islamaumaroc

المسيرة الخضراء هجرة جهادية أو جهاد بالهجرة.

  عبد الحي العمراني

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

مازلنا نعيش في أصداء الهجرة النبوية الكريمة التي كانت حدا فاصلا بين الكفر والإيمان والاستقامة والانحراف والجهاد والقتل بغير حق والفوضى والنظام والسكينة والاضطراب والدولة والقبيلة فكان لمداها أثر مفيد في نفوس كل من يرنو إلى التخلص من الأثقال وإلى التحرر من الشدائد وإلى تقليص الامتداد المعادي للمسلمين في عقيدتهم وشريعتهم حتى يعود للدين صفاؤه، وتعلو رايته وتتحقق أمجاده وتستقيم سيرته.

والهجرة تذكير بالبطولة والفداء والوفاء والصدق والإخلاص لعل المشاعر تلتهب مرة أخرى بما يحويه هذا الدين من مبادئ سامية إنسانية رفيعة تخلص البشر من مفاسد المدنية المعاصرة ومن الرق الحضاري.

وهي جهاد شريف يمنح القدرة على التحمل والتفاني في سبيل العقيدة والمبدإ وتشحذ القوى والعزائم لبناء مستقبل إسلامي لامع الصفاء نير الضياء فتفتح على السمو والرقي والأخذ بناصية الحياة بعلومها وعقلانيتها وقوة أجهزتها الدفاعية لمقاومة الغصب والتسلط والابتزاز.

ولم تكن المسيرة الخضراء إلا هجرة إسلامية مخلصة لإخوان لنا مسلمين من كابوس الاستعمار وأضراره وإرهاقه، وتدميره للمقومات الأساسية في حياة جزء عزيز من الوطن المغربي المبتلى بنكد الاستعمار وأذنابه من المرتزقة الخونة الذين باعوا أنفهم للشيطان وارتكسوا في الباطل وتآمروا ضدا على وطنهم وأشقائهم وتحالفوا مع الأعداء لتستمر الصحراء المغربية خاضعة للتحكم الأجنبي والسيطرة الخارجية المتربصة بشعبنا حتى لا يخطو إلى الأمام ويقطع المراحل ويقضي على التخلف والضعف والمرض والجهل والتقوقع في حمأة الفوضوية المجزئة للأوطان والمخربة لقدرتها على الصمود في ساحة الجهاد الذي يعتبر من رموز المغاربة الأشاوس الأحرار.

فالشعب المغربي حينما اتجه لتحرير الصحراء بأمر قائده الهمام جلالة الحسن الثاني لم يعمل معه سوى إيمانه الراسخ ومصحفه الطاهر ورايته المعبرة عن وحدة الشمال والجنوب والتحامهما في أحقاب التاريخ فلم يقع الاعتداء على أحد وإنما هي هجرة جهادية سلمية تمتد جذورها من النبي الكريم محمد (ص ) ومن تعاليم القرآن الكريم .

إنها هجرة الخلاص وإعادة الوحدة المغربية إلى طبيعتها حتى لا يبقى التقاؤنا في جنوب المغرب محرومين من إخوانهم وأقاربهم ومواطنيهم في الشمال وقد تحققت الوحدة بفضل الإسلام وصبر الصابرين واستجابتهم لدعوة أمير المومنين المسؤول الأول عن مصير رعاياه المسلمين في شمال المغرب وجنوبه في جباله وصحرائه وسهوله وشاء الله أن يتحقق النصر ويندحر المستعمر ولكنه خلف وراءه شرذمة من الأشرار والخونة المحكوم عليهم بنصوص الشريعة بما يستحقونه على خيانتهم المدبرة مع أعداء لا يريدون للمغرب أن يسترجع استقلاله ويحقق وحدته ويقوي جانبه كشعب أصيل في نضاله وكفاحه وتمسكه بإسلامه وعروبته واستقلاله الذي ظل قائما لم تستطع أي قوة أن تنال منه إلا عن طريق التآمر والدس والخيانة اللعينة، إن المسلم مدعو إلى الهجرة عند الضائقة فما بالك إذا كانت لتخليص إخوانه المسلمين من قبضة الطغاة والآثمين .

فالشعب المغربي قام بمسيرة الهجرة إلى الجنوب وهو يحمل قلوبا واعية بمصداقية الجهاد النفسي والعملي وبقي مستعدا للتحمل لو اقتضاه الأمر أن يتحمل المدافعة والاستشهاد، وكانت قيادته الحكيمة الواعية وهو يخطو خطواته الثابتة إلى صحرائه المغتصبة تتتبع خطواته خطوة خطوة حتى لا تنطلق العواطف المتأججة من عقالها خارجة عن توجيه القائد المتبصر وتعاليمه المخططة بروية وأحكام .

إن الشعب شعب كريم ووفي وعميق الإيمان بدينه ولن يتحرك حركة واحدة في إطار خارج عن الإسلام وبذلك فإن أحلام الدخلاء الذين يريدون تحويله عن هدفه السامي إنما ينفخون في رماد أو يصيحون في واد لأن الشعب المغربي ولو لفه الضباب في فترة من الفترات فإنه لا يلبث أن ينقشع لتظهر حقيقة شعبنا المسلم واضحة نيرة ولم يثبت في التاريخ المغربي منذ مجيء الإسلام أن مسيرة هذا الدين قد مست بأذى من عامة الشعب المغربي أومن قواده وملوكه الذين تعاقبوا على عرشه، ولذلك فإن جلالة الحسن الثاني لا يفكر إلا من عمق ما يختلج في نسفه من ميراث ضخم ورثه عن آبائه وأجداده، فكان مثالا حسنا للملك القائد المتبصر العارف بأسرار السياسة المغربية وبنفوس المغاربة الذين لا يرضون الضيم والإهانة ولا يقبلون التسلط والحقارة ولا يخضعون إلا للإسلام ومن يمثله. وهل يستطيع ناعق بالمغرب أن ينحرف بمسيرته الإسلامية عن أهدافها ؟ وهل يستطيع متربص آثم أن يعوق المغرب ويمنعه من الوصول إلى هدفه ؟

إن الذين يتجاهلون قيمة شعبنا وعظمته التاريخية ومكانة قيادته في النفوس لفي ضلال بعيد فسوف لن يصلوا إلى مقصودهم الخبيث مهما تآمروا وخانوا لأن التاريخ عودنا أن هذا الشعب لا تقهره القوة ولا يخيفه العنف ولا يتراجع مهما كانت النتائج حتى يرفع رايته القرآنية على أشلاء الدخلاء والخونة والمعوقين، ومن شك في مقدرة شعبنا الأبي فليتصفح تاريخه ليراه في ميادين النضال يجندل أعداءه ولو كانوا أكثر منه عددا وعدة وبذلك فلا خشية عل صحرائنا من حفنة من الأوباش، ولا خشية أيضا من المتآمرين الذين يمدون بالمعاونة ليصبحوا مستعمرين جددا فوق تراب هذا الوطن وهي أحلام لن تحقق لهم أبدا مهما بذلوا وقدموا وليسألوا جحافل الاستعمار وطغاته فهم خير من يحدثونهم أصدق الحديث وأنفعه لهم لعلهم يعقلون.

وما أحرانا بتدارس هجرة المسيرة المظفرة وما حوته من بطولات وحصافة في الرأي وعزم في الإرادة ونبل في المقصد وإعداد رائع للتغلب على جميع الصعاب كانت سياسية أو دفاعية أو تموينية أو تنظيمية حتى بلغت غايتها والعالم كله مندهش من العبقرية المغربية وهي تزحف فوق كثبان الصحراء وصخورها بعزم لا يلين وتصميم صارم واندفاع منظم للكتل البشرية التي تعلوها راية القرآن خفاقة تذكر العالم كله بأن روح الهجرة الإسلامية ما تزال حية في نفوس المسلمين يحدوها آيات الله تتلى بكرة وأصيلا وتردد في تلاوتها : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، فإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، لأن الإسلام ليس دين بغي ولا تعد ولا طغيان، وإنما هو دين الحق والعدل والقسطاس ومن الحق والعدل والقسطاس أن يسترجع المغرب صحراءه وأرضه وأن يدافع عنها بجميع الوسائل وبكل الأسلحة كانت سياسية أو قانونية أو قتالية، وذلك ما فعله المغاربة بتوجيه من ملكهم الذي لم يدخر وسعا للدفاع عن وطنه في ساحة السياسة وفي محكمة العدل الدولية وفي ميدان الاستشهاد، يقول الله سبحانه في سورة النساء :( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله)، فهي قانون أزلي جرى على المرسلين ويجري على المومنين أجمعين لقضاء حاجة أو للخروج من ضائقة إلى سعة أو لتحقيق هدف سماوي أو لتحرير وطن مسلم من السيطرة والاغتصاب أو للبحث عن المأوى والرزق والخصب والأمان، والمغاربة في هجرتهم من الشمال إلى الجنوب أرادوا أن يحققوا وحدتهم الإسلامية والوطنية وأن يجمعوا شمل أسرهم المبعثرة وأن يتضامنوا في دولتهم وتحت نظامهم موحدين مسالمين أقوياء منتظمين أغنياء مترفعين لا تفرق بينهم الهواجس ولا تضربهم الأيديولوجيات ولا تضعفهم الخلافات والانقسامات .

فلا مفر من الهجرة عند ما يشتد الضيم وتنقل الكوارث وتتأزم الأحداث ويكشر الطامعون عن أنيابهم المسمومة ليفتكوا بجزء عزيز على كل مغربي لا يبغي به بديلا ولهم اقتداء بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم حينما هاجر من مكة إلى المدينة لينشر دعوته ويبني دولته في ظروف قاسية وصعبة كلها تآمر ومكر وقتل وتعذيب، وقد حقق الله لرسوله بهجرته النصر المؤزر وأعطاه اليقين الكامل وجعل هجرته قدوة لكل مسلم حتى لا يتحمل التشريد والضياع والخضوع لأعداء الله.

والقرآن الكريم تحدث عن الهجرة كتخطيط إلاهي لمن ضاقت بهم السبل وتراكمت عليهم المصائب والأهوال، لأن في الهجرة سعة ورحمة وانعتاقا فإذا كانت لتحرير جزء من الوطن زاد تأكديها، لأن الإسلام لا يقبل هوان المسلم ولا ضياعه ولا استعماره ولا إهانته ولا اضطهاده في عقيدته ورزقه وأهله .

إن في الهجرة خلاصا من الضائقة وأمانا من الفتك ومحافظة على الدين.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مكة حبا جما، ويجد اللذة في الحياة قرب المسجد الحرام والكعبة المشرفة، ولكن حكمة الله فرضت عليه أن يهاجر من البلدة المحبوبة لما تعاظم أهلها وتحيروا وطفوا وبغوا وأفسدوا وعموا وصموا إلى الأرض التي تلقته بالأحضان وناصرته من الأعداء أفلا نقتدي برسولنا ونهاجر إلى صحرائنا لنخلصها من الأوزار فالهدف واحد وإن اختلفت الدواعي.

فيجب أن نضع الهجرة المحمدية في موضعها وأن ندرك مقاصدها وأن نقتدي بصاحبها وأن نضحي بمثل تضحيته وأن نتحمل ما تحمله هو وأصحابه حتى نحقق لوطننا ولإسلامنا ما يرتجى منا بصبر وإيمان وثبات، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ولا نصر بدون تضحية ولا سعادة بدون ثبات.

ومعاني الهجرة هي التوجيه الأصوب لشعبنا لأنها منبع من منابع القوة والصمود والجهاد والنضال لمقاومة الدخلاء والأنذال والمكرة والأغبياء، حق نرد البغي على أعقابه ونثبت أننا شعب قادر على خنق أعداء وطنه لا تصده قوة ولا يخيفه مكر، ولا تقف في وجهه عقبات.

ومعجزة مسيرة الجهاد العظمى أنها مكنت جحافل الشعب المغربي بدون سلاح إلا سلاح القرآن من اختراق الحواجز العسكرية الجهنمية وتحطيم السدود وقطع المسافات الشاسعة تحت وهج الشمس، وسخونة الرمال لاسترجاع ما اغتصب من الوطن بالبغي والعدوان.

وروح المغربي الإسلامية وحبه لوطنه جعلاه يقتحم السدود النارية ليربط بين أجزاء الوطن ربطا محكما قائما على العدل والإحسان، وعلى الواقع التاريخي الذي لا ينكره سوى المتناقضين مع أنفسهم من دعاة الأيديولوجيات المفتراة، فركبوا مركب الخشونة والنذالة ليشعلوا نار الحرب بينهم وبين من يسالمونهم وقد أعانوهم على تحرير وطنهم الإسلامي أيام الشدائد والقسوة الاستعمارية التي لا ترحم، فهل يقبل منهم إسلامهم أن يعتدوا على إخوانهم المسلمين، وأن لا يقبلوا تحكيم كتاب الله الناطق بقوله جل وعلا : "وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن جاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين".

فهذا كتاب الله حكم بين المسلمين إن كانت بينهم بقية تعتز بكتاب الله وتحكمه فيما شجر بين المسلمين، وإن كان المغرب لم يقاتل أحدا ولم يهاجم أحدا ولم يتآمر على أحد.

وإنما لمصيبة عظمى أن يمتنع طرف من المسلمين عن تحكيم كتاب الله والرجوع إلى ما فيه من أحكام وحكم وعبر ناطقة بالحق المبين، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

وبقدر صمود الشعب المغربي في وحدته وإسلامه سوف يحطم جميع الأغلال والقيود ويرتفع بهاته الوحدة إلى مقام العزة والأمان مهما اختلف المختلفون وتجهم المتجهمون وافترى المفترون.

والشعب المغربي لا يخون المواثق والعهود لأن إسلامه يمنعه من خيانتها، فهو وفي الذمة مرفوع الهامة ثابت الجنان راسخ اليقين لا تهزه غواية المجرمين ولو سفلوا وانحطوا وضلوا.

والتجديد بالمطامع والأهواء والتآمر لا يجدي أمام صلابة الشعب المغربي وتطلعه بجماهيره وقيادته وهو يعلم يقينا أن الحقوق لا تنال من المؤتمرات والتجمعات الدولية وإنما تنال بالجهاد والتضحية والبذل والعطاء والوعي بالمسؤوليات الإسلامية والتاريخية والوطنية، وما سوى الجهاد فهو عبث ومضيعة لا تجدي فتيلا.

إن المسيرة الخضراء حدث عظيم في تاريخ المغرب الحديث ورمز للتضامن المغربي، وقوة في الوحدة الوطنية وشعار خالد في التآزر الإسلامي الذي يميز الشعب المغربي، ويظهر وحدته تحت قيادة مسلمة مناضلة تقود بروية وحكمة وتتدبر الأمور بعقلية مفكرة ووعي. ينهض بالمهمات الجسام ليقود الشعب المغربي إلى شاطئ السلامة والنجاة، ويبوئه المكانة اللائقة به كشعب مجاهد صبور منافح عن الإسلام ومكارمه ومقاوم لكل بغي أو طغيان أو تسلط من الخارج للمس بوحدتنا الترابية عن قصد وإصرار، وهذا الجهاد الشعبي العارم لم تنطفئ ولن تنطفئ جذوته رغم الأحداث المتتابعة والصعوبات المتوالية لما منحه الله من قيادة أصيلة في ذات الشعب المغربي ممتزجة به ناشئة من عراقته ورغبته تجعل القيادة والشعب وحدة متراصة ثابتة البنيان عريقة الجذور لا انفكاك لها عن بعضها ولا تزيدها الأيام والأحداث والتقلبات إلا رسوخا وقوة وثباتا.

ولم يعزب عن رأي أمير المومنين نصره الله وهو يخطط للمسيرة الخضراء أنما يجب أن تكون تحت راية القرآن وتتدثر بأحكامه وتسير تحت تعاليمه بجعل ألويتها من المصاحف القرآنية إظهارا للواقع وتأكيدا على أن الوحدة المغربية لا تستقر وتدوم إلا بالإسلام وأحكامه ومناهجه، ثم رأى نصره الله بعد تحقيق الوحدة بين شطري الشمال والجنوب أن يجعلها وحدة دائمة خالدة تذكر المغاربة بتاريخهم المجيد وبتلاحمهم المستمر فقرر أن يكون للمسيرة عيدها يذكر الشعب المغربي في كل سنة بعظمتها لتستمر الجذوة مشتعلة تضيء حقبة من حقب تاريخ المغرب وتجعله في كل عيد يقف وقفة للعبرة والذكرى حتى لا تنطمس معالم الحدث الأعظم لتبقى وحدة العرش والشعب منطلقة وملتحمة وملتهبة بالحماس والعمل الجاد لبناء الوطن بناء محكما سليما من كل ما من شأنه أن يمسه في وحدته أو دينه أو لغته وذلك هو البناء الخالد المستمر المتناغم مع ما يتطلبه الإسلام من تضحية وجهاد دائم لإسعاد الشعب المغربي وجعله شعبا متوحدا في أهدافه ثابتا في نضاله عبقريا في ابتكاراته .

إن الأعياد الوطنية لا تذكر فقط بالمكاسب ولكنما تذكر أيضا بالنكبات ودروسها أقوى في الموعظة والذكرى وأشد رسوخا في النفوس القوية المحافظة على تراثها المضحية بالغالي والرخيص لدفع الشرور وكبح جماح الطامعين حيثما كانوا وأينما وجدوا.

والذاكرة الإنسانية يلفها النسيان فوجب تذكيرها لأن الذكرى تنفع المومنين .

والاقتصار على الاحتفال بأيام العزة والنمو مضيعة للأجيال الناشئة لأنها لا تحس بالآلام التي تحملها السابقون وما تجرعوه على أيدي أعداء الوطن من منغصات في الحرية والثقافة والأرزاق وما ذاقوه من الحزن والأسى، ثم إن التذكير بأيام الوهن الكبرى تجعل الأجيال الصاعدة متوثبة يقظة حريصة على المحافظة على وحدتها وأمجادها حتى لا تصاب بنكسة تضعها في قبضة الأعداء والمغتصبين مرة أخرى.

كم لتراب الوطن من عزة في النفوس وكم لوحدته من قوة ودفع لتحقيق النمو المؤزر،  ولا يدرك قيمة الحرية والوحدة والتلاحم إلا من ذاق سموم التآمر والتفكك وتجرع مرارة الفصم بين أجزاء الوطن الواحد ليصبح أوطانا يفصل فيها بين الأخ وأخيه وهي نكبة أليمة لا يمكن أن يستسيغها شعب ألف الحرية والنضال، وظلت وحدته قائمة تعت العرش المغربي منذ أسس بنيانه الفاتح الأعظم المولى إدريس.

إن عيد المسيرة سيجعل الشعب المغربي يتذكر دائما أبطاله ويتذكر تاريخه الطويل الحافل بالصمود والجهاد قبل الاستقلال وبعده وقد انتزع الشعب المغربي بقيادة عرشه استقلاله بالعرف والدماء فكيف يمح للأوباش أن يمسوا استقلاله أو يهينوا كرامته أو يحطموا وحدته أو يجزئوا ترابه، وكيف يسمح لضخامة من الخوارج أن يستبدوا الجزء من ترابه، وكيف يسح لأسيادهم من فاقدي الضمائر الناكرين للجميل بالتسلط والإذاية دون أن يتحرك فيهم عرف للاعتراف بما للمغرب عليهم من أيادي بيضاء انتشلتهم من الهوة السحيقة التي وقعوا فيها، وقدمت لهم من عيشها وأسلحتها ما مكنهم من الخلاص وترفعت عن أن تطعنهم طعنة نجلاء، بل إن هاته الأيادي الكريمة ضحت بأبنائها لتخلصهم من الأوحال ثم تشاء لهم نفوسهم الشريرة أن يسيئوا للمحسنين ويتآمروا عليهم بصلف ورعونة دون أن يتحرك لهم عرف من الخجل والحياء.

إنها العزة وأي عزة للشعب المغربي وقائده وهو يستعرض شريطا طويلا من النضال المستمر والوحدة الثابتة والاستقرار الدائم واليقظة المستمرة والطمأنينة الأبدية حتى وجيوش الاستعمار تجوس وطننا بأوحالها وتذيق أهله الحسرات والآلام بجبروتها وتسرح خلال الديار بمكرها وتقترف من المناكر ما تستحيي الإنسانية من سرده، والشعب وقتئذ أعزل إلا من إيمانه ووحدته وتلاحمه مع عرشه فلم يتخل عن حقوقه قط واتخذ من وسائله المحدودة ما استرجع به مجده السليب وهو غارق في دمائه المسالة وفي تشريده وتعذيبه بين الجلادين المكرة المتسلطين المبتزين للخيرات الفاقدين للشعور الإنساني الحليم، وكل ذلك لم يؤثر في السيرة التاريخية المظفرة بصبر وجلد وشجاعة وتضحيات نادرة وتذوق للشهادة لتستمر مواكب النصر في طريقها.

ويجب أن نذكر هنا بعظمة الإسلام وتحريك هذا الدين للنفوس لتتقدم إلى ساحة الشهادة بيقين المومن وصبره واعتماده على ربه ، وجموع أخرى من المومنين تتجمع في المساجد لتقرأ اسم الله اللطيف تستمطر به النصر وتقاوم به جبروت المحتلين وتقوي به من عزائمها لتسترخص التضحية والفداء، فهي مقاومة ليست سلبية وإنما هي إيجابية هادفة تيقن بالفتح المبين وتبعث الإحساس بقدرة القادر الذي ربط بين العمل والاعتماد عليه وهي ليست اتكالية منبوذة ولذلك أنتجت وأثمرت وآتت أكلها طيبا هنيئا.

وفي المسجد يستمع المومنون لخطب الحماس والتذكر والوعظ وضرب العبرة من سيرة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يتخذ من المجد قبلة للعبادة ومحكمة للعدل وبرلمانا للتشاور ومركزا لقيادة الجيوش ومحطة لإسعاف الفقراء والمعوزين .

وفي المسجد تظهر الوحدة في أجلا مظاهرها وفية تتطهر النفوس من أوساخها وتراجع أعمالها وتقبل على ربها مستغفرة آيبة تائبة، وبهذا التطهير ينطلق الأبطال الأشاوس لوقف زحف المغرورين والمتلبسين والطامعين والمفسدين.

ولولا الإسلام وروحانيته العذبة ما وقف محمد الخامس مواقفه الرائعة وتحمل النفي والأذى مع أسرته الكريمة حتى عاد إلى وطنه يعلن لشعبه بلسانه المومن : أيها الشعب الوفي مهما تمسكتم بالعروة الوثقى ما كان شيء ليضركم كيفما كانت شدته إذ لا شدة تدوم في الحياة الدنيا، أيها الشعب العزيز وعدت بالإخلاص فوفيت أحسن الوفاء وكنت من الصابرين فكان لك ما وعد الله به إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. أيها الشعب العزيز قد أخلصت الوفاء كما أخلصت وأديت الواجب أحن أداء كما أديت وها أنا بينكم كما تعهد ونناحب البلاد رائدنا وخدمتها غايتنا. الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور.

فبهذه الكلمة المؤمنة رجع محمد الخامس إلى عرشه ليبني الاستقلال والوحدة بتضافر الجهود ووحدة الصف ونبل العواطف والسير إلى الأمام بالعقيدة الإسلامية التي هي منبع النصر وقوة الجهود والتغلب على المصاعب والشدائد، وذلك هو المسلك الذي يسلكه خلفه جلالة الحسن الثاني الموقن بأن الإسلام هو الركيزة الأساسية في رقي هذا الشعب وتوحيد صفوفه وفتح الأبواب في وجهه، فاعتمده جلالته في المسيرة الخضراء المظفرة اعتمادا مطلقا ليقينه أنه لا نصر لهذا الشعب إلا بالإسلام ولا وحدة له إلا به ولا قوة له إلا بالاعتماد عليه.

فلنتكاتف بعقيدتنا وراء إمامنا ولنتوحد بها لرد اعتداء المعتدين وكيد الكائدين حتى نحافظ على وحدتنا الأصيلة بين شمال المغرب وجنوبه ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here