islamaumaroc

الفكر بين التحرر والإلحاد.

  محمد قشتيليو

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

يعـز علينا أن نرى شبابا تائها وهو ينتمي إلى طبقة المتعلمين إنه الشباب الذي يتعلم فيصاب بالبلبلة في عقله فيصير يخبط خبط عشواء ويدعى أن فكـره متحرر فأول شئ يخوض فيه ويشغل باله به هو الجدل في النظريات الإلحادية أو ما شابهما لأنه متحرر الفكر بدلا من أن يخوض ويجادل في العلم والمعرفة واستخلاص النظريات فيهما. تراه يهاجم الدين ويدحض في الإيمـان بالله ويعد هذا مـن حرية الفكر. صحيح إن الموجة التي دهمتنا من أوربا غير أن أروبا بدأت تولي ظهرها الآن للإلحاد وأصبحت تبحث عن طريق الخلاص. أفلا يأخذ شبابنا منها تجربة وعبرة؟ فيأخذ الأصلح ويدع ما لا يجدي فيختصر الطريق ويريح النفس إننا نرى بعـض أقطار أوربا قد ملت النظريات الفاسدة فأصبحت تبحث عـن طريق الخلاص فوجدته في الإيمان بالله. وها نحن نرى أوربا المسيحية تبحث عن الخلاص وعن راحة النفس بعد ما فقدته الكنسية التي شوهت ما جـاء به المسيح من تعاليم فوجدت في الإسلام البساطة وراحة الضمير فصارت تدخل فيه أفواجا في أرض كان مضرب الأمثال في التعصب المسيحي والتي كانت دائما مهدا للتألب على الإسلام وتهيئ بعثات صليبية بالسيف والقلم لمحاربته إنها شبه جزيرة إيبريا الذي يزداد دخول أبنائها في الإسلام يوم عن يوم،  ففي ظرف سنة مـن 27 مسلم إلى 120 وبعد سنتين ارتفع العدد إلى خمسمائة مسلم في اسبانيا فقط. أما في البرتغال فهي سائرة في نفـس الطريق ـ وما زلت أتذكر ما كتبته صحفية برتغالية وهي السيدة ماريا إميليا أسلمت وأصبح لها دور فعال ونشاط مرمـوق داخل الجماعة الإسلامية بلشبونة فلها ثقافة عليا واطلاع واسع على العموم وسياسة البلاد الإسلامية على الخصـوص فهي تحرر المقالات في الصحف وتحاضر في الأندية والمراكز الثقافتة وكل هـذا في نطاق النشاط الإسلامي والدعاية لدين الله،  فقد كتبت في جملة ما كتبت عن المرأة في الإسلام في مجلة الإسلام عـدد 9 لشهر فبراير سنة 1977 تحت عنوان.
«هل حضرتك تردين الزواج من أمير عربي مليونير؟ بينت فيه ما يرتكبه بعض أغنياء المسلمين من أخطاء في حق المرأة مبرزة لبني جنسها أن ذلك لا علاقة له بالدين الإسلامي وأوضحت بالحجج والبراهين من الآيات والأحاديث إلى غير ذلك كما كتب أيضا صحفي آخر برتغالي مسلم يدعى كارفاريو يرد على مقال نشرته بعض الصحف حول الحرب في لبنان مدعية أنها حرب دينية بين المسلمين والمسيحيين ضحد فيه ما زعم هؤلاء ورد عليهم مدافعا عن الإسلام ويكذب دعاية المغرضين إلى غير ذلك كما أنني ما زلت أتذكر يوم صلاة عيـد الأضحى بقرطبة، وكنت بقرطبة  وكانت بعض نساء اسبانيا مسلمات قد حضرت معهن بعض أقاربهن وأصدقائهن غير مسلمات فكن يبشرهن بالدين فقالت إحداهن، كيف ادخل في الإسلام لأصير تحت نعال الخميني فأجابتها إحداهن، ليس ما يفعله الخميني هـو كل ما أمر به الإسلام، ثم أضافت «نحن دخلنا في الإسلام عن اقتناع بعدما أطلعنا وعلمنا أسس الإسلام من منبعه وهو الكتاب والسنة لا ما يقـوله الخميني وأمثاله».
أما أبناء الغرب الآخرين كفرنسا وإنكلترا وأمريكا فقد سبقوا هؤلاء. وأتذكر أيضا في صلاة العيد بقرضبة كانت تضم أفرادا من جنسيات مختلفة من فرنسيين وإنكليز وبرازليين نساء ورجالا أنهم أبناء الغرب الذين أخذ عنهم شبابنا إيديولوجياتهم، أنهم أيها الشباب درسوا وتدبروا فاهتدوا إلى الحقيقة التي أنتم تنزلقون عنها فإذا كنتم قد أخذتم عنهم تلك الأفكار الهدامة فهم قد تركوها عندما أدركوا عدم جدواها فلم لا تلقدوهم الآن كما قلدتموهم قبل، فلم لا تبقون أنتم على ما كنتم عليه وكان عليه أباؤكم وأجدادكم فتصيرون بحق أساتذتهم ومريديهم.
إن ما يصدر عن هؤلاء الشباب ربما عائد  إلى عدم دراستهم واطلاعهم على أسس الدين وقواعده في دراستهم الأولية أو أنهم أخذوا قسطا ضئيلا فقد انقطع عنهم في مرحلة من مراحل دراستهم فتعمقوا أكثر في النظريات الغربية دون أن يكون بجانبها أو ما يضاهيها من العلوم الدينية الإسلامية فبقي الفراغ في هذا الباب الذي أدى إلى ما رأيناه. أنهم يدعون التجديد في تصرفاتهم قلما يقال عنها أنها تصرفات إلحادية،  يقول محمد أسد (نمساوي أسلم) في كتابه «الإسلام على مفترق الطرق»، إن تقليد المسلمين ـ سواء كان فرديا أم إجماعيا ـ لطريقة الحياة الغربية لهو بلا ريب أعظم الأخطار التي تستهدف لها الحضارة الإسلامية ذلك المرض (ومن الصعب أن نسميه بغير هذا الإسم) يرجع إلى ما قبل بضعة عقود ويتصل بقنوط المسلمين الذين رأوا القوة المادية والتقدم في الغرب ثم وازنوا بينهما وبين الحالة المؤسفة في بيئتهم الخاصة ولقد كان من جهل المسلمين لتعاليم الإسلام وذلك راجع في الأكثرية إلى ضيق ناحية التفكير في أولئك الذين نسميهم الفقهاء، ثم يقول، بدلا من أن يروا موقف الإسلام الحقيقي كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية اكتفوا من ذلك كله بأن رأوا تعاليم فقهائهم المعاصرين كان سدا منيعا في وجه الرقي ووجه التقدم المادي، ثم إنهم بدلا أن يولوا أبصارهم نحو المصادر الأصلية في الإسلام اعتبروا ضمنا أن الشريعة والفقه المتحرر في أيامنا هذه شئ واحد.
إن هـؤلاء يدعون التجديد فالمسلمون قبلهم أخذوا بالتجديد ولم يتركوا دينهم. أخذوا علوم الإغريق والفرس والهند والروم وصقلوها حتى صارت ملائمة لهم ولدينهم ولشريعتهم ولم يقولوا انها لا تساير دينهم، أن أصحاب المذاهب والإديولوجيات الحديثة يستغلون ضعفهم ولكن لا لوم عليهم فإنه استغلال الغير لهم كان أساسه ضعف التربية فقد تلقوا تربية معقمة بتربية غربية الحادية مدسوسة، يقول محمد أسد  في كتابه «الإسلام على مفترق الطرق» ما دام المسلمون مصرين على النظر إلى المدينة الغربية على أنها القوة الوحيدة لإحياء الحضارة الإسلامية الراكدة فإنهم يدخلون الضعف على ثقتهم بأنفسهم ويدعمون بطريقة غير مباشرة ذلك الزعم الغربي القائل «بأن الإسلام جهد ضائع» ثم يقول أيضا وليس ثمة من ريب في أن العقيدة الدينية آخذة في الاضمحلال بسرعة بين «المتنورين» الذين نشأوا على أسس غربية » ثم يأتينا بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام «كل مولد يولد على الفطرة فابواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ثم يقول أن العبير «أبواه» يمكن منطقيا أن يتناول البيئة العامة التي تتحكم في تطور الطفل وليس لأحد أن يتردد في الاعتراف ـ والحالة الحاضرة على ما هي من الانحطاط ـ بأن الجو الديني في كثير من يبوت المسلمين قد بلغ من التدني والانحلال حدا أخذ يثير في الأحداث الناشئين عوامل الإغراء لأن يولوا الدين ظهورهم، وهذا يمكن على التحقيق أن يكون كذلك، أما في حال تعليم ناشئة المسلمين على أسس غربية فإن التأثير سيكون على الأرجح موقفا عدائيا من دينهم». إذن حسب قول الأستاذ أسد لا نلقي التبعة كلها على مناهج التربية بل حتى على الأسرة فالتلميذ يتلقى في المدرسة تربية غربية محضة وخاصة في مدارس البعثات الأروبية والأمريكية فتلك لا لوم عليها (أي مراكز البعثات) فهي تضع مناهج بلدها الذي تحتلـه والذي هو فرع منه ولكن الأسرة عليها أن تتعهد أبناءها وتمدهم بعون إضافي يكفل لهم قسطا من ثقافة دينية إسلامية وعربية ولكن مـع شديد الأسف نرى الأسرة تهمل هذا الجانب بل تثبت وتساعد مسـاعدة إيجابية فهي أفكـار فلذات أكبادها كل ما يلقي من آداب وأخلاق في المدرسة الأجنبية وتشاطرها في حـلالها وحرامها،  بـل لا تتحدث مع أبنائها داخل البيت إلا بلغة الأجنبي إلا من رحم ربك وهو الناذر لا حكم له. يقول أسـد أيضا في هذا المعنى، «إن تعليم الأدب الأوربي على الشكل الذي يسـود اليوم الكثير من المؤسسات الإسلامية يقود إلى جعل الإسلام غربيا في عيون الناشئة المسلمة».
إن ناشئتنا الإسلامية تشبعت بروح حرية التفكير قبل أن يتضح فكرها وأطلقت له العنان وأصبحت لا تتقيد بشئ إطلاقا فصارت تقلد الغرب في كل شئ من حسنات وسيئات على أنه القدوة المثلى إن الإسلام لم يقيد العقل فقد ذم التقليد الأعمى يقول المستشرق جيب في كتابه «الاتجاهات الحديثة في الإسلام» لقد ذم الإسلام التقليد الأعمى فالإسلام ينبع من العقل ويقع كله تحت الإدراك أما دعاة التحرر ـ يضيف جيب ـ أن الحظ المشجع في كل ذلك لدعاة التحرر في الإسلام هو رفض السلطة الدينية لكن هذا ـ يقول ـ الفصل بين التعاليم العلمانية والدينية هو الذي أدى لهذه النتيجة الخطرة.
إن المسلمين أخذوا في صدر الإسلام علوم غيرهم، ما فيها علم الفلسفة الذي أخذوه عن اليونان ولم تؤثر نظرياتهم وأفكارهم في عقيدتهم وما جاء به دينهم يقول الأستاذ محمـد محمود العقاد في كتابه «ما يقال عن الإسلام» في هـذا المعنى ... لكن الفلسفة اليونانية لم تزعزع عقيدة المسلم المفكر في «الله» بل استطاع الضمير الإسلامي أن يخرج لتلك الفلسفـة أندادا لها من المفكرين على طريقة الإمام الغزالي «برأس فيلسوف وقلب ناسك» فخرج الإيمان بالله وصفاته المتعددة سلما منزه الوجدانية بعيدا عن شبهات الفلاسفة واتباع الزندقة المثنوية» يقول العقاد في كتابه  أيضـا: يروى عن ألسن هملتون عن المسلم، المسلم هو المسلم في رأس نفسه وليس هو المسلم على صبغة يصبغه بها الأجانب عنه حسبما يتصورونه من شعائره وفرائضه وعاداته ولا يصح أن نفهم أن المسلمين ابتعدوا عن حضيرة الإسلام وهم أنفسهم يشعرون بأنهم مسلمون يغارون على العقيدة ويريدون البقاء في حضيرة هذه العقيدة ثم يقول، ليس بين البلاد الإسلامية بلد أعلى عن رغبته الصريحة في الاستغراب أو «التغرب» باستثناء البلاد التركية، ولكن البلاد التركية أيضا لا تعلن هذه الرغبة اليوم بتلك الثقة التي أعربت عنها منذ عشرين سنة ثم يضيف قوله، بأن البلاد الإسلامية صدمت في مراحل منها أن البلاد الإسلامية قد زعزعت من هذه المراحل فيها التقاليد الغابرة ثم انقرضت وخلفتها النظم الغربية المستعارة إلى أن ظهر فشلها فانقضت بانقضاء عهد الأموال الأجنبية، والآن أصبح للشرق ماله من موارده التي يقيم بها مجتمعه، وفي النهاية يقول العقاد نقلا عن هملتون أيضا، إني لا أرى أية علامة في الشرق الأوسط على احتمال قريب لقيام دولة شيوعية أو قيام دولة «ديمقراطية من طراز أية دولة غربية ولا بد لكل هيئة من هيآت الحكم في العالم العربي يراد لها الاستقرار المعقول أن تجمع بين إرضاء الشعور العربي والشعور الإسلامي في وقت واحد. انتهى.
إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here