islamaumaroc

رسالة العرش العلوي متواصلة وبيعة الشعب المغربي خالدة

  محمد العربي الزكاري

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

أسلوبنا في الحياة :
منذ أنعم الله تعالى على شعبنا بنعمة الإسلام وأضفى الحق سبحانه عليه رداء الإيمان، اختط لنفسه أسلوبا للحياة الجديدة الملائمة لهذا الدين، واختار لمواكبة الإشراقة الربانية نمطا فريدا يليق بمجتمع إسلامي نظيف كل النظافة، طاهر أتم ما تكون الطهارة.

وما كان شعب المغرب في يوم من الأيام وعلى مدى تاريخه الطويل إلا شعبا وفيا لعهوده، صادقا في انتمائه، حريصا كل الحرص وأعمقه على أن يحتفظ دائما وأبدا بهذه المزايا.

فالإخلاص شيمة من شيمه، والمحبة ميزة من مميزاته، والوفاء خصلة من خصاله، والنضال مبدأ من مبادئه، والمحافظة على العهد إرث تسلمه الخلف عن السلف كأمانة غالية، والنجدة مغروسة في قلوب أبنائه وأفئدتهم وعقولهم ومشاعرهم ووجدانهم، ومناسبة الاحتفال بعيد عرش العتيد تتيح لنا فرصة الحديث عن مصالح بارزة في كفاحنا الوطني بجانب العرش، ومواقف عرشنا البطولية في سبيل الشعب المغربي الوفي.

بيعتنا إسلامية :
أشرنا إلى أن شعبنا إختار لنفسه نمطا للحياة، ويتلخص نمطه هذا في الاستظلال براية عرش ينبع من أرومته، ويتسلم هذا العرش عصا القيادة من الشعب في صك البيعة باعتبارها تقليدا إسلاميا صميما، لا تتدخل فيه المحسوبية، ولا تستغله الاتجاهات المختلفة، وإنما ينبع من التشاور والرؤية الواضحة لأبعاد المستقبل، وتتزعمه العناصر المعروفة بأهل الحل والعقد من العلماء والشرفاء والوجهاء وذوي الحصافة والإخلاص في الأمة، بحيث تعتبر البيعة المغربية إسلاميا وعرفيا إجماعا شعبيا كاسحا.

ومن دواعي فخرنا وزهونا أن شعب المغرب لم ينحرف طيلة مئات السنين عن هذا الاتجاه السليم، ولم يتنكر لهذا المبدأ القويم، فقد ظل وفيا لعرشه كل الوفاء، ومتعلقا بملوكه أعمق ما يكون التعلق، فيأتمر بأمرهم، ويسير في ركابهم، ويبذل في سبيل العرش الأرواح والدماء، ويجود من أجل الحفاظ على رمز كيانه راحته وثروته عن طواعية وبسخاء.

تاريخنا يتحدث :
ولتوضيح الصورة أكثر ما يكون التوضيح، وإزالة الغشاوة عن الجاحدين والمتنطعين نستدعي القارئ الكريم لمرافقتنا في رحلة مختصرة وعابرة، ولكنها مشرقة ولامعة من تاريخنا القريب، والقريب جدا.

فبعدما آلت قيادة عرشنا بسنوات معدودة إلى أب المغاربة قاطبة محمد الخامس رحمة الله عليه، أحس الاستعمار بخيبة أمله وبالخطر الذي يهدد مستقبله، يأخذ يراوغ ما وسعته المراوغة، ويحاول بكل وسائله الملتوية عرقلة مطامح عرشنا وتطلعات شعبنا، بغية إحكام قبضته الحديدية علينا وضمان استمرار استعبادنا، وغاب عن دهاقنته أن شعب المغرب لا ينام على الضيم، وأن عرشه لا يقبل غير حرية شعبه، ويرفض رفضا باتا وقاطعا التدخل الأجنبي في شؤونه الخاصة والعامة ولو بلغ المتدخلون من الصلابة والعناد والعجرفة الحد الأقصى.

من هذه المفاهيم الضاربة جذورها في القدم، ومن تلك الحقائق التي واكبت تاريخنا على مر العصور والأجيال، وفي الجو الخانق والناتج عن عجرفة رجال الحماية وغطرسة الموجهين لسياستها الرهيبة، برزت الحركة الوطنية المغربية في شكل كتلة متراصة، أسلم إليها الشعب قيادته، وأولاها ثقته، ومنحها تأييده، وبارك تحركاتها باستمرار، فكافح رجالها ما وسعهم الكفاح، وناضلوا في الداخل والخارج بكل ما يملكون من رصيد وطني وشجاعة منقطعة النظير.

خذلان الاستعمار :
وشاءت قد ة الله القاهرة واقتضت حكمته الباهرة خذلان الاستعمار، فهيأ سبحانه أسباب هذا الخذلان على يد المستعمرين أنفسهم، فأصدروا المرسوم البربري الشهير الذي جاء نعمة على المغرب ونقمة على الاستعمار، فقد أشعل فتيل الغضبة الشعبية العارمة على الدخيل رغم ما صحبها من تقتيل وتعذيب وتشريد، وهكذا انكشف الغطاء عن مكر الاستعمار وخداعه وتمويهه بفضل هذا المرسوم الذي استغلته الوطنية المغربية استغلالا واسعا، فقدمت للعالم كله "الحماية الأجنبية" على حقيقتها لنظام استعماري وعنصري واضح وخطة عدائية وصليبية صرفة.

أهداف موحدة:
وتتفرع عن الكتلة الوطنية أحزاب سياسية نهج كل واحد منها نهجه الخاص وبأسلوبه المميز في محاربة الاستعمار، والتنديد لمخططاته، والوقوف في وجهه بصرامة، يجمعها صعيد واحد، ومطلب واحد، ومحور واحد، فصعيدها الكفاح مند الاستعمار، ومطلبها إلغاء الحماية، ومحورها عرشنا الصامد والعتيد.

وللحقيقة والتاريخ نؤكد أن الأحداث التي مرت في هذه الفترة، والتحركات التي ظهرت على الساحة المغربية والعربية والإسلامية والدولية كان مصدرها القصر الملكي باعتبار محور كل الجهود المبذولة من طرف القوى الوطنية، مما يوضح الوشائج المتينة التي تجمع القمة والقاعدة في جنوب المغرب وشماله، والانسجام الواضح بين الشعب والعرش في السراء والضراء، ولولا هذه الروابط والوشائج لتعثرت سيرة التحرر وأصاب الزحف الوطني الوهن والحيرة والارتباك.

نهاية الاستعمار :
وللتعجيل بنهاية الاستعمار وتحقيق الاستقلال ارتكب غلاة الحماية حماقتهم بتنحية رمز السيادة المغربية عن عرشه وإبعاده وأسرته عن وطنه، فكانت انتفاضة الشعب المغربي أكثر عنفا وأبعد أثرا، حيث أعلنها غضبة مضرية أقضت مضاجع الحماة وأقلقت راحتهم وأفشلت مؤامرتهم الظرفية ومخططاتهم المستقبلية، وكانت النتيجة الحتمية لهذه الانتفاضة العارمة والغضبة الكاسحة، أن عاد محمد الخامس بصك الحرية الكاملة ووثيقة الاستقلال التام.

ويشاء الله تعالى أن يختاره بجواره بعد أن أدى الأمانة بصدق وإخلاص، وحقق لشعبه أغلى أمنية وأعز مطلب بعد معاناة لا يتحملها إلا مؤمن بالله، معتمد عليه، واثق بوعده سبحانه بالنصر المؤزر في نهاية المطاف "وكان حقا علينا نصر المومنين ".

ويستلم ولي عهده جلالة الحسن الثاني عصا القيادة في مستهل الاستقلال الذي كان ركيزة أساسية من ركائزه القوية، والمتحمل لقسط وافر من معاناة تحقيقه، باعتباره العضد الأيمن لوالده قدس الله روحه، ومن الواضح أن مسؤوليات العاهل في مستهل الانعتاق وفجر الاستقلال مسؤوليات ضخمة تتطلب عملا متواصلا، وعزيمة صلبة، ومثابرة منقطعة النظير، ومن طالع سعد أمتنا أن هذه المزايا من أبرز خصائص عاهلنا المفدى.

متطلبات الاستقلال:
ومن المسلمات بالنسبة لكل دولة حديثة عهد بانتزاع سلطتها أنها في حاجة ماسة وأكيدة إلى من يعيد بناء هيكلها، ويضفى عليها أردية الدولة بمعناها الكامل والشامل، وشعب ظل أكثر من أربعين سنة تحت سيطرة الدخيل يمزق شمله، ويبتز خيراته، ويقوض أركانه، ويحارب عاداته، ويخرب عقول أبنائه، ويتآمر على معتقداته، في حاجة ماسة وأكيدة إلى من يأخذ بيده لترميم هذا التصدع، ويمهد له الطريق لتخطي العقبات، ويعيد إليه الثقة في نفسه، ويدفع به إلى البناء والتشييد والتعمير، فكان جلالة الحسن الثاني لهذه المهمات الضخمة بما يتوفر عليه من كفاءة علمية، وحنكة سياسية، وحصافة فكرية، وتطلع إلى الغد المشرق.

وحتى نختزل الحديث عن فترة ما بعد الاستقلال نكتفي بوضع الخطوط الرئيسية لخريطة متطلباتها التي بتحقيقها تستقيم الأوضاع على أمتن الأسس، ويقوم صرح المغرب الجديد السياسي والاقتصادي والصناعي والعمراني والثقافي والاجتماعي والعسكري على أقوى الأعمدة وأصلبها.

فجهاز السياسة يتطلب إصلاحا جذريا ليواكب المغرب المنتمي إلى العروبة في دمه والإسلام قي عقيدته والتعاون الدولي في أسمى معانيه، والهيكل الإداري يحتاج إلى التقويم والجدية والتشذيب من العنصر الدخيل، والميدان الاقتصادي الذي كان مبنيا أساسا على ابتزاز الأجنبي لأغلبية العائدات يفتقر إلى شجاعة فائقة لإعادة فوائده إلى القنوات الشعبية، والميدان العمراني في حاجة إلى تخطيط جديد لمسايرة التوسع الذي يشهده المغرب المتوثب، والحقل الثقافي القائم على التغريب والتشويه للحقائق التاريخية القومية والعربية والإسلامية، يستدعى تفكيرا عميقا لتحويل التيارات المدخولة إلى واقعها الأصلي، والساحة الاجتماعية التي خلخلها الاستعمار أملا في إحكام قيوده على شعب متفسخ تتطلب تحركا سريعا للمحافظة على الأصالة المغربية الصميمة والطابع الإسلامي المتميز، والميدان العسكري هو الآخر يمتص جهودا جبارة ومتواصلة ليصبح في مستوى تطلعات المغرب إلى حماية نفسه والدفاع عن كيانه.

وحدتنا الترابية:
وأبرز هذه الواجهات وأحقها بالعناية الكاملة "الوحدة الترابية" التي مزقها الاستعمار كل ممزق، واختلس منها أيام غطرسته ما اختلس، ومن الواضح أن الكيان الوطني يعتبر الشغل الشاغل لكل مسؤول في بلد حر، وإن نحن رجعنا إلى اليوم الأول لانطلاق المسيرة الخضراء لتحرير صحرائنا المغتصبة نقف مشدوهين من العبقرية الحسنية والحنكة السياسية والتخطيط المحكم لانجازها، وعسى أن تكون في حد ذاتها مقدمة لاسترجاع ما تبقى من الأجزاء المغرية التي لا يزال بعض الذين يحلمون بالتمسك بها كإرث استعماري لم يعد في الدنيا من يباركه على الإطلاق، باستثناء بعض الذين يعيشون تحت تأثير المخدرات الاستعمارية، رغم ما أصبح العالم الحر يتوفر عليه من منظمات دولية تدين الاستعمار وترفض رفضا باتا وقاطعا السكوت على الاحتفاظ بالاسلاف.

من هذه الواجهات المعقدة والمتشابكة انطلقت جهود الحسن الثاني في عهد والده المنعم وبعد ما تسلم الأمانة، وانطلاقة كهذه تعتبر رسالة ممتدة عبر تاريخ ملوكنا، ولا تزال متواصلة على يد عاهلنا العظيم بكل وفاء وإخلاص وجدية وحماس، لا يعترى أداءها فتور ولا يتسرب إليها وهن.

ومواقف شعبنا البطولية بجانب عرشه الخالد، وتضحيات عرشنا وعمله المتواصل والشجاع في كل الميادين، يؤكدان بيعة شعبنا الدائمة ورسالة عرشنا المتواصلة وهي القاسم المشترك الذي يجمع بين العرش والشعب، والبوتقة التي انصهرا فيها فخرجا متحدين متعاطفين متحابين على مر العصور والأجيال.

شعار خالد :
إن «الشعب بالعرش والعرش بالشعب"، كان شعارا صادقا كل الصدق، ومعبرا أعمق تعبير عن خلجات شعبنا إزاء عرشه العلوي، وإبرازا لاعتقاد عرشنا في شعبه الوفي الأمين، وهو فوق ذلك وبعده تعبير واضح عن بيعتنا الخالدة، ورسالة عرش المتواصلة، وامتداد لهذه المسيرة المشتركة في بناء حضارة مغربية صميمة.

وهنا لا أجد مناها من الإشارة إلى ظاهرة لابد من معالجتها بكل أمانة وإخلاص وتجرد من مركب النقص، فحري بمغربنا وهو يوطد أركان وحدته ويقيم صرح وجوده، أن نعرف جيلنا الفتي بملاحم الوطنية المغربية تعريفا جامعا، ونركز على توعيته بهذه الملاحم حتى يكون على إطلاع واسع بظروفها وملابساتها وتضحية رواد الوطنية وشهداء الحرية الذين بفضلهم ننعم جميعا ونستظل بظلال الحرية الكاملة.

فمن المؤسف أن يكون جيلنا الفتي في أكثريته يجهل ملاحمنا الوطنية على حقيقتها وبتفصيلاتها، ولقد حان الوقت لتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة وتزويد شبابنا بالحقائق الثابتة بمراحل الكفاح الوطني النزيه حتى نقتلع من مخيلته الأوهام التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

إرث شعبي:
ومن المسلم به أن تاريخ الحركة الوطنية إرث شعبي لا يصح التفريط فيه ولا طمس معالم بعض جوانبه، وإلا كنا مسؤولين أمام الأجيال المقبلة على هذا التفريط الذي لا مبرر له وطنيا وإسلاميا، ومهمة كهذه موكولة إلى الوزارة المختصة التي عليها أن تؤديها بصدق وأمانة في المدارس والمعاهد والكليات وبجدية واستمرار، حتى نعرف أجيالنا بتاريخ بلادهم تعريفا صادقا، وفي الوقت نفسه نبث في قلوبهم الاعتزاز بشهدائهم ورواد استقلال وطنهم، وبذلك نعدهم إعدادا وطنيا متحفزا للدفاع عن بلدهم كلما دعت الضرورة إلى التضحية كما فعل رواد الوطنية المغربية، ولا شيء يؤهل الشباب لهذه المهمة السامية سوى تقديرهم لتضحيات من سبقهم إلى ميدان الشرف وساحة الاستشهاد في سبيل المثل العليا.

تهنئتنا أسمى وأكبر :
ونصل إلى نهاية مطاف هذه الكلمة التي يشهد الله أنها صادرة من أعماق الأعماق والتي أوحت بها ذكرى عيد العرش المجيد، فنزف تهنئتنا لجلالة ملكنا المفدى في إطارها الوطني الصادق وهالتها الإسلامية المشرقة، وتتلخص في بلورة شعورنا نحو عرش في بيعة مغربية قديمة وجديدة وخالدة، نعتز بها ونفخر ونعتنقها عن طواعية واختيار، وهي أسمى من كل عبارة وأكبر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here