islamaumaroc

الدين ومذهب التحطيم

  دعوة الحق

27 العدد

أثر الدين في النفس الإنسانية أقوى الآثار وأبعدها نفاذا، وهو لا يقف على منطق العقل وحده، بل لعل منطق العقل يأتي متأخرا، لن منطق الوجدان يسبقه، ولن شيئا قبل ذلك يمهد لأثر الدين في النفس تمهيدا، ذلك هو الشعور بما وراء الحس، والإنسان بطبيعته متهيئ لقبول أشياء كثيرة تتصل بالغيب أو الخيال أو العالم غير الواقعي، فهو لا يربط حياته ربطا محكما بكل ما هو محسوس، لأن فيه روحا ينزع به إلى الخلود، والخلود مأمل الإنسان.
إن كل ما يحيط به من المادة يفنى، وقد يفنى على يده أشياء لا يحصيها منها الحيوان، ومنها النبات،  ومنها الجماد، ولعل بين من أفناه الإنسان مثله.
وهو متهيئ وجدانا إلى ما يشعره بالطمأنينة على عالم الغيب، بل أحسب أن الإنسان منذ خلق ومعه غريزة التدين، بل أعتقد أن غريزة التدين غريزة أصلية فيه من الغرائز الأمهات والأصول وعلم النفس لا ينكر وجود هذه الغريزة، ولكنه جعل القياد كله لغرائز أخرى والعصر الحديث الذي نعيش فيه أضعف من سلطان غريزة التدين وخنق صوتها، وأطلق العنان للغرائز الأخرى، فجرت في الحلبة حتى سبقت غيرها سبقا.
وغريزة الدين في الإنسان هي كغريزة الجوع، والإنسان لا يستطيع الحياة إلا بها، لأنها تمده بالراحة النفسية كلما استأسدت الأزمات وتهجمت له، وكلما شعر بالكرب ألقى بنفسه في أحضان الدين حيث يجد الطمأنينة والأمن وبرد السلام والعدل وكل ما تنبعث منه الراحة التي يفتقدها في العلوم جميعا.
والإنسان مستعد بفطرته للدين وهو ليس ضرورة اجتماعية فحسب بل هو الضرورة التي لا تستقيم الحياة إلا بها، وليس في وسعي تصور عالم من غير دين، حتى المجتمع الشيوعي الذي أنشأه المركسيون على إنكار الدين ووجود الله والأنبياء والمرسلين لم يخل من متدينين يقومون بواجبهم الديني في صمت وخفاء، بل نجد هذا المجتمع غير الإنساني قد استبدل بالدين العلم رغبة في السيادة وتهديد الإنسانية.
أنه أحل العقيدة العلمية محل العقيدة الدينية، فوقع فيما هو واقع فيه من الاضطراب والجور والقلق والتأخر، وفقد المثل والقيم ومقومات الأخلاق، ويزعم أقطاب الشيوعية أنهم ما يزالون في «دور» التجربة، إذا ما أخذ عليهم ما هم فيه من التأخر والتخلف عن الأمم المتقدمة في جميع شؤون الحياة.      
وما أدري متى ينتهي دور التجربة ؟ ولكن الذي أدريه هو انه يكفي للدلالة على إخفاق مذهب أن يبقى أكثر من أربعين سنة في دور التجربة.
وما كان قط سادا مسد الدين، فنحن نرى ملايين الناس تقبل على الموت راضية في سبيل الدين، ولا نجد مثل ذلك في سبيل العلم.
وإنسان الغابة الذي لا فرق بينه وبين الحيوان لم يكن محروما من الدين لأنه الإنسان، فكان يلقي في الأحكام نوعا من إمداد غريزة بالغذاء الروحي، فهو يرى في منامه ألفا غائبا يزوره فيطمئن إلى وجوده ويشعر بالراحة، حتى إذا تقدمت به السنون وعرف عقله بعض وظائفه وصحا من منامه كان يرى الأحلام عالما سويا لا نهاية لحدوده، وهذا العالم العجيب يمده بما يتمنى ويشتهي.
يرى فيه ظالمه قد اقتض منه، فيشعر بالسعادة والعدل، ويرى غائبه حاضر فيسر، ويرى ميته قد نشر وبعث فيحس بالراحة، عند الإنسان كما يقول بعض الفلاسفة، وهو وإن كان صحيحا بالنسبة لمن لا يؤمنون بالدين إلا أن في وسعنا أن نعتبره من القرائن التي تقرب إلى الدين فكرة الثواب والعقاب وفكرة البعث والنشور.
وقد ذكر الدهلي في كتابه (حجة الله البالغة) الأحلام واستدل بها على حقيقة الثواب والعقاب بعد الموت وعذاب القبر استدلالا يؤيده الدين ولا يأباه المنطق.
ونخلص من هذا إلى أن الإنسان في حاجة إلى الدين أكثر من حاجته إلى العلم، ولنقرب إلى بعض القراء، أثر الدين نذر أن الإنسانية منذ عرفت الدين وعرفت العلم لم تجد أمة بأسرها تتسابق إلى الموت والاستشهاد من أجل العلم، أما الشهداء من أجل الدين فملايين، إما أن يموت عالم في مختبره فلا يعد استشهادا، لأنه قتل نتيجة غلطة في مختبره أو خطأ في تجربته، أو قال بنظرية علمية رآها زمنه خروجا على الدين فقتله، والعالم القتيل لا يرضى بالقتل إذا كان له حق الاختيار، أما في سبيل الدين فيستقبل الموت راضيا سعيدا، فالقتل –هنا- نقله إلى دار النعيم، وهو حريص أن يهجر الشقاء إلى السعادة.
ولست أدري كيف يتعامل الناس إذا فقدوا الدين أو قذفوا به بعيدا عن مجتمعهم الذي يعيشون فيه ؟ لا أتصور إنسانا يحيا بلا دين –أي دين كان- والإنسان في لحظة من اللحظات يبعد عن الدين وقد ينكره، ولكن يعود إليه نادما مستغفرا عندما تزول أسباب البعد وبواعث الإنكار كما يزول أثر الجوع بعد الشبع. وإذا صح هذا في حياة الفرد فهو يصح في حياة الأفراد مجتمعين.
إلا أن البعد عن الدين ورحابه المقدسة لا يلازم الإنسان حتى ينمحي أثر الدين كل الأمحاء، بل يجوز أن تطول الفترة وتقصر، ثم إذا صفت النفس تشرق منها شمس الدين لتبدد ظلام الإنكار أو غير الشك والارتياب.
كذلك المجتمع اللاديني، قد يطول الزمن الذي يبتعد فيه عن الدين أو يشتد فيه إنكاره إياه وهجومه عليه وعلى معتنقيه ولكنه عائد إليه مهما طال به الزمن.
والفرق بين مجتمعين آليين ماديين أحدهما بدين وآخر لا يدين، هو أن المجتمع اللاديني المتفخم آليا يتخذ سلاحه للعدوان لأنه لا دين يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر –كالمجتمع الشيوعي- أما المجتمع المتدين فإنه يتخذ سلاحه للدفاع.
ولست أقصد من هذا أن المجتمع المتدين لا يشهر سلاحه للعدوان، بل هو يشهره اعتداء، ولكنه يسوغ عدوانه، فيستحيل عملا يراد منه الدفاع عن العقيدة أو الإنسانية ودفع الأذى عن الإنسان.
ولقد ابتلى عصرنا بمذهب ينكر الدين –كل دين- وليس هو يبدع بين العصور التي سبقته، فلم يخل كل عصر من دعاة مذهب الهدم، فقامت من المسلمين أنفسهم فرقة مع الشيوعية في التحطيم إلا وهي (الباطنية) ولكن الفرق بين عصرنا والعصور التي سبقته أن قوى الهدم الشيوعية استشرت وصارت لها دولة ذات كيان، وهي –بعد- اتخذت كل وسائل الخداع للتسلسل والتدمير.
ومع كل هذا فإن الإنسانية لن تصبح يوما من الأيام ضد الدين، بل اتجاه الإنسانية إلى محاربة اللادينية حتى من أصدقائها، سواء العاطفون عليها أو السائرون في فلكها أو المتظاهرون ببغضها أو حبها نفاقا ورياء أو جرا لمغنم.
وفي أعقاب الحروب عندما يزدحم الشعور بالقلق والمتاعب والشقاء يبحث الإنسان عن الخلاص فإما أن يجده في أحضان الدين، وإما أن يتمرغ في أوحال الشهوات حتى ينسى آلامه ويهرب من واقعه الكارب الأليم.
وعصرنا هذا عصر القلق، وإنسانه بائس مكروب، آلام تطعنه، وأزمات تستبد به حتى تخرجه من حد الإنسانية القديم، وما يكاد ينجو من أزمة حتى تحيط به أزمات تأخذه من كل أطرافه، وما يستطيع منها فكاكا أو خلاصا لأنها تنبعث من قرارة نفسه، وتتلاقى بأزمات تستهدفه من خارجها، فكأنه بين فكين لا مفر من أن يطبقا عليه إطباقا، فهو مضطرب لا قرار له.
وإنسان هذا حاله، وهذه حياته، يريد خلاصا بأي ثمن، والاتجاه المادي الخطر زاد من استئساد هذه الأزمات وتوحشها، ووضع الإنسان وسط جحيم من الآلام التي لا تطاق، فما طريق خلاصه ؟
الجواب : هو الدين، ولن يستطيع مذهب اجتماعي –مهما كان إنسانيا- أن يكون بديلا صالحا عن الدين.
وهنا يبرز واجب المسلمين الذين وكل إليهم أمر قيادة العالم إلى ما فيه صلاحه وخيره، لأن الإسلام أقام البرهان الصحيح على أنه الدين الصالح للحياة بكل من فيها وما فيها، ومن خير براهينه أن الأديان أخذ إتباعها يقلون إلا الإسلام، فإن إتباعه يكثرون، ولعله –الآن- أكثر الأديان السماوية إتباعا، فعددهم أكثر من اليهود وأكثر من المسيحيين، لأن الشيوعية أكلت دولا مسيحية في أوروبا كما أن روسيا التي كانت وطن مائة مليون مسيحي وأكثر قد استحالت شيوعية لا دينية، فإذا طرحنا من عدد المسيحيين في أوربا أو في العالم عدد سكان روسيا وبولندا والمجر ويوغسلافيا وكل الأمم التي استبعدتهم فإن من يبقى منهم يعد أقل من المسلمين.
فهل قام المسلمون بواجبهم ؟
يؤسفني أن أقول : لا.
وأنا أعرف جماعات إسلامية في الهند وفي باكستان وأفرادا في العالم الإسلامي والعربي يقومون بواجب الدعوة ويعلنون مزايا الإسلام ويعرضون حقيقته، ولكن هذا النشاط محدود لا يكفي لإظهار الإسلام والدعوة إليه بين الشعوب الأوربية وغيرها، بل لابد من نشاط الحكومات الإسلامية حتى نقف أمام خداع الماركسية ونمنع تسللها ونقضي عليها قبل أن يقوم لها كيان في ربوع البلاد الإسلامية، وحتى نستطيع إلى نشر الإسلام سبيلا لننقذ العالم.
فالإسلام بخير، وسيظل كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وما زالت الأمة الإسلامية أمة متدينة أكثر من الأمم المتقدمة تقدما حضاريا عظيما، ثم هناك فرق بين دين الإسلام وأديان الأمم الحضارية الحديثة في النوع، لأن دين الإسلام قائم على أسس لا تمتد إليها يد الفناء والضعف، أسس مبنية على الروح والمعاني والقيم، أما أديان الحضارة فمادية، وشتان ما بينهما.
إن واجب المسلمين –حكومات وشعوبا- جد عظيم في هذا العصر، فأوربا –التي خرجت من الدموع والدماء- تربة خصبة صالحة للإسلام، وقد أسلم فيها كثيرون وجدوا في الإسلام ما كانوا يتمنون من راحة وسعادة وطمأنينة، ومع أن التغيير –بعد إسلامهم- لم يزد في رخائهم المادي غلا أن الطمأنينة النفسية التي ملأت رحاب نفوسهم جعلت حياتهم مسرة وراحة ونعيما، فهم صابرون عل ى التعب المادي، ولكنهم منعمون بالراحة النفسية.
إنهم كانوا من قبل في تعب مادي وتعب نفسي، وتخلصوا من التعب النفسي بعد إسلامهم، ويكفي هذا، فقد تخلصوا من عدو في داخل نفوسهم كان يفتك فيها فتكا، وشعروا ببشاشة الإنسانية من جديد على يد الإسلام.
لقد أصبح الجو صالحا للإسلام، وإن نظمه الاجتماعية والسياسة والاقتصادية كفيلة أن تفتح له أبواب النفوس الضالة الحائرة، ولا تحتاج إلا إلى مئات من الدعاة الفاهمين يجربون الأقطار فيجدون أمامهم السبيل معهدا.
فهل تقوم الحكومات الإسلامية بهذا الواجب الإنساني وتعمل لإنقاذ الإنسانية مما هي فيه من الشقاء، وتبدل خوفها أمنا، وشدتها رخاء، وتعبها راحة، وتحرس المجتمع الإنساني من شيطان الماركسية ببناء صرح الحضارة والمدنية والإنسانية؟؟..


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here