islamaumaroc

تأملات في القرآن الكريم (وعلم آدم الاسماء كلها ) في التفسير الحضاري

  حسن السائح

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

قرأ الإنسان قبل أن يتعلم.. فقد قرأ بعينه كتاب الطبيعة المفتوح أمامه، وقرأ بسمعه الأصوات التي يستمع إليها أو يسترق السمع إليها، وقرأ بحاسة اللمس كل ما يحيط به من أدوات مادية تتعقبها أنامله وقرأ بحاسة الشم ما تجمله إليه النسائم والرياح.. ولم يظهر العباقرة إلا من بين الذين يقرأون الأصوات بأسماعهم فيصوغونها نغما موسيقية منسجمة غير متنافرة، والذين يقرأون الألوان بأبصارهم فينقلونها في لوحات تشكيلية ينسجم فيها التعبير باللون، والذين تصوغ أصابهم من التراب والحديد والذهب قطعا وأثاثا فنية تبدو عليها قدرات اللمس باليد، إن القراءة فن عظيم، ولكنها ليست هي التعليم.. بل هي أساس (التعلم)، أما التعليم فيكون بالقلم والريشة والتقطير.. التعلم موهبة، والتعليم صناعة، والتعلم إما فطريا وإما صناعيا، أما التعليم فهو بالصناعة أساليب تلقين المعرفة.. ولذلك فإن الله تعالى دعا الإنسان أن يقرأ.. أولا ثم أن يتعلم بالقلم ثانيا.

ولقد علم آدم الأسماء كلها، فوهبه أول اختراع ليستغله فيطوره ويحسنه وينميه، فيزداد علما والتعليم هو صناعة للجماعة، فلا بد له أن يعتمد على أصول مشتركة بخلاف القراءة فكل إنسان يقرأ الموضوع كما يريد وكما يشاء، ومن أية زاوية يريد، ومن أية ناحية يشاء.. إن القراءة تصدر عن طبيعة الإنسان وعلاقاته بالموضوع الذي يريد إدراكه، ولذلك فهي رهينة بشخصيته وحريته ورغبته، أما التلعم فهو تأكيد للعلاقات بين الإنسان والإنسان، فلهذا لا بد له من أصول مشتركة، ومن اصطلاحات مضبوطة لأنه عملية تواصل ولهذا فالتعلم أساس الترابط الزماني والمكاني ووسيلة نقل الأفكار واستمرار الحضارات وتبادل الثقافات.

ولقد علم الله آدم الأسماء كلها، وضمن الأسماء المسميات، فلا مسمى بدون إسم ولا يمكن العكس كذلك، وتعليم الله تعالى لآدم عليه السلام هو نواة (المدرسة الأولى) وهو تعليم يقوم على أساس خلق الملكة الأولى في الإنسان ليتعلم باستمرار، وينمي معرفته باستمرار كذلك..

وهذا هو أساس كل تعليم ولذلك فكل تطور في التعليم يقوم أساسا على صقل الملكة وتهذيبها، وصقل المعلومات المقدمة إليها، والبحث عن أنجح الوسائل ليتم الاتصال بين الواقع وبين عقل الإنسان.. وينتج عن ذلك أن تتعاظم طبيعة اللغة وتتزايد في نموها الكمي والكيفي معا ليتأتى أن يتطور الإنسان في حياته الاجتماعية عن طرف تطور اللغة نفسها، لأنها تعني الفكر ذاته فلا لغة بدون تفكير ولا تفكير بدون موضوع.. فالعلاقة جدلية بين فكر الإنسان المفكر، وبين تطور اللغة التي يعبر بها عن حيوية فكره وبين تطور الموضوع الذي يعالجه البحث ولقد وصل الإنسان اليوم إلى ثورة تكنولوجية أي تطور في أدوات إشاعة العلم سواء في موضوعه أو نقله إلى ميدان التجربة، أو إشاعته في الحياة نفسها..

والثورة التكنولوجية تمس اللغة والتفكير والموضوع وتقفز بالجدلية من التفكير والتعبير إلى ميدان المادة نفسها التي أصبحت ذات اثر على التفكير واللغة إن لم نقل أصحبت ذات سيادة عليهما معا.. وبذلك نقصت المعادلة من التوازن، إذ أصبح الموضوع يسيطر على التفكير واللغة بدل أن يسيطر الفكر على الموضوع، وأحيانا تصبح (الكلمة الاصطلاحية) نفسها تخلق الموضوع والتفكير فيه..

إن الكلمة اليوم أصبحت أكثر قوة، وأبعد مسارا، وأقدر على خلق الدينامية في الموضوع لأنها بوسيلة المواصلات الحديثة غدت تنقل الأفكار من جهة إلى أخرى في سرعة مذهلة، وتقذف الأفكار إلى البروز والظهور والتموضع.. وأصبحت اللغة ليست مجرد كلمات أو رموز ولكنها أسلوب في التفكير، وطريقة في النظر، ولا تعرف الكلمة في القاموس بقدر ما تعرف في البحث والمقال والحديث، لأن المذهب البنيوي كتب عن طبيعة اللغة في التركيب العام للموضوع، ووشائج اتصالاتها بمختلف المفاهيم ولا تنفصل اللغة عن المتكلمين بها، ولا عن مكانتهم الاقتصادية والسياسية، فقد تسود لغة على لغات شعوب أخرى كما تسود أمة على الأمم سياسيا وعسكريا، وقد تضعف وتتهاوى كما تضعف الأمم والشعوب، وقد تقف لتصارع لغات أخرى تواجهها كما يتصارع المتصارعان فيغلب أحدها الآخر، ويصفق الجمهور لهذا ولا سيصفق للآخر.. واللغة في نفس الوقت تستطيع الاستمرار في التطور والتجديد، وأحيانا تتقاعس وتضعف ضعفا ذاتيا أي أنها قد تستمر متمتعة بالصحة والنماء، وقد تصاب بالمرض والوناء، حتى أن بعض اللغويين يصفها بأنها كانت حي يعتريه ما يعتريه الكائن من صحة ومرض قد تكون اللغة قروي بذاتها وشخصيتها، إذ بصفتها كائنا عضويا، فإنها هذه الصفة تكون قوية أو ضعيفة حسب بنيتها، إذ كما يكون الجسم قويا أو ضعيفا حسب تكوين خلاياه فإن اللغة نفسها، تخضع لهذه القاعدة، فعلى حسب القدرات الفكرية والدقة في التعبير والحاجة الماسة إلى التعبير، تضطره كفاءة اللغة وقدرتها على المواجهة والصراع والانتصار، وهي لن تستطيع ذلك إلا إذا كانت منتظمة منظمة وانتظامها في تحسين بداكوجية تعليمها، وقدرتها على استيعاب معطيات الحضارة وعلى خلق المصطلحات، وإذا عدنا إلى واقع المغرب الحضاري، نجد اللغة العربية لغة حضارية ورسالة، وهذا ما يجعل جذورها متأصلة في داخل النفس الإنسانية والمجتمعات المسلمة، واكتسبت قدرة على استيعاب المنجزات الحضارية والتعبير عما يختلج في عقل الإنسان ووجدانه، وما يفرزه عقله من تفكير، وبذلك ربطت بين الإنسان وبين المجتمع، ورغم ما وجدت في طريقها من عقبات وبالأخص من استعمار الذي حاول جهده أن يقلل من شأنها أن يقضي عليها، فقد ظلت نظرا لاتساع رقعتها الجغرافية تناضل في كل الجهات وترد مختلف المؤامرات.

ولا شك أن هذه اللغة وجدت في القرآن والحديث والدين الإسلامي كل عناصر القوة لتظل منتشرة في رقعة جغرافية ممتدة في معظم القارات، واستوعبت كل الكلمات والمفاهيم التي وجدتها في كل مكان، فتفاعلت معها ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا بل كانت سببا في حمايتها وتنميتها وإعطائها قوة وقدرة على الصمود حتى إذا هاجمتها الحضارية العربية، وجدت نفسها قادرة على أخذ ما تحتاج إليه دون أن تفقد خصوصيتها، وإذا كنت الآية القرآنية تؤكد على أن الخالق تعالى (علم آدم الأسماء كلها) فإن التعلم يقتضي الاستمرار، وإن المسميات تنكشف يوما بعد يوم، وأن على الإنسان أن يطور جهوده البيداكوجية ليسهل تعليم اللغات بتطوير الدراسات المتعلقة بتعليم اللغة، سواء الدراسات المتعلقة بتعليم اللغة، سواء الدراسات البنيوية أو الشكلية وسواء اللهجات المحلية أو اللغات الكبرى، فاللغة، في الواقع، هي أداة التواصل الثقافي والحضاري، ولا توجد حضارة بدون لغة، بل هي المقياس الحقيقي لقيمة الحضارة ومكانتها وقدرتها على الإشعاع، ولقد اهتم المسلمون بنشر اللغة العربية وتطويرها باعتبارها أداة الازدهار الحضاري.

وما تزال هذه اللغة العربية قادرة على القضاء والملاءمة فهي أصل كل اللغات باعتبار أنها التي استوعبت خصوصية الاستمرار والانتشار.. أن تكون لغة القرآن معنى ذلك أنها لغة انتشارية عالمية، تجد في الفكر الإسلامي كل عناصر التطور والنماء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here