنا نشأة هذه الدولة، لشاهدنا العجب العجاب، كيف كان ملوكها الأول، يقطعون المسافات البعيدة، والفيافي والقفار المهلكة، في بضعة أيام، لا تتعدى عدد الأنامل، جيئة وذهابا، من غرب المغرب إلى شرق المغرب، بل حتى إلى قلب المغرب إلى شرق المغرب، بل حتى إلى قلب الشمال الإفريقي، وفي معمعة صحارية، لا تصدهم التقنية المتطورة، ولا الاعتدة الحربية الحديثة، ولا الدول العظمى العتيدة، كل ذلك ما كان ليكون وان اعتورته الانكسارات أحيانا، فما وجدت فيه البتة للاستكانة والنكوص مكانا.

كذا كان الشأن في مواجهة الأحداث، تأتي من الخارج وكذا كان الشأن في مواجهة تقع بالداخل، من طرف الناجمين، وحتى بين الأمراء القائمين، الصمود والرهان، والتحدي مهما كان الأمر، ومهما كانت التضحيات الجسام، الصمود مع الإيمان والاعتصام بالله والتحدي بالحق المكتسب غالبا، أو المطالب به، عند الاغتصاب والجور، واستمر الجهاد، تجود فيه الأرواح، وتسترخص فيه الأموال، ما كان موقف مولاي الحسن، من بلاده، جاهدا في تثبيت قوائم النظام والنهضة بها، وفي استرجاع ما اغتصب من أقطارها بالصحراء. الصحراء التي كانت الدولة قد تكالبت عليها، فاسترجع بعضها بالقوة ، التي أمر بها الله ، واسترد أخرى بالمال، في نجدة وسخاء.

وتساوقت حلقات القصة النضالية واتصلت تقص علينا أحاديث الأمجاد التي كانت حلقتها الرهيبة تلك التي أحكمها، فيما مضى سيد البلاد وحامي ذمارها، ووارث سر عظمتها، الملك المنعم بجوار ربه، في مقعد صدق عند مليكه. وهكذا فإن صفة الصمود لم تزايلنا حتى والأمر، ما كان بيدنا، والزمام كان قد تسلمه غيرنا، لقد كانت المواقف لا تلين أمام الجبابرة الطغاة. حدثني سيد، رحمه الله، عمن سمع من د الملك الراحل، نور الله مضجعه، على مطالب المقيم العام الفرنسي هذا الرد الصارم "أوهو"...

كان هذا طبعا في عهد الحجر المفروض، ثم حدثني بعض أساتيذ جامعة "برشلونة" من الإسبان، سنة تسع وخمسين، أن ولي العهد آنذاك، حفظه الله، كان يطالب بعودة الصحراء، التي كان يحتلها الإسبان، ويحاول أن يقنع حاكم إسبانيا الدكتاتور "الجنرال فرانكو" وهم مجتمعون على «طاولة" أو مائدة . فلما أعياه الإقناع،  ضرب بيده، في قوة على مكتب الحاكم الطاغية، ونهض مغضبا في سبيل القضية الوطنية المصيرية المقدسة.

فجحظت العيون، وبلع القوم ريقهم المزيج من السموم، واعتبر ذلك كل حسب غبائه أو ذكائه، ولكنه الصمود والإيمان بالصمود لأنه يدعمه الحق الذي أنطقه، ويحوطه من الباطل، الذي أخرس قومه ...

هكذا كان الحسن الثاني، وهو لما يزل ولي عهد أبيه، المنعم بالله وهكذا كان لما يزل شابا يافعا، لحوزة البلاد حاميا، ولحوضها مانعا، ولشتات أقطارها جامعا، فتحقق به قول القائل : كل شيء على الثبات يهون  * هكذا همة الرجل تكون .

بهذا حدثتني - تلميذتي – "الدكتور ليونور" على سبيل العتاب والانتقاد للموقف. كما حدثتني عاتبة أيضا على الفاتح العظيم ، المنصور محمد ابن أبي عامر، الذي اكتسح، لأول مرة في التاريخ الإسلامي، مدينة برشلونة، وحرق كما قالت ربوعها ودورها، أما أنا فقلت في الأمير الشجاع : لا بدع ، فالشبل ابن الأسد، الذي ما كان ليفرط في شبر من عرينه. ولولا الوقفة الناكصة من "المجاهد الأكبر" لكان "المغرب الأكبر" لكن مع الأسف لم يستقر على مبدأ من هذا الثالوث إلا مغربنا، الذي صدق ما عاهد الله عليه، أما غيرنا فتقلبات، وانتهازات، ودوران مع الجهة هذه، وتلك، وقحات تستحي من نفسها، وهم لا يستحون من أنفسهم وغيرهم ينشد فيهم :
"يا ليت لي من جلد وجهك رقعة"
أثناء حرب التحرير الجزائرية التي بذل فيها المغرب كل نفيس وغال سألتني موظفة كانت بالكلية، وهي إسبانية الأصل فرنسية الجنسية "لماذا تعينون هؤلاء ؟" أجبتها بقولي : "إنهم إخوان لنا وجيراننا، وقضيتهم من قضيتنا.." قالت لي : إنهم سينقلبون عليكم حينما ينالون استقلالهم ...".
فقلت لها "هذا ما لن يقع"  فقالت : "سترى...".

وقد رأينا جميعا، ورأى القادة والشعوب، ما تنفطر منه القلوب، ولكن المغرب صامد، واقف عند المبدأ، مهما كان الأمر الواقع فادحا، واستمر الحاسد قادحا جارحا، فالحق يعلو والباطل يسفل "قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here