islamaumaroc

الإسراف هو الإنفاق على المعاصي

  دعوة الحق

27 العدد

ألقى الأستاذ أحمد مظهر العظمة محاضرة من محطة الإذاعة في دمشق يوم الثلاثاء 10 من ربيع الثاني 1379 لموافق 12/10/1959. وقد ذكر في حديثه أن الإسراف هو تجاوز الحد بالإنفاق على المباحث، حتى جعل تجاوز الحد بعمل الخير إسرافا، وساق في حديثه قوله تعالى في سورة الأنعام «كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين» وهذا الفهم لمعنى الإسراف وبالتالي لحكم الشرع فيه، وإن غلب على أذهان الكثيرين ولكنه غلط محض ويخالف ما تعنيه كلمة مسرف شرعا، وهو أيضا مخالف لحكم الإسراف في الشرع، وهو استعمال للمعنى اللغوي فيما وضع له الشرع، وترك للمعنى الشرعي، ففي اللغة الإسراف هو تجاوز الحد والاعتدال ضد القصد، ولكن هذا المعنى اللغوي قد وضع له الشارع بجانبه معنى شرعيا مع بقا المعنى اللغوي، كما هي الحال في كلمات «الصلاة» «الزكاة» «الطهارة» وغيرها من الألفاظ التي لها معاني لغوية وقد وضع الشرع لها معاني شرعية، فلا يصح أخذ المعنى اللغوي من الجملة المراد فيها المعنى الشرعي كما لا يصح أخذ المعنى الشرعي الذي وصفه الشاعر للإسراف فهو غير المعنى اللغوي، إذ وردت كلمة الإسراف والمسرفين بمعان متعددة، فوردت وأريد بها إنفاق المال فيما نهى الله عنه، ووردت وأريد بها مجاوزة الحد فيما حدده الله وبينه. وهي بجانب الإنفاق محصور معناه شرعا في إنفاق المال فيما نهى الله عنه، فكل نفقة أباحها الله تعالى وأمر بها كثرت أم قلت فليست إسرافا وكل نفقة نهى الله عنها قلت أم كثرت فهي الإسراف، لأنها مجاوزة للحد الذي حده الله بأوامره ونواهيه، وقد روى عن الزهري أنه كان يقول في قوله تعالى : «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» كان يقول في هذه الآية «لا تمنعه من حق ولا تنفقه في باطل». على أن قوله في الآية «كل البسط» البسط جائز، وأما كل البسط فهو المحرم والبسط يكون بسطا في الحرام وبسطا في الحلال.
وقد وردت كلمة الإسراف في القرآن الكريم في عدة آيات «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما» فالإسراف هنا إنما هو الإنفاق في المعاصي أما المباحث فلا إسراف فيها، ومعنى الآية لا تنفقوا أموالكم في المعاصي ولا تبخلوا بها عن المباحات، بل أنفقوها على ما هو أكثر من المباحات إي على الطاعات، فالإنفاق على غير المباحات مذموم، والبخل عن المباحات مذموم والممدوح هو الإنفاق على المباحات والطاعات، قال تعالى «ولا تسرفوا أنه لا يحب المسرفين» وهذا ذم من الله للإسراف وهو الإنفاق على المعاصي.
أما كون الإسراف هو مجاوزة الحد فيما حدده الله تعالى فهو في قوله تعالى «وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين» أي لا تخرجوا مقدارا للزكاة مما فرضه الله فيها لأنه زيادة عما أمر الله بإخراجه، ومثل هذا أيضا نهيه صلى الله عليه وسلم عن الإسراف بالماء ولو على نهر جار، فإنه عليه السلام أراد الإسراف في الوضوء أي غسل العضو أكثر من ثلاث بدليل قوله عليه السلام للأعرابي حين سأله عن الوضوء بعد أن أراه ثلاثلا ثلاثا «هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم» فالمعنى الشرعي للإسراف في الآية والحديث هو مجاوزة الحد عما أمر الله به، وليس معنها الإنفاق الكثير في المباحات، فالمقدار في الزكاة وفي الوضوء حكم شرعي وزيادته أو نقصانه تغيير بشرع الله، وقد وردت كلمة الإسراف في معان شرعية أخرى فوردت كلمة المسرفين المعرضين عن ذكرى الله، قال تعالى : «فلما كشفنا عنه ضره مر كان لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعلمون» أي زين الشيطان بوسوسته ما كان يعلمه المسرفون من الأعراض عن الذكر واتباع الشهوات، فسمى المعرضين عن ذكر الله المسرفين، ووردت المسرفين بمعنى الذين غلب شرهم على خيرهم قال تعالى «لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وإن مردنا إلى الله وإن المسرفين هم أصحاب النار» عن قتادة أن المراد بالمسرفين هنا هم المشركون وعن مجاهد المسرفين السفاكين للدماء بغير حلها، وقبل الذين غلب شرهم على خيرهم، والظاهر من الآية هم المفرطون في ارتكاب الشرور والآثام، ووردت كلمة مسرفين بمعنى المفسدين قال تعالى «فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون» فهذه الآيات كلها ليس المراد من الإسراف فيها المعنى اللغوي مطلقا بل المراد معاني شرعية وردت فيها. فتفسير الإسراف بالمعنى اللغوي لا يجوز، لأن الله أراد به معنى آخ غير المعنى اللغوي. واظهر معاني الإسراف الشرعية وأكثرها دورانا هو إنفاق المال على المعاصي ولا يوجد في النصوص الشرعية ما يدل على أن معنى الإسراف هو الإكثار والزيادة من النفقة في المباحات والطاعات وأما الآية التي أوردها الأستاذ أحمد مظهر العظمة وهي «وأتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين» فإن معناها لا تزيدوا عن حق الزرع يوم حصاده بل أعطوا حقه وهو ما فرضه الله وهو العشر إن سقيت الأرض بماء المطر ونصف العشر إن سقيت الأرض بآلة سقي. ولا يمكن أن يكون معناها لا تتجاوزوا الحد بعمل الخير، فلو أخرجوا بالزكاة ثم تصدقوا تطوعا بما شاؤوا فإنه يكون على فهم الأستاذ العظمة عملهم حراما، لأن الآية تفيد حرمة الإسراف. إذ هي نهي عن الإسراف مقرون بقرينة تدل على أنه طلب تركه طلبا جازما وهي قوله «لا يحب المسرفين» أي يبغضهم، وهذا قرينة تدل على الجزم، وتحريم إعطاء الصدقة فوق إخراج الزكاة أمر قضى لمصادمته للشرع، ولأنه تحريم لما أمر الله به فضلا عما أحله، وأباحه، والصواب ما ذكرناه من معنى الآية وهو أخرجوا زكاة الزرع يوم حصاده ولا تزيدوا عن الحق المفروض فيه فإنه حرام عليكم أن تتجاوزوا ما أمر الله به.
على أن الله تعالى حين أباح لنا الأكل والشراب وغير ذلك جاءت إباحته عامة ومطلقة قال تعالى «كلوا من طيبات ما رزقناكم» وقال «كلوا واشربوا من رزق الله» وهذا كلام عام غير مقيد بكمية ولا بحد، فالإكثار منه يدخل تحت النص ولا تعتبر إسرافا، وأما قوله تعالى في سورة الأعراف «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين» فإنه ليس قيدا للأكل والشرب، أي لا يعني أن لا تكثروا من الأكل والشرب المباح، بل هو نهى عن الكل والشرب مما نهى الله عنه أي كلوا واشربوا ولا تتجاوزا ما أحله الله لكم، وهو يتضمن معنى لا تنفقوا على ما حرم الله، ولا يعني مطلقا لا تكثروا من الإسراف بعد المر بالأكل والشرب، والأكل والشرب مهما أكثر منه الإنسان فليس بحرام، فيتعين أن يكون نهيا عن أكل وشرب ما نهى الله عنه، وأيضا فإن هذه الآية جاء بعدها مباشرة إباحة عامة للزينة والطيبات فالآيتان هما «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين». «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق» وهذا يعين أن الإباحة عامة في جميع المباحات، وإن المستثنى منها هو ما نهى الله عنه.
ومن ذلك يتبن انه يجوز للمسلم أن ينفق في المباحات وعلى الطاعات ما شاء من الإنفاق ومهما بلغت كثرته، فله أن يقتني عشر سيارات وان يسكن في قصور وان تكون له عشرات البدلات والثياب وان يهدي أغلى الهدايا بأكبر مقدار وان يتصدق ما أراد من الصدقات مهما بلغت ولو كانت ملايين الدنانير ما دام قارا على ذلك مالكا له وما دام إنفاقا في المباحات والطاعات وكل ذلك لا يعتبر إسرافا ولا يوجه من الوجوه، فحسب بل أجازها الله في المكرهات أيضا، حتى أنه لو أضاع ماله ورماه ولم ينفقه على شراء شيء لا يكون حراما بل يكون مكروها فقط لقوله عليه السلام «كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» فإذا كانت إضاعة المال مكروهة كراهة فكيف يجعل إنفاق المال في المباحات والطاعات حراما ويقال عنه إسراف بالمعنى الشرعي؟ ألا يكون ذلك تحريما للمباح وللمندوب وتفسيرا لآيات القرآن بالمعاني اللغوية مع أن الله جعل لها معنى شرعيا خاصا غير المعنى اللغوي. أي تفسيرا لآيات الله بغير المعاني التي أرادها الله ؟     

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here