islamaumaroc

هكذا نعرّب!

  دعوة الحق

27 العدد

يؤلمنا بعد أربع سنوات من الاستقلال أن نرى اللغة العربية ما تزال دون المكانة التي كان يجب أن تتبوأها سواء في التعليم أو في المعاملات الإدارية، أما في التعليم فقد اصطدمنا بمشكلة نقص أغلبية المعلمين وهم اللذين يقع على كاهلهم عبء التعريب في مرحلة أساسية من رماح التعليم، وأما في الميدان الإداري فقد كان من السهولة بمكان أن تحل اللغة العربية محل اللغة الأجنبية في أكثر المرافق، وان تفرض حتى على الشركات والمؤسسات.
لكن، يجب أن نعرف أولا، لماذا نعرب :
إن عناصر الوطنية معروفة لدينا جميعا، وأقصد بهذه العناصر، مقومات الوطن التي هي : الجنس، واللغة ووحدة التراب والتاريخ المشترك.. إلخ.
ومعنى هذا بوضوح أن الأغلبية الساحقة من سكان المغرب، تجمع بينهم وحدة الأصل واللغة وباقي مقومات الوطن، ولغتنا هي العربية، فلا يليق بأحد من المغاربة أن يتنكر لهذه اللغة التي لولاها لكنا اليوم أبعد الناس عن الحضارة، وأخيرا فنحن إذا تنكرنا للغة العربية، فسيكون معنى ذلك أن جزءا أساسيا من مقومات الوطنية ينقصنا، وسنفرض أن العربية أسوأ لغات الدنيا، لكن كيف تسمح لنا أنفسنا أن نتنكر لها، بل كيف يقبل بعضنا أن يحاربها ويحتقر أهلها ؟ أني أتخيل هذه الفئة وهي تفعل فعل الغراب الذي حاول أن يقلد مشية الطاووس فعجز، حتى إذا حاول الرجوع إلى مشيته الأصلية نسيها فلا هو يجيد هذه ولا تلك.
إننا نود أن تنتصر قضية التعريب، لأن العربية هي كما ذكرت ركن أساسي من أركان الوطنية، والذي يحارب التعريب كمبدأ وغاية هو في نظري خائن لوطنه لا يقل جرمه عن جرم الذي يتملق إلى الأعداء على حساب مواطنيه.
والآن، ماذا يمنعنا من التعريب ؟
لقد كان ضعف أكثرية المعلمين في المواد العلمية أهم سبب في تأخير التعريب، ونحن اليوم نفكر من جديد في وضع التعريب موضع التنفيذ في المرحلة الابتدائية، ويوجد في الوقت الحاضر، ما لا يقل عن 7 آلاف مدرس يدرسون اللغة العربية فقط، فهل هم جميعا مستعدون لتلقين المواد العلمية في الأقسام الابتدائية ؟ أني أرى أن عددا كبيرا منهم –وكثير غيري يرى ذلك أيضا- لا يتوفرون على معلومات كافية في مواد اللغة العربية نفسها، وعوض أن نستغني عن هؤلاء، يتعين أن نعمل على رفع مستواهم الثقافي بإعداد برامج واسعة نسبيا لشهادة الكفاءة التي يجب أن يسبقها تكوين واسع كذلك، بواسطة المحاضرات والمراسلة والدروس المسائية.
والواقع أننا قد ضيعنا أربع سنوات من أعمار هؤلاء المعلمين الناقصين التكوين، أي فترة الاستقلال التي اجتزناها حتى الآن، والتي كان يمكن إعدادهم خلالها حتى لتدريس المواد العلمية.
أما مدارس المعلمين فالفترة التي يجتازها الطلاب فيها غير كافية لتكوينهم، إذ يجب أن ترفع مدة التدريب إلى ثلاث سنوات تنمي فيها معلوماتهم خلال السنتين الأوليين، وتخصص السنة الأخيرة للميدان التطبيقي والبيداجوجي.
ومن الضروري أن يضاف إلى مواد امتحان الكفاءة مادتان أساسيتان : الحساب والعلوم، ولو في مستوى يوازي أو يفوق بقليل مستوى الشهادة الابتدائية، فنحن نرى معلمين يرسمون وهم يجهلون بالمرة هاتين المادتين، ثم نطالبهم غدا بتدريسهما ونحملهم وحدهم مسؤولية عجزهم، وأن تقرير الحساب والعلوم في الامتحان الكتابي لشهادة الكفاءة سيهيب بالمعلمين الناقصين فيهما إلى أن يبذلوا كل ما في وسعهم لتدارك نقصهم، وما دامت المسألة تهم مستقبلهم ومستقبل النشء الذين يكونونه فإن الوزارة أولى أن تعمل على رفع مستواهم بإعطاء شهادة الكفاءة المكانة التي تستحقها، وإلا فإن ترسيم كل معلم يجهل الحساب والعلوم سيكون معناه أننا سنضحي بأجيال من ناشئتنا طالما كان هذا المدرس يكونها.
ويجب أن تزاد مدارس المعلمين حتى تسع اكبر عدد ممكن من الطلاب مع تمديد مدة التدريب إلى ثلاث سنوات كما تقدم.
أما مشكلة الكتب، فهي مشكلة أشبه بالخيال منها بالحقيقة، إذ يكفي تكوين لجان من المربين الأكفاء، لتضع لها حدا في ظرف قصير ثم أن الوزارة أحوج ما تكون الآن إلى أحداث قسم للتأليف والترجمة والنشر، يسهر على إعداد وتعريب الكتب الدراسية والقصصية والأدبية التي تساير مراحل التعليم المختلفة، فخزائن مدارسنا تشكو فقرا مهولا في الإنتاج المغربي، ولا أظن أن هذا الإنتاج المغربي، ولا أظن هذا الإنتاج سيتحسن أو يتسع مداه ما لم تأخذ وزارة التربية بيده، وترصد لتشجيعه المبالغ الكافية، ويجب أن يسهر على هذا القسم أشخاص تتوفر فيهم شروط الأمانة والغيرة الوطنية، والعمل المتوصل لا الذين يتخذون منه طريقا إلى الثروة أو يجدون فيه وسيلة لقتل الوقت، وما أكثر الكسالى بين الذين تناط بهم المسؤوليات، ونظرة واحدة على الكتب والنشرات التي ترد على خزائن المدارس الثانوية باللغة الفرنسية تكفي لأن تحرك فينا روح الغيرة وتذيبنا خجلا، وقد كنا نحمل الاستعمار مسؤولية فقرنا في الإنتاج، فماذا دهانا الآن وقد تخلصنا منه ؟.
وخلال المرحلة التي نجتازها لتعريب التعليم الابتدائي سيكون لدينا مجال واسع لإعداد أساتذة في العلوم والرياضيات باللغة العربية، على أن نستعين في تكوينهم بأساتذة من الشرق، لكن ليس يليق بنا أن نترك للأجانب تدريس التاريخ والجغرافيا اللذين يسهل تعريبهما منذ السنة القادمة، ويتوفر الشرق على أساتذة كثيرين لهاتين المادتين، على أنه يمكن اختيار مدرسين مغاربة للتاريخ والجغرافيا ولو بواسطة مباراة بتعريب المادتين المذكورتين سيكون من ورائه نتائج ذات أهمية بالغة :
1- ستزداد ثروة التلاميذ اللغوية بتلقي دروس التاريخ والجغرافيا بالعربية.
2- إن طريقة تدريس التاريخ والجغرافيا لدى المغربي أو المدرس العربي، هي غير طريقة المدرس الأجنبي، فبينما الأول يصور للتلميذ عظمة تاريخ أجداده وقيمة بلاده الجغرافية، يحاول الثاني غالبا أن يصور للطلاب عظمة وطنه هو، ويبرز أهميته الجغرافية وبين الطريقتين بون شاسع، ونحن على كل حال أحوج إلى تكوين جيل يؤمن بمغربيته وعروبته منا إلى تكوين نشء بقدس تاريخ قوم ليس منهم وليسوا منه.
3- سيشعر التلاميذ بان الوزارة بتعريب التاريخ والجغرافيا تعطي الأهمية التي تستحقها وسيقتنعون بأن الدولة تتطلب منهم أن يقدروا قيمة هذه اللغة.
هذا فيما يرجع على ميدان التعليم، أما فيما يخص الميدان الإداري فأجهزة الدولة كلها تشكو التهاون في التعريب، فما معنى إعداد محاضر الشرطة مثلا بالفرنسية ؟ وما قيمة الدروس العربية الأجنبية تسيطر في كل مكان : في أسماء الشوارع والأزقة وفي لغة التخاطب وفي البلديات ومصالح الدولة والمؤسسات والشركات.
وأعتقد أن وزارة التربية الوطنية أولى الوزارات بإجبار المسؤولين والموظفين على احترام لغة البلاد، وذلك بنشر جميع الرسائل والقرارات والمنشورات باللغة العربية، ولا ينشر باللغة الأجنبية إلا ما كان خاصا بالأجانب وحدهم.
عن هناك حقيقة يجب أن نعرفها جميعا : أن الأجانب كلما رأونا نضع اللغة العربية في مرتبة ثانوية توهموا أنها عاجزة عن القيام مكان اللغة الأجنبية، وكلما رأوا مواطنين مغاربة يقدسون اللغة الأجنبية على حساب العربية، شعروا باعتزاز في أنفسهم، ولكنهم في الواقع يحتقرون هؤلاء المواطنين المتنكرين لعروبتهم.
وإذا كانت قضية التعريب أول قضايا التعليم التي تستدعي حلا عاجلا، فليس معنى ذلك أن الدعاة إلى التعريب يكرهون اللغة الأجنبية ويتعصبون للعربية تعصبا أعمى، وإذا كانت المعاملات الإدارية تحتاج إلى تعريب شامل، فإن هذا لا يعني أنه يجب أن يبعد الأشخاص الذين لا يتقنون غير الفرنسية رغم كونهم مغاربة، فالمسؤولون منهم يمكن أن يحيطوا أنفسهم بكتاب يتقنون العربية، عوض المئات العديدة من الأجانب الذي يخيل إلى أننا نضحي بلغتنا القومية من أجل كثير منهم.
لكن الشيء الذي لا يليق أن نتهاون فيه هو موقف بعض الناس الذين يصرون على أن تظل اللغة الأجنبية سيدة في هذه البلاد وهم أكثر ما يكونون تعصبا لحضارة الأجانب وتقديسا للغتهم، فهؤلاء يجب أن نقتنع بأنهم سيظلمون حجر عثرة في سبيل التعريب، يصورون للناس أن العرب بوجه عام والمغاربة بوجه خاص أضعف الناس عن مجاراة الجانب لغة وعلما.
إن لا أتصور أن يكون احدنا مغربيا حقيقيا وهو يحارب لغته القومية فضلا عن كونه يجلها أو يكاد...
وهذه الدعوة البغيضة إلى التفرقة بين البربر والعرب، والتي يذكي نارها بين آن وآخر، أفراد يشتبهون هذه التفرقة لغير صالح البلاد، أليس من الواجب أن نحاربها بنشر اللغة العربية في بوادي المغرب وجباله ؟ إن هذه المناطق تكون أربعة أخماس المغرب، وبودنا لو أن كل مدشر تتوجه مدرسة تنقذ أبناءه من الجهل وتنشر بينهم لغة العرب التي لن يقضى على الدعوة العنصرية بدونها.
ويجب أن تكون حصة اللغة العربية واسعة في المدارس الأجنبية ببلادنا، فإلى هذه المدارس يوجه كثير من الموطنين أبناءهم. وهم أن حمدوا فيها التعليم الصحيح والتربية الحسنة، فلن يحمد أكثرهم أن تظل العربية بها ضئيلة الحصة فضلا عن كونها اختيارية، كما لن يحمدوا أن يدرس أبناؤهم تاريخ البلاد الأجنبية في توسع، ولا يدرسوا من تاريخ بلادهم وجغرافيتها إلا ما يتفق وهوى المدرسين الأجانب فتاريخ المغرب والإسلام، وجغرافيتها يجب أن يضطلع بهما من يلمون بذلك من المغاربة والعرب.
ولست أكتم أن بعض الذين أنيطت بهم مقاليد الأمور هذه البلاد قد شعروا بضرورة إعطاء اللغة القومية المكانة الطبيعية التي تستحقها لكن ليس من مصلحة الأمة أن يحطم المفسدون عمل هؤلاء بدعوى أنه لا يوجد من يقوم مقام الأجانب في الوقت الحاضر.
 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here