islamaumaroc

الطب الأندلسي بين هفوة الإهمال وغفوة النسيان.-2-

  عبد الله العمراني

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

حين احتفل المغرب ـ منذ سنوات ـ بذكرى الشاعر الباكستاني محمد إقبال، اهتبلت الفرصة إلى تقرير مادة الأدب الإسلامي في مناهج دراساتنا الأدبية العليا. وقد لاحظ بعض الباحثين ـ مؤخرا ـ قصور دراساتنا الأندلسية، وتقصير الجامعات العربية أو عجزها عن أن تخصص لتلك الدراسات كراسى خاصة بها، تعني بكيان الأندلس وحياة أهلها الإجتماعية والسياسية والإقتصادية، والثقافية وتهتم بتراثهم ومآثرهم العلمية والأدبية إجمالا. وبأسباب نهوضهم ونبوغهم وعلل انحلالهم وغيابهم عن مسرح الحياة ... إلى غير ذلك مما أسهمت به تلك الأمـة في مضار الحضارة البشـرية. وهـو إسهـام يقف المرء أمامه حائرا عاجزا عن أن يحيط علما بجميع جوانبـه، مهما سما به طمـوحه أو علا في سماء البلاغة أو رسخت في مجال البحث قدمه.
وللتأكد من مدى اهتمام المملكة الإسبانية بالموضوع، فهي مثلنا بالأمر، خطر لي أن أسأل من تخرجوا في كلياتها الطبية، هل سبق لهم أن درسوا الطب الإسلامي. ولو ضمن مادة تهتم بتاريخ الطب عامة ؟ ؟ فكانت إجابات من سألت، لا كافية ولا شافية. إن لم تكن سلبا على الإطلاق.
لهذه الاعتبارات كلها رأيت أن ألقي بصيصا من نور على هذا الجانب الحيوي من حياة الأمة الأندلسية، فأنشر سلسلة مقالات عن موضوع الطب الأندلسي الذي طالما عانى من غفوة النسيان. وهفوة الإهمـال، في هذا الجزء من الوطن العربي أو ذاك.
بداية الطب الأندلسي كيف بدأ الطب العربي  بالأندلس؟ وكيف تطور؟ وهل كانت صناعة الطب ـ بوجه عام ـ توفيقية ألهمها الله عباده؟ أم هل كانت وضعية تواضع الناس عليها تلقائيـا، وبمقتضى الضرورات الملحة،  فاعملوا عقولهم، وأجروا تجاربهم، ومارسوا طريق المحاولة والخطأ، فتوافر لديهم ـ آخـر المطاف ـ شيء من لا شيء ، وتوافـروا ـ في نهايـة الأمـر على علم  قائم بذاته  له خصائصه وقواعـده وأصوله؟؟.
من الصعب تتبع هــذه الأمثلة والإجابــة عنها في هـذه العجالة بكل دقــة، إنما يكفي أن أشير إلى أن الدلائــل تدل على أن الطب، إنما هو وليد الوحـي والإلهام من جهة وثمرة التجربـة والمعانــاة من جهة ثانية، يقول  العلامـة أبو العباس أحمد بن أبي أصيبعة (تـ: 668هـ  ـ 1269م) في  كتابه القيم (عيون الأنبياء في طبقات الأطباء) ما يلي:     
« وبالجملة ، فإنــه ( رأي الطب) قد يكون من هــذا ( يعني الإلهام) ومما وقع بالتجربـة، والاتفاق، والمصادفة، أكثـر ما حصلوه من هــذه الصناعة، ثـم  تكاثر ذلك بينهم، وعضده القيــاس بحسب ما شاهدوه، وأدتهم إليه فطرهــم، فاجتمـع لهم من جميع ذلك... أشيـاء كثيـرة. ثـم إنهم تأملوا تلك الأشياء واستخرجـوا عللهـا، والمناسبات التي بينها، فتحصل لهم مـن جميع ذلك قوانـين كليـة، ومبـادئ عامة...».
ثم يعقب ابن أبي أصيبعة بملاحظــة  جديرة بالإعجاب ، حين يقول:
«إنه ليس يلزم أن يكـون هــذا مختصا بموضع دون موضع، ولا يفرد به قوم دون آخريـن، إلا بحسب الأكثر والأقل، وبحسب تنوع المداواة، ولهــذا، فإن كل قوم هم مصطلحــون على أدوية يألفونهــا ويتداوون بها ...».
ثم يضيـف قائلا:
« يمكن أن تكــون صناعة الطب في أمة أو في بقعة من الأرض. فتندثـر وتبيد بأسباب سماوية أو أرضية كالطواعين المفنية، والقحوط المجلية والحـروب المبيدة، والملــوك المتغلبة، والسير المخالفة، فإذا انقرضت في أمة ، ونشأت في أمة أخرى، وتطاول الزمان عليها، نسي ما تقدم، وصارت الصناعــة تنسب إلى الأمة الثانية دون الأولى...».
طبقا لهـذا المقياس السليم، كان للطب الأندلسي ملامحه الخاصة، وشخصيته المميزة،  وتبعا لهــذا المقياس المنطقـي المعقول، أردت الإسهــام بهذا الموضوع الدقيق علنــي أستطيع ـ عبر ضباب القرون المتطاولــة ـ توضيح تلكم الملامـح وإبراز تلكم الشخصية، على قدر ما أتيح لي من فهم وإدراك، أو ما توافـر لي من مراجع عربية وغير عربية.
نعود إلى التساؤل، كيف بــدأ الطب الأندلسي؟ ونجيب فنقول ، إنه لم يبدأ من نقطة الصفر، بل وجـد أمامه نواة أو عــدة نوى، بني عليها ونمــاها على مــر الزمان، إن الطب قديم قدم البشـر على وجه البسيطة، فالإنسان البدائي حتى في مرحلة الصيـد وجمع الثمــار، وفي أدنى مراحـل حضارته ـ عـرف كطيف يداوي الجروح، ويجبر الكسـور، ويرد التخلعات من المجازفــة القول بأن الشعب الفلانــي، أو البلد الفلانــي هو أبو عذرة الطب، أو ابن بجدته، بل الرأي الأســد، القول بأن الطب ثمرة تعاون الشعوب قاطبـة، قاصيها ودانيها، قديمها وحديثهــا ، يقول أحد علماء الإسبان المعاصرين ما ترجمته:
« يعتبر الطب الأندلسي مزيجا من الكيمياء القبطيــة، ومـن بقايا الثقافــة الإفريقية ـ الرومانية، ومن الثقافـة القوطية الغربية»، وفي مكان آخـر من كتابه القيم عن الطب الأندلسي.
«إن أطبــاء شبـه الجزيرة (يعني الإيبيرية) خــلال قرن الترجمــات ( يعني الثالث الهجري والتاسـع الميلادي) كانوا يعتمدون أكثـر اعتماد. على دروس الطبيب المسيحي تياذوق(1)  الرئيس الروحي لمدرسة ظلت تفذى الطب الخليفي ـ نسبة إلى خلفاء بني أمية بالأندلس ، خلال  أعـوام عديدة».
والحـق أن الطب الأندلسي ثمــرة ذلك كله، إلى جانب الطب النبـوي الـذي حوتــه صدور بعض الصحابـة والتابعين، وإلى جانب المعـارف الطبيـة العربية ـ المغربيـة التي حذقهــا بعض الفاتحين حقيقة أننا ـ الآن ـ لا نتوفـر على قائمــة أو كشف بأسماء الأطباء الطبيعيين Physicion  ، الذين رافقـوا الحملة، ولا على مراجــع طبية أو تاريخية تكشف لنــا عن طبيعة العلاج ونوعــه، ولكن مما لا ريب فيه، أن الحملة التي قادهــا البطـلان، طارق بن زيــاد الليثي ومـوسى بن نصير لم تكــن لتخلو من رجـال نابهين في فن المعالجــة يتولون التخفيف من آلام الجرحى، ويسعون في شفائهــم بمختلف الوسائـل، كما لم تخل من أبطال ضحوا بأرواحهــم في ساحات الوغى، وجاهــدوا في الله حق جهاده.  من خلال مراجــع نتوفر عليها الآن نجد قوائــم بأسماء الأطباء الذين زاولوا مهنتهم الطبية في بيئــات وعصور مختلفة، حتى عصـر الجاهلية وصدر الإســلام ، فمن ذلك مثلا الحارث بن كلدة، وابنه النصر (ابن خالة الرسول صلى الله عليه وسلم وعدوه اللذوذ في الوقت ذاتــه )، ثم ابن أبي رمثة التميمي وعبد الملك بن أبجـر الكناني ، الذي مــارس تدريـس الطب بمدينة الإسكندرية قبل الفتح الإسلامـي لمصر. وقد تم إسلامــه فيما بعد على يد والي مصـر آنئـذ الأمير عبد العزيز بن مــروان ثم الطبيبة زينب الأوديـة التي قال في حقهــا الشاعــر أبو سمــاك الأسدي مستفهمــا على طريقة الإنكــار:
أمخترمــى ريب المنــون ولـــم أزر  *  طبيب بنى أود ـ على النأي ت زينبــا؟
ويبدو أن الشاعـر زار هذه الطبيبة فيما بعد، وشفته من مرضه، كمــا عالجت ابن أخيه من بعده، وشفته من مرض ألم بعينيه تذكـر المراجع أن المريض ـ وهو ممدد على فراش العلاج، استشهـد بهذا البيت من الشعر ، فقالت له الطبيبة المعالجـة، إنني أنا المعنية بهذا البيت ، وعمك هـو قائله:
لا شك أن سائـر البلدان العربية والإسلاميـة ـ ومن ضمنها الأندلس ـ كانت تحتضن مثل هؤلاء الأطباء الرواد الذين مارسوا التطبيب بنجــاح، وحذقوا حتى بعض لغات العجم من فارسية وإغريقية ولاتينية وسنسكريتية وسريانية، ونقلوا منها ـ فيما بعد ـ إلى العربية.
مهما يكن مـن أمـر فالمعلومات الطفيفة المتوفـرة لدينا عـن مزاولة الطب بالأندلس في القرنين الثانــي والثالث الهجريين (الثامن والتاسع الميلاديين)  لا تسمح لنا بإعطــاء صورة كاملة ونهائية عن الطـب العربي بالأندلس، ولكننا نستطيع القول بأن عرب الأندلس  لم يكونوا منزويــن أو معزولين في شبـه جزيرتهم، بل كانوا يعيشــون عصرهـم، كما كانوا على اتصال وثيـق بمعاصريهــم، وكانوا موقتين بأن العلم لا يعترف بحدود أو قيــود من أي نـوع كانت والدليل أن أي كتاب طبي يؤلـف أو يترجم في الشـرق يكون له صدى في الغرب، والعكس صحيح.
ألف الطبيب أبو بكـر محمـد بن زكرياء الرازي (تـ 313هـ/ 925م) كتابه: (الحاوي)، فاعتبر معلمــة طبية وجهت الطب الأندلسي، وجهة علمية، لم يحد عنها بتاتــا ، وكـذلك ألف الطبيب  على بن العباس الاهوازي (تـ 333/944) كتابه: « الملكي»(2) ، فكان لـه صدى في الأندلـس حميد ويعتبر هــذا الكتاب ، قامـوس طب وصيدلة، بل موسوعــة تناولت معلومــات العصر في سعـة وإسهاب، لم يتمكن حتى الإغريـق مـن التوصـل إلى محاولتهــما أو ادعائهما على حـد تعبير بعض العلماء الغربيين.
ليس معنى هـذا الكلام، أن أطباء الأندلس كانــوا مجرد إمعــات مقلدين، بل كانوا على اطلاع واسع بكل ما يجرى ويجـد في ميدان الطب، وكانت لهم شخصيتهــم العلمية وكانت لهم أفكارهــم ونظرياتهم وتجاربهــم وكتبهم التي كانت تعبر الحدود إلى الشمال تارة، فيكب الأوروبيون على دراستها، مترجمـة إلى لغتهم العلمية (اللاتينية) وإلى الشـرق تارة أخرى، حيث كانــوا يرحلون هم أنفسهم فيستفيدون ويفيدون.

(1)  طبيب رومي نال الحظوة لدى الحاج بن يوسف الشقفي الوالي من قبل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وكان يعالجه ويثق به مات هــذا الطبيب بمدينة واسط بعد ما أســن وكبر، وذلك سنة 90هـ (709م) ، أما الحاج نفسه، فمات بعده سنــــــة 94هـ (713م).
(2)  يبدو أن الأمر اختلط على مؤلف « تاريخ التمدن الإسلامي» فحسب كتابي « الملكي» و «المـلوكي» كتابا واحــدا لمؤلفه الرازي، بينما الحقيقـة غير ذلك إذ أن الكتاب « الملكي» هو من تأليف الأهوازي والكتاب « الملوكي» هو وحده من تأليف الرازي، فقد ألفه ـ كما يقول ابن أبي أسيبعة ـ إلى الأمير علي ابن صاحب طرستان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here