islamaumaroc

مفاهيم تربوية للشباب في الإسلام .

  عبد القادر رفهي العلوي

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

قال صلى الله عليه وسلم ، سبعة يظلهم الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إمام عــدل وشاب نشأ في عبـادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجـد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتماعــا عليه وتفرقا عليه، ورجـل تصدق بصدقة فأخفاهــا حتى لا تعلم شماله ما أنفقته  يمينه، ورجل دعتــه امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجــل ذكـر الله خاليا ففاضت عينا.
من المسلم به أن الحياة المعاصـرة تتطلب تكوين مجتمع متكامــل متضامن تسوده روح الأخــوة والتعاون والنصــح لله ولرسوله ولكافـة المسلمين وعامتهـم، ويكـون من من خـلال هذا ومن باب الأوليات أن يقــع إصلاح المجتمع بجميع طبقاتـه وتوجيهه الوجهة الصالحــة ليكون مجتمعا مثاليا تطبـع علاقات طوابــع الدين الراسخ، والمحبة الصادقـة. ليحقق الحق ويبطـل الباطل ولو كره المجرمون.
وغير خـاف أن الشاب عمدة من أعمـدة المجتمع يتقوى بها إن كانت راسخة متينة وينهــار إن كانت نخرة متلاشيـة، ولذلك وجبت العنايـة به ليكون للأمـة دواما وأصالـة وحسن تدبير.
والإســلام اعتنى بالشباب عنايـة خاصة تتحلى في الإشــادة بكل شاب طبـع حياته بطابـع الاستقامـة وروح الامتثال والتقـوى، وخاف الله في جميع حركاتـه، ومن خـلال ذلك يخلق التوجيهات الصالحـة لبناء النفس والجسم والعقـل على نمط متكامل يعطــي للحياة الدنيا حظها وللآخــرة مطالبها وينشأ نشأة دينية وأخلاقـه تبشر بالخيـر وتفتح طريق السعــادة في الدنيا والدين.
وهكذا نجــد القرءان الكريم وقد خـص الشباب بالتوجيه من خـلال القصص التي ساقها تكريمـا للشباب الذي سبق ظهــور الإسلام واستحق الفضـل بما جناه من كريم الصفات وجلائـل الأعمال يقول الله تبارك وتعالى، في سورة الكهف، ( نحن نقص عليك نبأهـم بالحق أنهم فتية ءامنوا بربهـم وزدناهـم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن من دونه  إلاها لقد قلنــا إذن شططا) ويقول في آيـة من نفس السورة: ( إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنــا ءاتنا من لدنك رحمـة وهيىء لنـا من أمرنا رشـدا).
فبهـذه الآيات ومثلهـا أشار القرآن الكريم إلى أن الشباب قد خلد في الصالحــات ذكره بما أوتى من عقل  وتبصر في وقـت طبعت الأهـواء جميع المعامــلات وانشغل النــاس بمشاغل الدنيا وابتعدوا عن التفكير في الوحدانية الشباب ليقضي الحقيقة من خــلال تدبره ومطالعتــه واستقرائه لأسرار الكـون وما وراءها.
وضرب الله  المثل في القرآن عن الشباب الطاهــر النفس، القوي الإرادة الذي يراقب الله في جميع تصرفاته وهو يتطلع إلى الثـواب والجزاء الحسن فيقـول تعالى حكاية عن سيدنا يوسف وهو في فتوفته وشبابه وجماله ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معــاذ الله إنه ربي أحسن مثواي أنه لا يفلح الظالمون).
والقرآن الكريم يسوق لنا القصص للاستفادة والتثبيت مصدقــا لقوله تعالى: ( وكـلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نتبت به فؤادك). ومنها نلاحـظ الغاية المقصودة في إظهــار العناية بالشباب وحثه على اقتباس السنن الحسنة من ماضي الأمم السابقة.
يقول تبارك وتعالى، في سـورة الأنبياء: (قالوا من فعل هــذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهــم يقال له إبراهيم)، ثم نجد لقمان وهو يعض ابنه ويربيه ويضع أمامهم علامــات منيرة لكي يسترشد بها في طريقه: (يا بني اقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك أن ذلك من عزم الأمور ولا تصاعر خدك للناس  ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخــور واقصد في مشيك واغضض في صوتك).
وهكذا اهتم الإسـلام بالشباب اهتمامــا كبيرا لا يقل عن اهتمامه بجميع أركان الدعوة الإسلامية إن لم يكن أكثـر منها وليس ذلك من دواعي الاستغراب إذا سلمنا بأن الإسلام جاء لتكوين مجتمع نافع  إذ المجتمع كما أسلفنـا لا يقوى إلا بشبابه فهم دعائم اليوم وبنــاة الغـد وآباء المستقبل ففي توجيههم والعنايـة بهم كل الضمانات الاجتماعية والحضاريــة. فقياس الأمم عادة يقاس بعــدد شبابها، والتعرف على خريطتهم الاقتصادية في المهــارة والاختراع والابتكار والإنتاج فيكون الشاب في بلده هو قلبها النابــض وحركتها والطاقة العاملة بقوتها وتجربتها.
فلا عجــب كما قلنا أن يهتم الإسلام منذ بـدأ نشأته بتوجيه اهتمامه للشباب فكان الرسول صلى الله عليه وسلم في أول تحمله الرسالة يتصل بالشبـاب ويثق فيهم.
وكان له فيهم تطلـع خاص يرى فيه المستقبل الصارخ والقيادة الراسخـة والقلب المتفتح للإيمان الذي لا تراجــع فيه ولا خذلان فقد روى جندب البجلي رضي الله عنه قوله: « كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحـن فتيان حراوة فترة الشباب القوي» فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلــم القرآن فازداد إيماننا وكان النبي صلى الله عليه وسلــم يقول: «الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم » فيكون  الخطاب هنــا على سبيل الإلزام والوجــوب لأن الإخلال به يكون إخـلالا بما هو وارد في القرآن الكريم: ( يا أيهــا الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا).
فتحمل الأســرة الأب والأم أمانـة الإحسان إلى الولد وتربيته تربية إسلاميـة صحيحة لأن المولود يولد على طبيعته فيأخـذ اتجاهه وعنيدته من الوسط الـذي يفتح عينيه من الوسط الذي يفتح عينيه فيه. يقول عليه الصلاة والسلام، « كل مولود يولد على الفطـرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم الأكرم يقرب إليه الشباب ويجالسه ويستمع إلى آراءه وأقواله، بل ذهب إلى أبعــد من ذلك فقلد أسامة  بن زيد قيـادة الجيش ليحارب قضاعـة وكان الجيش بطبيعة الحال يضم العديد من الصحابــة الأخيار يكبرونه سنــا ويفوقونه تجربة ولم يعترض أحدهم على الرسول لأنهم وجدوا في عمله درسا من الدروس النافعــة لأبنائهم مـن الشباب يتعلمون من خلاله تحمــل المسـؤولية والاعتمــاد على النفس في توجيه الأحـداث المحيطة وحتى يخبروا أهليتهم وكفاءتهــم وكان عمـر بن الخطاب رضي الله عنـه يقول: «علموا أولادكم السباحــة والرمايـة ومروهـم أن يثبوا على الخيـل وثبا» وهــذا التوجيـه منـه رضي الله عنــه مبني على تعاليم الإسلام التي تريـد أن يكون المسلـم قويا في كل شيء وهو مشابــه لقول الرســول صلى الله عليه وسلم، « المومــن القوي أحب إلى الله من المـومن الضعيف وفي كل خير».
ويقدر الإسلام العلـم والعلمــاء ولذلك فهو يهيب بشبابه أن يكون في طليعتهم يتسابق لنيل درجاتــه العليا وكـان من خصائــص المجتمع الإسلامي الأول أن يتطلع إلى المـزيد من التعمق في أسرار القرآن والسنة فيأخــذ عن الشباب الذي طبع الله قلبـه للإسلام وأنــار بصيرته لإدراك أسرار الآيات والأحاديـث.
من ذلك ما ثبت عن أمير المومنين عمر بن الخطــاب رضي الله عنه كان يفضل الاستماع إلى شروح ابن عباس رضي الله عنه عن غيره من كبار الصحابة وشيوخهم كلما حدث أن وقع اجتماع أو تدارس آيـة وكان يريد من وراء ذلك أن يفهم الصحابـة أن ابن عباس رغم شبابه فإنه عالم قوي الإدراك، وهكـذا ففي يوم ضمهم مجلـس كالعادة فسأل عمـر رضي الله عنه الجالسين عن قوله تعالى: (إذا جــاء نصر الله والفتح) حتى نهاية السورة فشرحهــا الشيوخ على أن الله أراد أن يبلغ رسوله أنه إذا دخــل الناس في دين الله أفواجــا بعد فتح مكة وجب عليه التسبيح والاستغفار، ثم سـأل بعد ذلك ابن عبــاس بقوله : «وما تقول يا ابن عباس فقال: ذلك أجــل رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يٌول لرسوله إذا فتحت مكة ودخـل الناس في دين الله أفواجا فقد تمت رسالتك ودنا أجلك فاستعد للآخـرة بالاستغفار والتسبيح فقال عمر ما أرى إلا رأيك».
وكــان من مبادئ الإسلام الاعتماد على الشورى امتثالا لقول الله تعالى: « وشاورهم في الأمــر» فأخــذ الرسول الكريم بهذا الاتجاه وأعطى للشباب خطه من الرأي بل ذهب إلى أبعــد من ذلك ونزل عند رأيهم أحيانا لعلمه أن رأيهم يكون منبثقا عن الإيمـان القوي والرغبة في تحقيق الطموح المتدفق وطوي المراحل للوصول إلى إحقاق الحـق ونشر ردائه من ذلك ما وقع في غزوة أحد، فقد علم الرسول الكريــم بوصول جيش المشركين إلى جبل أحد زاحفا على المدينة لأخــذ الثأر عن ما وقع لهم في غزوة بـدر التي فتح الله بها باب انتشار الإسلام والتعرف على شوكته التي لا تكسر، فأخـذ المشركون عدتهم التي بلغت ثلاثة آلاف مقاتل ومنها مائتي فارس بقيادة خالد بن الوليـد ـ قبل إسلامـه ـ في وقت لم يكن للمسلمين عتاد مـن هذا النوع فأدرك الرسول مخاطـر هذه المعركة وعواقبها فرأى أن يبقى في المدينـة تاركا للمشركين الهجـوم عليها لتضمحل قوة الفرسان ن بين الأزقـة ويستطيع أهــل المدينة المشاركة في الحرب ولو من فوق السطــوح بالرمي بالحجــارة وغيرها. غير أن الشباب المتحمسين من الأنصـــار أصروا على الخروج لقتال المشركين خارج المدينة فنــزل الرسول صلى الله عليه وسلم عند رأيهـم ودخل بيته ليلبس درعه فعاب من وافق رأي الرسول الشبـاب على أصرارهم فرجع الرسول ليجـد المتحمسين قد غيروا رأيهــم، لكنه عليه الســلام، قال ما معنـاه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبس لباس الحرب ليرجع عنها.
وإذا كامن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سلك هـذا النهج رغم ما فيـه من المخاطــر فإنه أراد أن يعلم الصحابـة الكرام أن رأي الشباب محتــرم ما  دام قد صـدر عن حسن نية ورغبة في الإنتصار لله ولرسالة نبيه، فمجال التربية واســع يتوجب أن يكـون من بين عناصـره إعطاء المـتربي فرصة التعبير والتجربـة لأن التجربة درس من دروس الحيــاة التي تعلم وتربي وتكــون ، وإن صح التعبير فهي معمــل لإخـراج أفراد المجتمع وصناعـة شبابه، وقد ترسخ في ذهــن الشباب تلك الأغـلاط التي ارتكبها في فتـرة تدبيره فيستفيد منها ويتعظ بها فلا يعـود إلى أسبابها.
لذلك ينبغي أن يكون هـدف المجتمعات الإسلامية وهي تربي فلذات أكبادهــا ليصبحوا رجــال الغد وأن يوجهوا كل عنايتهــم ليكون هـذا الشباب قويا في بدنه صادقـا في دينه مثاليا في أخلاقــه حزمــا في أعماله وليكون خيرا لنفسه ومجتمعه وأمته كلها، ومــن هذا المنطلق نتحمل كلنــا مسؤولية إعداد الشباب  إعدادا إسلاميــا يشع في قلبه نور الإيمـان ويتحلى بمكارم الإسلام تظافـرت جهود الأسرة والمدرسة  والثانوية والجامعة وجعلوا هدفهـم واحدا يتجلى في تنشئة الجيل الصاعــد تنشئة نافعــة فيتلقى في منزلـه أصول الأدب وحسن الأخــلاق ويكون تصرف الأب والأم عوامــل لتحقيق هذه الغاية فينطبع ذلك في ذاكـرة الطفل تنموا معه كلمــا سقيت جذورها وهدبت أزهارها في باقي المراحل الأخرى حتى يطلع شجـرة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
ولإعطاء رسالتنا حقها من العنايـة أن نلفت النظر إلى أن حيــاة الشباب محفوفة بالمصاعب تذكيها نفحات المراهقة وأطوار البلوغ وتخلق فيها نزوات جبارة تتسارع مــع الدوافع الأخلاقية الكامنـة في نفس الشباب فإذا وجـدت سبيلا للتأثير عليها كانت كارثـة في حياة الشباب وسببا من السباب خروجه عن الطريق السوي، لذا يجب الإدراك بأن أخطــر مرحلة في حياة الإنسان خاصة هي تلك التي تلتقي فيها فتــرة انسحـابه من الطفولـة ودخـوله حلبـة الشباب، وعليه فإن التحسب لهـذه الفتــرة الدقيقـة يجب أن يكـون قبل وصـولها بالـذات ولا يتأتى ذلك إلا بتلقيـن الطفـل مبادئ الديـن وإرشـاده إلى عـواقب الخـروج عنه.
فإذا تعلم الشباب وأخــذ من أسرار الآيات البينــات وهو في مطلع شبابــه استطاع أن يحجب عن نفسه أسباب الزلل والزيغ فبقوله تعلى مثــلا: (فأمــا من طغى وآثـر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأمـا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى). ويدرك الصلة بين عمله ومآله فيحجم عن ولوج مياديــن الفساد والخراب. وهـذا بطبيعــة الحال عندمـا يدرك من قبل أن هذا القرآن نزل ليكون صلة وصل بين الخلائــق والحالق ، فهــو كلامه إليهم على لسان رسوله: (إن هـو إلا ذكـر وقرآن مبين لتنذر من كان حيا). وليس على الرسول صلى الله عليه وسلم أكثـر من التبليغ والتبيان وينبغي على المرء أن يختــار إلى أي الطرق يسير وفي  كلها جزاء ينتظره لأن كــل من سار إلى طريق أدرك نهايتها وصدق الله العظيم:
(يا أيهــا الناس  قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى، فإنما يهتدي  لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنــا عليكم بوكيل).
ومتى رسخت في قلب الشباب وعقلـه أهداف الإسلام ورسالته الصادقة تشبث ـ بطبيعة الحال ـ بأهدابه واهتدى بهديـه، ولذلك فإن التوجيه الديني يجب أن يوافـق الطفل منذ سنه السابعة، وهي فتـرة هامة تأخــذ فيها أفكــار الطفل في التبلور والتكيف، فلا ينبغي أن تحصر العائلة عنايتها بالطفـل  في المجال التعليمي وحده، وتترك الجانب الدينــي، بل يجب أن يكون هناك سيرا موازيا. فقبل خـروج الإبن إلى المدرسة عليه أن يعلـم أن حق الله أولى وأسبق ، فيبـادر إلى الوضوء والصــلاة مستعينا بالله،  ثم إذا كان يوم الجمعة صاحبه والـده لأداء الصلاة معه في المسجد، فــإذا سمع القرآن يتلى دربه على الإنصات والتمعــن والتفكير. ولا حــرج أن يكون ذلك فوق مستوى الطفل فيتمرن  ويتهـيـأ للسنين المقبلة من حياتــه، وهذه العملية هي ما يطلق عليها اليوم بالتربيــة الروحية والدين الإسلامــي أكبر مدرسة في الحياة  المعاصـرة، ومنــذ أن ظهر للوجـود إطلاقا، فهي مدرسة للتربية الأخلاقيـة والاجتماعية ولصقل نفـس الطفل ولزرع بذور الخير والمحبة والصفــاء والتلاحــم والتعاون وهو الدين الذي هــدى إلى الأخوة الإنسانية بعيدا عن النزعات والعصبيات.
والتربية الإسلاميـة تحلى الشباب حلل الرحمــة والإيثـار وتنهاه عن المنكـر وتآمره بالمعروف وتشرح له المضار الموجـودة في الأمـور المنهى عنها والمنافــع التي تتضمنها الأشيـاء المأمور بها وتعطيه حرية التفكيـر في  الأصلح وهو يتدبـر قول الله تعالى: ( إن هـذا القرآن يهدي للتي هي أقــوم ويبشر المومنين الذين يعملون الصالحــات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يومنون بالآخــرة اعتدنــا لهم عذابا أليما).
فإذا نشأ شباب على تقوى من الله ورضوان أصبـح درعنــا الواقي سلاحنا البتار وقوتنــا التي لا تغلب، فانطلق يدافــع عن دينه غيرة وحماية ، ودعـا إلى التمسك به والاهتداء بأحكامـه، فانتشر بفضله كلمة الله وعــاد للإســلام دوره الطلائعـي في تسيير الحياة الدنيوية، ومتى كــان لنا هذا الشباب الذي طبع على حب دينه وأدرك مكامـن الدين  الحنيف تعبدت الطريـق أمامنـا وزالت كل المسالك الوعـرة لأنه ـ بوجوده في كـل مكان ـ سيعبر عن حقيقة الإسلام كما آمـن بها وكما تعلمها من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطـل من بين يديه ولا مـن خلفه ويدافــع عن الدين في مواجهـة من يتقولون عـن الرسـول والقرآن بقـوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحــا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا  وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) ورد على المعاندين على أنــه الدين القويم الذي بشرت به الكتـب السابقة في قوله تعالى: ( وإذ أخـذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكـم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومن به ولتنصرنـــه قال أأقررتم  وأخذتم على ذلكم إسري قالوا أقررنا قال فاشهــدوا وأنـا معكم من الشاهدين) وقال تعالى: ( ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وأفهـم أهل الكتاب أن دين الإسلام جاءت بواسطــة رسوله سيدنا محمـد صلى الله عليه وسلم ليتم  ما سبق أن جـاء به الرسل السابقون: (إنــا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعـده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسـى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينــا داوود زبورا ) ويقول تعالى: ( شـرع لكم من الدين مـا وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى إن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتنى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) .
ولا يمكن أن نحصـر مهمة تربية الشباب وتكوينه في المجالين المنزلي والمدرسي، بل أن التطــور الحالي والحياة المعاصـرة والتقدم التكنولوجـي جعل الإمكانيات متعـددة ومتنوعـة، فأصبح الاعتماد على تكوين الشباب دينيا مطلوبا من وسائـل الإعلام مثلا، إذ بإمكانهــا أن تضع برامج خاصة بالشباب المسلم من خـلال ما يعرض عليه من برامج ومحاضرات وندوات، وإنتــاج أفلام إسلامية صرفة عن السيرة ودور الشباب في مطلع الدعـوة الإسلامية ثم تقدم إليه توجيهات عن المحرمـات والممنوعـات بوسائل علمية وعملية، ويدخل في دور الإعــلام إقامة مناظــرات بين الشباب نفسه بمحضر رجـال العلم الإسلامي فينظم مثلا لقـاء بين شابين أو ثلاث يتحدثون فيه عن دور الصـلاة في تربية النفس وترويدها على الامتثال وضبط الغريزة  ويتحدثون كذلك عن الصوم وفضائله على الجسم والعقل والروح ويتناقشون عن الزواج في الإسلام وأثـر التنظيمات العصرية عليه. ويتكلمون عن مضــار الطلاق وآثاره، ولا يهمنا أن تكون المناقشــة في المستوى العالي إذ أن الغاية ليست الثقافة  كميدان، ولكن تكويــن ملكة البحث عن مكامـن الإسلام لدى الشباب وتبعا لذلك فلا معنى أن يشترط في الشباب مستوى ثقافي عالي،  بل يمكن أن نفسح المجــال حتى إلى تلاميذ الأقسام الثانوية وهم أبناء 15 أو 16 سمة.
ثم إنه من الواجب أن نترك للشباب فرصـة الاستفســار ونحاول أن نعطيه جوابا مقنعــا من خـلال الكتاب والسنة والواقع الإسلامي وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويجب أن يكـون اهتمامنا ونحن نؤلف قصصـا أن نجعل للتراث الإسلامي قصب السبق فيها ومــن خلاله نقتبس للقارئ فصولا مشرفـة ومنقوشة عن الملاحـم البطولية عند الشباب المسلم ولنـا في علي ابن أبي طالب وابن عباس، وأبو ذر الغفاري، وخالد بن الوليد وابن عمر وغيرهم كثير المثل الأعلى للشباب المسلم في مطلـع الدعــوة وبرفقـة الرسـول الأكـرم، وإذا أسرعنــا الخطى وانتقلنا إلى عصر ازدهــار الحضارة الإسلامية تطالعنـا أسماء وأعلام نعـيش على طعمها ورحيقها إلى اليوم في مختلف المجالات العلمية، وميدان الاختراع، ولسـت في حاجـة إلى القـول بأن الخوارزمـي وابـن الهيثـم، وابن سينـاء، وابن رشـد، وغيـرهم كانـوا فقط نواة مـن جـذور الإسلام الصحيح والتعاليـم الصـادقة لهذا الدين.
وغير خاف ما دام الحديث قد ساقنا إلى ميدان العلـم والمعرفـة أن نذكـر أن دين الإسلام حمل راية الانطلاق في التسابق إلى العلم والارتواء من قبضـة الدافق في أي ميدان كان لا يهمنــا فيه إلا الإدراك والاستنباط والاستقراء. فإذن يكون من الواجب أن نبلغ شبابنا أن دعـوة الإسلام ابتدأت بالإشـارة إلى العلم والتعليم ليفهم المسلـم أن العلـم نـور يهدي به الله وبواسطته يتقوى إيمانـه ويتقرب مـن ربـه وخالفـه ويزداد يقينا بأن عظمة الكون دليل على عظمــة الخالق ـ ولا حد لعظمته ـ يقول الله تعالى:  ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلـق الإنسان من علق اقرأ  وربك الاكرم الذي علـم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) . ويقول: (إنما يخشى الله من عباده العلماء ) وللدعوة إلى العلـم والحرص عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم : «فقيه واحـد أشد على الشيطان من ألف عابد».
فالشباب المسلم وهو يتعلق بتعاليم دينه أولى الناس بأن يكون على ما وصل إليه العقل من اختراعات وصناعات ومعطيات متنوعـة لا يهمنا ضررها ونفعهــا بقدر ما يهمنا أنها مـن عقل الإنسان وأن التعرف عليها أمر وجوبـي لأن الله تبارك وتعالى، يقول: ( أو لم يسيـروا في الأرض فتكون لهم قلوب يفقهون بها) (قل انظروا ماذا في السمــوات والأرض). ويقول : ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس).
وبصفة عامة، فإن الشباب المسلم  مطالب بالمشاركـة في كل الميادين الاجتماعية المعاصرة مع حرصـه التام على أن يتبع الأصلح فيها لأن شباك الأعـداء وحبال المخادعين  منصوبة لشبابنا في كل مكان وشيطان الشر يترقب خطاهـم، كما أكـد ذلك الخالق سبحانه: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهــم).
فالمشاركة في الرياضة والندوات والرحـلات والنشاط الثقافي والفني كالرسم والتمثيل كلها ميادين من حق الشباب أن يندمج فيها وليكــون رسول إخوانه المسلمين عند بقية الشباب ويبين لهم بطريق الممارسة والتنفيـذ تعاليم الإســلام وتربيته.
ذلك أن التيارات المتواجدة في الحياة اليومية والتقلبات المتواليـة تتسلل إلى ساحـة الشباب فتأثـر بأحداثها، فيكون مــن الواجب أن نفسرها له بحسب المفهوم الإسلامي وما يراه الإسلام لهــا من أسباب وما يقترحه من عـلاج، فلا يكون من المنطق أن نسد أمامــه طريق التفكير في تطوراتها لأن سماحــة الإسلام لا تخاف من الأهواء ولا تنخدع بالإيديولوجيات، وعليه فلا نرى بأسا أن يتعرف الشباب المسلم وهو قوي الإيمان بدينه على مختلف الاتجاهات ويدرس أبعادها ومضمونها ليتبين خبثها وسوء طويتها فإذا عرف الشاب المسلم أن نظرية الشيوعية هي سلب الإنسان شخصيته التي تكرم عليه الله بها وميزه بها عن باقي المخلوقات (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) يدرك بالبديهية أن هذا المذهب خروج عن الحقيقة الإنسانية ودور الإنسان في الحياة على أنه مخلوق رزق العقل يتدبر به والقوة ليسخر بها باقي الكائنات ولم يخلق ليكون هو نفسه آلة مسخرة في يد القوى.
ومن باب الإرشاد أن تعطى لشبابنا نظرة توجيهية عن الحضارة في مفهوم العالم النصراني واليهودي واللاديني على أنها ضرب من الانحلال والتعفن وتخدير العقول وطمس الأخلاق وأن مجتمعها أصبح يتطلع إلى حياته الحيوانية على أنها نوع من التقدم والرقي فضرب عرض الحائط بالمقومات الزوجية ووصل الاستهثار ببعض الدول التي ترتب عندهم في رأس القائمة وأعلى سلم الحضارة والمدنية إلى سن تشريعات تبيح الشذوذ الجنسي وتدافع عنه ،  وبعضها يبيح الزنا ولا يعاقب عليه والبعض الآخر أباح الإجهاض وقتل النفس التي حرم الله وغير ذلك من أنواع الاستهثار بأبسط مبادئ الحياة الاجتماعية المثالية.
وكثيرة هي الأبواب التي يمكن أن نوجه منها إلى الكفار طعنات تدل على خساستهم وانحطاط مجتمعاتهم ويدرك مـن ورائها الشباب المسلـم أن الحـق أحق أن يتبـع وأن ديننا الحنيف هـو المعيار عند اختـلاط الهواجـس والتيارات وأن مـن يبتغ غير الإسـلام دينا فلـن يقبل منـه وهـو في الآخرة من الخاسرين.                                         
وإشارة بسيطة وهامة يجب أن يتنبه لها الشاب المسلم ويتمسك بها وهي أن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه وبذلك فلا محل فيه فيه للظروف والتعقيد والتشدد والتضييق حتى نخرج عن مفهوم الدين الإسلامي والذي أسس على اليسر منذ أن أمر الله رسوله بالتبليغ بل بشره بأنه تحمل رسالة أيسر الأديان فقال تعالى، (ونيسرك لليسرى).
ومن باب تحصيل الحاصل أن نقـول أن الاختلاف في تفسير بعض الأحاديث أو بعض الآيات لا يجب أن يكون سببا في وقوع شقاق بين المسلمين أو تضـارب في أقوالهم تدفع إلى نزعات وخلق الطائفية.
ولا يجب أن يكون الإجتهاد في تفسير بعض الأقوال وحيا يجبر صاحبه الناس على اتباعه لأن ذلك يعتبر تطرفا وتعنتا والواجب يفرض أن يحترم كل رأي صاحبه وأن يكون النقاش بالموعظة الحسنة بعيدا عن الجدال العقيم والذي يجعل عامة الناس في خلط واضطراب وينبث أسباب العداوة بين المذاهب والإجتهادات لقد علق بعض الأصوليين بقوله لولا هذه الآية لهلك كل المجتهدين وذلك عندما تدبر قول الله تعالى، (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلماء). ويجب أن يكون الحكم على الشئ فرع عن تصوره فلا يراد من الحكم العناد والتعصب وفرض الرأي بدون مناقشة واقتناع.
وكلمة أخيرة يجب أن يعلمها سبابنا ويومن بها وبنشرها وهي أن الإسلام يوصي بالمحبة الإنسانية ولا يضر حقدا أو عداوة لأحد مهما كان اتجاهه أو دينه ما دام هناك نوعا من الاحترام المتبادل والتعاون الصادق والمعاملة الخالية من الدس والمكر، (لا ينهاكم الله عن اللذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين).
فإذا ظهر منهم عداء للإسلام واتجهت نيتهم نحو النيل من تعاليمه والمس بكرامته وجب آنذاك معاملتهم بما هو مناسب لتصرفهم ولم يبق وقتئذ مناسبة تسمح بالتعاون معهم لأن التعاون معهم يسئ إلى نخوة الإسلام وكرامته. وكل تعاون مع أعداء الإسلام ضد الإسلام وضد أممه يضع المتعاون في صف المنافقين ويجعل مصريه مرتبطا بمصيرهم.
وذلك مصداقا لقوله تعالى، (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المومنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا).
تلك إخواني الشباب هي تعاليم الإسلام وتربيته وتلك هي الأخلاق التي جاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليتممها وهو القائل:
«بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ولعلكم الآن قد أدركتم أنه دين جمع فوعى وأحسن صنعا وتوجيها وأن مبادئه وأخلاقه مثالية لم يستطع أن يدركها أفلاطون ولا سقراط ولا غيرهم من فلاسفة الحضارة والاجتماع ولا نحتاج إلى كثير من البحث لنعرف سبب ذلك لأنه جلى من خلال المنهج المثالي لتعليم الإسلام الحنيف وأهدافه السامية التي جاءت للإنسان رحمة والبشرية هداية وإرشادا وصدق الله العظيم. (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عندتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here