islamaumaroc

افتتاحية: عرش القمم

  عبد القادر الإدريسي

العدد 234 جمادى 1- جمادى 2 1404/ مارس 1989

أصبح العرش المغربي عرش القمم، منذ أن تصدى للمهام العربية والإسلامية الصعبة، واختار أن يكون وكيلا عن الأمة في القيام بأعباء القيادة الرشيدة الواعية المسؤولة للمسيرة السياسية، في أجواء دولية شديدة الاضطراب، بالغة الخطورة، عاصفة المناخ، كثيرة تقلباته على مدى ثلاث وعشرين سنة، من المؤتمر التأسيسي لمنظمة الوحدة الإفريقية، إلى مؤتمر القمة الإسلامي الرابع بالدار البيضاء.
ولقد قاد المغرب العمل العربي والإسلامي والإفريقي على المستوى الدولي ومن موقع التميز والتمكن والاقتدار، وسار أشواطا بعيدة في هذه الطريق، وحقق للأمة وللقارة من المكاسب والإنجازات ما لم يكن ليعققها سواه، وخلق إطارا للتعاون المشترك في المجالين (العربى الإسلامي) و(الإفريقى) وأعطى للجهود المبذولة فى هذا النطاق نفسا قويا، ورفع بها من المستوى الثنائي غير المستقر، إلى المستوى الجماعي المخطط له والقائم على أساس الإدراك الواعي للمصالح والمنافع والمقاصد والأهداف المشتركة، وبذل من الجهد والسعي والعمل على مختلف الأصعدة ما جعل جميع المؤتمرات، سواء تلك التي انعقدت فوق أرضه، أو شارك فيها بالحضور في أقطار أخرى، مناسبات لتقوية شعور التضامن، وعقيدة الإخاء، ومبدأ العمل الجماعي. وتواصلت مساعي المغرب في هذه الحقول، فكانت أرضه منطلقا للوحدة الإفريقية، وميلادا للتضامن الإسلامي، ومبعثا للإجماع العربي حول شرعية منظمة التحرير الفلسطينية وتمثيلها الذي لا ينازع فيه للشعب الفلسطيني. ذلك أنه مهما تكن الموضوعية التي ننظر بها إلى دور المغرب في هذا السياق، فإنه لا يمكننا أن نغفل أن منظمة الوحدة الإفريقية تأسست في المغرب سنة 1961، وأن منظمة المؤتمر الإسلامي ولدت على أرضه سنة 1969، وأن القرار التاريخي باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني صدر عن مؤتمر القمة العربي بالرباط سنة 1974، بالإضافة إلى عشرات القرارات المصيرية والمواقف الحاسمة، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر أن من المغرب انطلق أول جيش عربي شارك في حرب رمضان سنة1973، قبل موعد الحرب بستة أشهر. كل هذا يؤكد لنا بجلاء تام، المكانة الشامخة التي يتبوأها المغرب في الساحة العربية والإسلامية والإفريقية، في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ العالم قائدا ورائدا للعمل التضامني الوحدوي المشترك سعيا وراء إقرار الحق والعدل والسلام، وإنقاذ البشرية كافة مما يهددها من شر مستطير.
وإذا كانت القمة الأولى التي يعتليها العرش المغربي هي قمة المغرب شعبا وأرضا وكيانا ونظاما وحضارة وتاريخا، فإن القمم الأخرى التي يحتل مكانته فوقها هي الوطن العربي الإسلامي في المقام الأول، والقارة الإفريقية، باعتباره من الدول ذات السبق في ارتياد الآفاق الإفريقية من أجل استكمال تحرير شعوبها وبناء نهضتها وإقامة صرح ازدهارها. وهي كلها قمم لا تطال، بعضها إلى جانب بعض، مما جعل العمل لها ومن أجلها عملا متكاملا يكمل بعضه بعضا.
فهو، إذا، عرش القمم، بكل ما في ذلك من معاني البطولة والجسارة والقدرة على الاقتحام والتحدي ورد الفعل الذي لا يرقى إلى مستوى الفعل فحسب وإنما يفوقه مضاء وعزما، الأمر الذي يشد الأفئدة والعقول إلى المغرب، ويجعله قبلة للعاملين للعروبة وللإسلام، وللأمن والسلام العالميين، ومحجا لكل الإرادات الخيرة التي تنشد الغير للإنسانية جمعاء.
وقيمة العرش وأهمية دوره من وزن الجالس عليه وثقله على الصعيد العالمي، وجلالة الملك الحسن الثاني، من القلة النادرة في العالم المعاصر التي تتصف بسجايا ومزايا قلما تجتمع في القائد الواحد، فجلالته إلى كفاءته العالية في إدارة العمل السياسي الدولي، ومقدرته الفائقة على التحكم في مسار هذا الضرب من الكفاح السياسي والنضال الفكري، أتاه الله من القدرات والملكات والمواهب ما جعل منه رجل دولة ليس كرجال الدول، وقائد شعب وأمة يضاهي قادة الشعوب والأمم حنكة وتجربة ودربة، وحكمة وعلما وبصرا بالسياسة الدولية، ووعيا وإدراكا وإحساسا وتقديرا للمسؤوليات الثقيلة التي تنوء بها العصبة أولو البأس من القادة والرجال .
إن عرش المغرب يضع نفسه دائما فى خدمة العروبة والإسلام، وفي تعزيز الجهود الدولية لإقرار الأمن والسلم ولتوفير الرخاء والرفاهية والتقدم للإنسان، فهو بهذا الاعتبار عرش قائد ومجاهد، في تبصر وحكمة ، يعمل من أجل الأمة العربية الإسلامية، ويناضل في سبيل الحرية والخلاص لشعوب إفريقيا وللبشرية جمعاء، وهو بذلك يحتل المكانة التي هو أهل لها وجدير بها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here