islamaumaroc

من المراكز الثقافية بشمال المملكة المغربية في القرن 16م: مدينة شفشاون.

  عبد القادر العافية

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

عـرف القرن السادس عشر الميلادي مراكز ثقافية متعددة في جهات كثيرة من المغرب، كجبال الريف والأطلس المتوسط والأطلس الكبير، والصغير، والهول الساحلية والصحراء وغيرها ...
وفي الثلث  الأخيرمن القرن الخامس عشر الميلادي أسست مدينة شفشاون (1471 م ـ 876 هـ) لغاية حربية وقصد إيقاف الزحف البرتغالي الذي كان يهدف إلى التوغل في البلاد بعدما تحقق له الاستيلاء على عدد من المدن الساحلية.
أسست المدينة المذكورة وأصبحت في حاجة إلى مرافق ووظائف اجتماعية وإدارية ودينية وقضائية... وما إلى ذلك من المرافق التي تتطلبها مدينة ناشئة.
وكان أول ما أنشئ من ذلك دار الحكومة (أو دار الإمارة) وأنشئت إلى جانبها دار القاضي. ودار الكاتب ثم أسس المسجد إلى جانب كل ذلك.
وأصبحت المدينة بالـرغم مـن صيغتها الإستراتيجية تتطلب وظائف مختلفة في ميادين شتى من ميادين الحياة...
وتتعرض الوثائق إلى ذكر أسماء لشخصيات علمية وثقافية كانت موجودة بالمدينة منذ التأسيس الأول، مثل أبي الحسن علي بن عمر بـن مصباح ابن عسكر(1) والد صاحب الدوحة الذي تقلد منصب قاضي المدينة في الفترة الأولى من حياتها، ومثل الفقيه العلامة المفتي والد القاضي أحمـد العلمي علي الشريف جد شرفاء القوس العلميين بشفشاون الذي ذكر ولده أحمد بأنه تولى منصبا حكوميا مع بني راشد بسبب روح ترامت إليه ...(2) ومثل علي بـن ميمون الإدريســـــــي(3) الحسني الذي كان أول كاتب  مـع الأمير علي ابن راشد والذي ما زالت داره بشفشـاون تحمل اسم الكاتب بن ميمـون والذي ولى منصـب القضاء بالمدينـة لفترة من الزمن ومثل القاضي محمد بن أحمد ابن الحاج الذي تولى منصب القضاء بشفشاون لفترة طويلة(4) على عهد الأمير إبراهيم ومحمد بن بني راشد.
هـؤلاء العلماء والفقهاء وأمثالهم لهـم دور تثقيفي بالإضافة إلى دورهم الوظيفي خاصة ونحن نعلم أن المسجد في حياة المسلمين كان يقوم بدوره في التعليم والتثقيف ابتداء مـن المراحل   
 الأولى في تعليم القراءة والكتابة إلى تدريس العلوم والفنون المختلفة.
وتـؤكد الوثائق أن المدينة  عرفت نشاطا مبكرا أي في الفتـرة الأولى مـن حياتها ففي هـذا الوقت المبكر كانت شفشاون موئلا لطلبة العلم ومدرسيه،  حيث كان طلبة العلـم يقصدون البلدة للتعلـم بها والاغتراف من معين علمائها ومن الذين أمـوها في هـذا الوقت مـن أجل الـدراسة بها، الشيخان الجليلان عبد الرحمن وعلي ابنا ريسون(5) وهما في ريعان شبابهما وكانت أمهما قد تزوجت بعد وفاة أبيهما سيـدي عيسى، قال أبو علي الحسن بن محمد بن علي بن ريسون في كتابـه، «فتـح التأييد في مناقـب سيدنا الجـد وأخيه والوالد» ... استعملهما زوج أمهما في رعاية الغنم والمعـز فافتـرس الذئب يـوما شاة لهما فضـربهما. فبلغ ذلك خالهما سيدي الحسن بن محمـد وكان مـن أهـل العلـم والديـن بمكان لا يجهـل وكانت لـه وجاهـة عند الخاص والعام مع انضاف لذلك من شرف النسب فأتاهمـا متغيظا وحملهما لشفشاون وكان مـأواه بها. وهي محـل قراره فدفعهما للعلـم والقـراءة وأحسـن معاملتهما إلى أن بلغا وظهـرت نجابتهما وفضلهما فانقطـع سيدي عبد الرحمـن (ت 950 هـ) بجامع سيـدي أبي خنشـة مـن القريـة المذكـورة(6) وبيته بها معـروف إلى اليـوم وآثـر الخلوة على الجلـوة والانفـراد على الخلطـة واشتغـل بتحصيل العلـــــم(7).
وهكـذا نرى أن الشيخين الجليلين قضيا شطرا من جانبهما في طلـب العلم بشفشاون حيث انقطع الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن ريسون بأحد بيوت مسجد سيدي أبي خنشة من أجـل التفرغ للعلم. والعبادة وهذا النص يدلنا على أن المدينـة أصبحت منـذ بداية القـرن العاشـر الهجري مركزا ثقافيا يؤمه الطلبة والمدرسـون وعشاق المعرفة.
وممن درس بشفشاون خلال هذه الفترة أبو العباس أحمد بن يحيى العلمي الشفشاوني المولود بجبل العلم بمدشر (بوسرواس) والمتوفى سنة 1001 هـ(8) فهو بعد ما حفظ القرآن الكريم توجه لشفشاون لطلب العلم فأقام بها ونسب إليها ثم رحل لفاس للانتفاع والتبرك بشيوخها ...
ومما جاء في فتح العليم الخبير ما يلي، «ومن أولاد سيدي موسى أولاد الفقيه  العلامة  سيدي  أحمد بن عيسى بفاس.  ويعرفون الآن بالشفشاونيين وكانوا يعرفون (بجبل العلم) بأولاد (بن يحيى) وسبب انتسابهم لشفشاون أن العلامة سيدي أحمد بن يحيى كان يقرأ العلم ويطلبه بمدينة شفشاون وطالت مدة إقامته بها عند شيوخها حتى ظهرت نجابته واشتهر فضله وبانت نباهته فرحل لفاس واستوطنها واشتهر بالشفشاوني ونسب بنوه إليه(9)  ...
ويتضح من هذه النصوص أن شفشاون كانت مركزا ثقافيا في القرن السادس عشر الميلادي ـ يقصده الطلاب والعلماء وعشاق المعرفة.
ومن المعلوم عند كتاب التراجم أن ابن عسكر صاحب الدوحة (ت 986 ـ 1578) قضى شبابه في هذه المدينة، منتقلا بين حلقات الدروس ومتصلا بعلمائها وفقهائها وصلحائها ... (10).
ومعنى هذا أن شفشاون بالرغم من أن القصد من تأسيسها كان حربيا، ومن أجل الجهاد. فإننا نلاحظ أن الحياة الفكرية والثقافية واكبت نمو المدينة وازدهار عمرانها منذ التأسيس الأول وتطور ذلك فيما بعد تطورا ملحوظا.
وفي الصف الثاني مـن القرن العاشر الهجري نجد أسـرا علمية استقرت بالمدينـة وسكنتها كأسرة ابن عرضـون(11)  وأسـرة (السكاح)(12)  وأسرة أجليان(13) وأسرة مخشان، وأسرة أولاد بن علوش، بالإضافة إلى أسر الشرفاء العلميين الذين استوطنوا منذ نشأتها .
هـذا،  ولا شك أن الجالية الأندلسية التي سكنت بالمدينة كانت تضم عددا من رجال الثقافة والفكر ونجد بعض الأسـر الأندلسية بشفشاون توارثت بعض الأنواع من المعـارف كالطب والصيدلة في أسرة أولاد المفرج(14)  والبيطرة في أولاد البيطار، وفن البناء أولاد العاقل.
وعدد من الأسر الأخرى توارثت فن الموسيقى الأندلسية، وتأثرت المدينة في مظهرها العام بالطابع الأندلسي، ويتجلى ذلك في شكل البناء المقوس بالقرميد، وفي طريقة مد المنازل بالمياه بواسطة شبكة من الأنابيب المحكمة الصنع، وفي العناية بالزهور داخل المنازل، وفي صحون المساجد، إلى غير ذلك من التأثيرات الأندلسية الواضحة المعالم.
وبـدأت الصبغة العسكـرية تزول عـن المدينـة ابتـداء مـن الربع الأول للقرن العاشر الهجري السادس عشـر الميلادي، وذلك نظـرا للتغيير الذي طـرأ على السياسة البرتغاليـة تلك السياسة التي أخـذت في هـذا الوقت بالـذات تحج إلى فكرة التخلي عـن التوغل نحو الداخـل والاقتصار على الاحتفـاظ بالمراكـز المحتلـة، وذلك ابتداء من عهد الملك البرتغالي عـام نويـــــــــــــل الأول (1491-1521) وكذلك طيلة عهد جيـان  الثالث (1521-1557) وكان الدافع لفكـرة عدم التوغل نحو الداخل:
1) فشل القوات البرتغالية في احتلال مراكش سنة 1515م وكذلك فشلهم في نفس السنة في النزول بأرض المعمورة الذي كانت الغاية منه التوجه نحو فاس العاصمة.
2) ظهور قوة جديدة بالمغرب قامت على الجهاد وحصار الثغور المحتلة وتحريرها، تلك هي القوة السعدية الناشئة، وكان من شأن ذلك أنه لم  تبق هناك ضرورة لوجود معسكرات بعيدة عن مراكز الاحتلال المتمثلة في نقاط على الساحل، سبتة، القصر الكبير، طنجة، أصيلا.
 ولهذا عرفـت المدينـة استقرارا وحيـاة فكرية خـلال القرن العاشـر الهجري، حيت أصبحت تعيش حيـاة عادية، اللهم إلا ما كـان مـن المساهمـة في الحصار حـول سبتة والقصر الصغير وطنجة وأصيلا.
وهـذا الوضع الجديد جعل مـن المدينة مركزا ثقافيا خـلال القـرن العاشر الهجري لأنه بالإضافة إلى حاشية أمراء بني راشد، وما كانت نتوفر عليه مـن فقهاء وعلماء وقضاة وقواد ومستشارين... نجد هناك حـركة فكرية تجلت في التدريس والاقتناء والنشاط الصوفي...
والوثائق التي نتوفر عليها ـ لحد الآن ـ لا تعطينا تفاصيل هامة عن جميع المواد المدروسة، ومع ذلك فالذي بين أيدينا من الإشارات والنتف اليسيرة نستطع أن نعرف من خلاله أن حركة التدريس والتعليم كانت حركة نشيطة وغير منقطعة، فحلقات الدروس كانت تعقد بمساجد المدينة وخاصة بالمسجد الأعظم.
ففي هذه المساجد كانت تعقد حلقات لتدريس علوم القرآن الكريم والفقه والنحو، واللغة، والآداب والحساب والفرائض والتصرف وما إلى ذلك...
وإذا كانت العادة بالمغرب كما يقول ابن خلدون هي البداية بحفظ القرآن واستظهاره عن ظهر قلب وختمه عدة مرات، فإن هذه العناية  كان لا ينفصل عنها ـ في كثير من الأحيان ـ  العناية بالعلوم القرآنية،  وخاصة ما يتعلق منها بالقراءات والروايات المختلفة،  وما يتعلق بضبط القرآن ورسمه وتتبع ألفاظه وجمله وآية.
وهـذه الدراسة القرآنية كانت تعقـد لها حلقـات متعـددة، وكان لها أساتـذة يتقنونها، وقد اشتهر بالمنطقـة في هـذه الفترة الأستاذ الشيخ سليمـان(15) الملولـي  وهذا الأستاذ هو الشيخ الحسن ابن عرضون، وشيخ أخيه عمر ابن عرضون وغيرهما.
واشتهر كذلك في هـذه الفترة الشيخ عبد الله القسطلي وهـو شيخ عبد الله الهبطي في العلوم القرآنية(16). 
وفي نهاية القرن التاسع الهجري كان علي ابن ميمون البوزراتي الغماري وهو أحد المتضلعين في علوم القرآن يسكن مدينة شفشاون وكان قد تضلع في علوم القرآن بمدارس غمـارة التي كانت في هذا الوقت تعيش فترة ازدهار في هذا الفن، حيث تلاقحت فيها الوقت وتمازجت المعارف الأندلسية بالمعارف المغربية في هذا الميدان وكان علي ابن ميمون قبل أن يسكن المدينة قد درس بفاس على أهم علماء هذا الفن في ذلك الوقت، كالأستاذ أبي جمعة الهبطي الصماتي (تـ 930) وغيره ...
فحفظ القرآن ودراسته ومعرفة علومه مع إتقان ضبطه ورسمه كان الشغل الشاغل لفقهاء وعلماء ذلك العصر، ويشير الأستاذ عبد الله كنون في كتابه ...النبوغ المغربي ... فيقول: «وإن تنس لا ننس ما وجـد في هـذا العصر مـن كثرة الإقبال على علـوم القراءة وشدة العناية بها حتى لقـد تخصص بها علماء كثيرون لا يزاولون غيـرها مـن العلـوم، كمـا شارك فيها سائر العلمـاء بل كان وصـف العالمية لا يكمـل إلا بها بل يمكننا أن نقول : إن هـذا عصرها الذهبي في إفريقيا كلها الذي بلغت فيـه أوج الكمال وحــبك دليلا أن وقف القـرآن الذي وقـع الإجماع عليه، وجرى العمل به في المغـرب منـذ ذلك الوقت إلى الآن إنما وضـع في هـذا العصر، وكان واضعـه هو الأستاذ الصماتي ...»(17).
وكان أبو الطيب الحسن بـن يوسف الزياني (تـ 1023) مـن المبرزين في علـم القراءات وفي العلوم العربيـة كلها مـن صرف واشتقاق وما إلى ذلك وكـان أستاذا  ماهـرا في علـوم القرآن أخد ذلك عـن شيوخ هذا الفن...(18).
واشتهر محمد خشان (تـ 1042) قاضي شفشاون ثم تطوان بتعاطيه لتدريس التفسير ومات بتطوان وقد وصل في التفسير إلى قوله تعالى : «وآخرون اعترفوا بذنوبهم... »(19).
أمـا المواد الأخرى، فكان تدريسهـا مزدهرا كـذلك جاء في «فتح التأييـد»(20) عن الفقيه الأجل القاضي العدل سيدي الحسن الخالدي قال:«حدثني سيدي محمد اسلوفان البريثني، قال: «كنا نحضر مجلس سيدي محمد بن عرضون في تدريس العلم وكان يقرأ يوم الخميس والجمعة الحكم لابن عطاء الله رضي الله عنه ... وكان سيدي محمد بن عرضون له اليد العليا في سائر العلوم. وكان وحيدا في علم العربية والمعقول والتصوف ...(21) ويبدو لنا من خلال هذا النص أن القاضي محمد بن الحسن بن عرضون كان يقوم بتدريس كثير من المواد بالمسجد الأعظم بشفشاون وكان يخصص يومي الخميس والجمعة لتدريس حكم ابن عطاء الله الإسكندري. والحقيقة هي أن كلا من أحمد ابن عرضون (ت 992) وأخيه (ت 1012) كانا يقومان بعملية التدريس بشفشاون. ويثبت الشريف العلمي «أن أبناء عرضون تصدوا للتدريس في المدينة الراشدية زمنا»(22).
العلماء الزوار:
وكما عرفت المدينة فقهاء ومدرسين قارين كذلك عددا من العلماء الزوار والذين كانوا يتخذون من شفشاون محطة استجمام واستراحة قد تطول لبعضة أيام،  بل وربما لبضعة اسابيع وذلك في طريقهم لزيارة ضريح القطب الشيخ عبد السلام ابـن مشيش ويبدو أن زيارة الشيخ ابن مشيـــــــش(23). وخاصة في القرن الثامن والتاسع والعاشر عند أكثر العلماء من القربات التي يتقربون بها إلى الله تعالى ويسعون في تحقيقها كلما أمكنهم ذلك إلى درجة «أن العلامة السيد محمد بن سودة زار ضريح الشيخ عبد السلام ابن مشيش سبعين مرة(24)  أي بمعدل مرتين في السنة طيلة خمس وثلاثين سنة.
وكان معظم الزائرين من فاس والقبائل المجاورة لها. يمرون من شفشاون وكان بعضهم يعقد حلقات للدروس بمساجد المدينة أو في بعض زواياها. واستمر ذلك إلى ما بعد القرن العاشر حيث نجد شيوخ الزاوية الناصرية مثلا يواظبون على هذه الزيارة .                  
وعلى النزول بشفشاون الشئ الذي نشأ عنه مصاهرة بينهم وبين الشرفاء العلميين بهذه المديـــــنة(25).
ومن زوار المدينة في منتصف القرن العاشر الهجري الشيخ الإمام علي ابن هارون المطغري يقول ابن عسكر في الدوحة متحدثا عن زيارة هذا العالم، «وانتهت إليه رياسة العلم في وقته. لقيته بشفشاون وسمعته يقتني بجواز المغارسة في الأرض ....»(26) ويبدو أن هـذا السماع كان أثناء إلقائه لأحـد الدروس بهذه المدينـة..
ويحدثنا في موضوع آخـر من دوحتـه فيقول متحدثـا عن مجالســة  علمية مع الشيـخ أبي العباس  أحمد الحداد، «جلست معه رحمه الله مرة بشفشـاون وصرت أتكلم معه في التصوف وطريـق المواهب وكنت كثيـر الحفظ أقول له قـال الشيخ فـلان وروي عن الشيخ فـلان فقال لي: إلى متـى من قول فـلان ورويت عن فلان فمـاذا أنـا وأنت؟»(27).
«فمــاذا أقول أنتا وأنت ؟»، هذه جملة ينبغي الوقوف عندهـا قليلا، لأنها تـدل على أن بعض العلماء من هـذه المنطقة في  ذلك الوقت كان يحاول أن يقوم بتغيير جـذري في منهج التدريس ، وأسلوب التعليم، فابـن عسكر الذي أخـذ يسرد النصوص ليفحم بهـا محاوره الشيخ احمـد الحداد، وليبرهـن له على كثـر حفظه ومروياته... نرى هـذا الشيخ يواجهه بنقد لاذع ويقـول له : «ماذا أقـول أنا وأنت؟ وهـو بذلك يفصـح عن فكـرة بناءة نرفض الجمـود ، وتحـبذ التفتح والتطـور، وتحث على التفتـح الذهـني والعقلي، وتوجــب دراسة النصوص دراسة عميقـة، ومناقشة أصحابها، وتفحص آراءهــم وتمحيصها لمعـرفة الغث مـن السميـن والمجيـن من الأصيل ، والزائف  من الصحيح».
ومما لا شك فيه أن دراسـة النصوص بعقلية متفتحـة ومتبصرة كان من شأنه ـ لو ابتع ـ آفـاقا جديـدة في عالم الفكر ومناهـج العلم.
والنص الذي أورده ابن عسكـر بكامل العفويـة، يدل علي أن محاولة إصلاح مناهج التعليم وأساليب التدريس كانت تراود بعض علمائنا في عصر نسميه (عصـر الجمود) ومعنى ذلك أن محاولـة إصلاح مناهـج التعليم كانت دائمـا وأبدا تعيش في أذهـان بعض المفكرين، وكانـوا يفحصون عن ذلك عندمـا تتاح لهم الفرص، إلا أن التيار العـام كان أقوى من محاولة أولئك الذيـن كانوا يترقبـون إلى الإصـلاح ويودون التغيير والتطويـر.
وبمثـل هذه المحاورات كان العلمـاء الزوار يساهمـون في تنشيط الحركـة الفكرية بالمدينة، واستمر ذلك إلى ما بعد القـرن السادس عشر الميلادي، حسبما يستفـاد من قصيدة العلامـة المحقق السيد الحسن اليوسي التي وصـف بها طبيعـة هذه المدينـة وأشاد بأهلهـا وبالجـو الثقافـي والأخوي الـذي كـان يغرمه فيهـا ومن هذه القصيدة قوله:

وأحبـــــة كانــــوا  لنــــا              كالــراح  بالمـــاء  التـــــام
لـــم يعــد بيــن بيننــــــا                ولـــو الفــراق بنـــا ألـــم
البيــن بيــــن جومنـــــــا              لا بيــن أنفسنــــا يحـــــم
والنفــس أرض قــد ســـــرى         منهـــا المعيـــن ذو الكـــرم
والديــن روض قـــد رعــــى         مــن العقــــبى رعــــــم
العلــم ورد مــــا حــــــلا  إلا        لمــن نـــــزع الحلــــم

ومطلع هــذه القصيدة هو قـول الإمـام اليوس رحمه الله:

شفشـاون مـــأوى  الشمــــــم        والمجــد عـن طــول الأعـــم
بلـــد بحســـــبك منظــــر  منـــه ومخبــــره أتـــــم  وهي قصيدة في نحـو أربعين بيتا(28).
وعن مثـل هذه الزيــارات حدثنا أبو الربيع سليمان الحوات قائلا:
«وممن كان يتعهـد شفشاون بالـزيارة مقتفيـا في ذلك بعمـل والده الشيخ، أحمـد بن الشيخ محمد بن ناصـر، زارها في السنة التي بايـع فيها أمير المؤمنين مولاي محمد بن عبد الله، فمر على ضريح الشيخ عبد السلام ابن مشيش، وحط بشفشاون،  محـط أسلافه وأشياخـه، ونـزل بزاويـة جده الشيخ العلامـة سيدي محمـد بن ناصر، وكان برفقته في هـذه الزيـارة العلامـة الشيخ أحمـد بن عبد الله الرباطـي، والعلامـة الشيخ أحمد بن العربي المراكشي.. وغيرها... »(29).
هـذا ومن المعلوم أن أبـا عبد الله محمـد الحوات القاضـي الشريف العلمي الشفشاونـي والد أبي الربيـع سليمـان الحوات كـان مـن شيـوخ العلامـة سيـدي أحمـد بـن ناصر(30) ، ويذكـر سليمان الحوات علاقـة النسـب والمصاهــرة التـي كانت تربـط بين الأسرتين الناصرية بدرعـة والعلميـة بشفشاون.
ونستخلص من كـل هذا أن شفشـاون بالإضافـة إلى من كان بهـا من المدرسين والفقهـاء تحظى بزيـارة جهابـذة العلماء وفطاحـل الفقهاء والأدبـاء...
ولا شـك أن مثـل هـذا الجو الثقافـي كان يجعلها مقصد طـلاب العلم والمعرفة، وخاصة من ضواحيها والأقاليـم المجاورة لها..
ومن الزيارات التي احتفظت بها الوثائـق زيارة أحد العلماء الأتراك الذيـن كانوا يقيمـون ببغداد، وهـذه الزيـارة تحدث عنها الشيخ القاضـي أبو العباس أحمـد ابن عرضون في كتابـه حدائـق الأنوار في سياق حديثـه عن الأسانيـد التي أخذها عن بعض المشايخ العلمـاء قائلا: «تلقيت سنـدا عن عالم قـدم من المشرق يسمى محمـد المهدي ينتسب لعبد القـادر الجيـلاني في طريقته قدم من بغداد لزيـارة أولياء المغرب فجاء من الجزائر في سفينة وخـرج بثغر تطوان واجتاز علينـا بشفشاون  فلقيتـه يوم الأربعاء ثاني المحـرم فاتح عام (988هـ/1580) ورأيت عليه سمتـا حسنا وظهر لي من البركـة في المجلـس مـا أجب أن أطلب منـه سند المصافحـة فصافحته، فقال لي أتحب سلطـان الأولياء عبـد القادر الجيلانـي؟ فقلت نعـم، فناولنـي يده المباركـة وصافحني ، ودعـا لي بدعـاء لم أفهمه للعجمـة التي غلبت عليـه، وسألـت عنـه خديمـه، فأجـابني بأنـه لا يعـرف إلا اللسـان التـركي.(31)
وهـذا النص له أهميـة تاريخية زيـادة على أنه يؤكـد أن شفشـاون كانت مـزار العلماء والفضـلاء... وعلى الجملة قد ازدهـرت الحياة الفكريـة بشفشاون خـلال القرن السادس عشر الميلادي ومـا بعده، وساهمت في هـذا الازدهـار العوامـل التي اشرنـا إليها من قبل.
   
(1)    تقييد الشيخ محمد الصادق الريسوني عن شفشاون مخطوط خاص.
(2)  مران المحاسن ترجمة أحمد العلمي الشفشاوني 165.
(3)  ترجمة صاحب الدوحة ص 23 ط م ونشرت له ترجمة مع ذكر جل تآليفه في دعوة الحق 8 س 18 ص 165.
(4)  ذكره صاحب النوازل العلمي وصاحب المغرب الفصيح.
(5)  ترجم لهما صاحب الدوحة «15» والحضيكي: طبقات: 2 . 319 . والفضيلي الدور البهية 2. 72 ، وأحمد الرهوني في عمدة الراوين : «5» بدون ترقيم : نخ المكتبة العامة بتطوان، والحسن بن محمد بن ريسون في فتحه ومناقبه.
(6)  مازال هذا المسجد يحمل نفس الإسم هو مسجد جامع يقع بحومة الخرازين قرب باب العين من مدينة شفشاون.
(7)  فتح التأييد ص 21 مخ. خاص ومناقب مخ الخزانة العامة بالرباط 2286 ك ص 116.
(8)  ترجم له ابن القاضي في ذرة الحجال ج 1. 101 ط القاهرة 1970 ومحمد بن الطيب القادري في نشر المثاني ج. 1. 16، ط: الحجرية بفاس، ومحمـد بن الصادق بن ريسون في فتح العليم الخبير، ورقة 24-73، مخطوط المكتبة العامة بتطوان، تحت رقم 856
(9)  فتح العليم الخبير في تهذيب النسب العلمي بأمر الأمير، ورقة 74 ـ 73.
(10)  أنظر ابن عسكر عند ليفي بروفنسال في كتابه مؤرخو الشرفاء وفي الإعلام للعباس المراكشي ج 4. 174.
(11)  أسرة ابن عرضون، تولى عددا من أفرادها القضاء بمدينة شفشاون وإقليمها.
(12)  أسرة السكاح تحدث عنها كل من: صاحب لفظ الفوائد ص 287 ط، الرباط المغرب الفصيح ورقة، 24 ونوازل العلمي: 
2. 328 ، ط حجرية بفاس سنة 1332.
(13)  تشبيه الولدان للكلائي شبه الولدان الحضيكي.           =
(14)  ثمرة  آنـي للحوات .
(15)  أنظر مقنع المحتاج في الآداب الأزواج.
(16)  أنظر الدوحة لابن عسكر ص: 23 ط ج
(17)  النبوغ المغربي ج: 1ص : 173ط تطوان.
(18)  أنظر المرآة ص: 165وما بعدها ط،ج.
(19)  نفس المصدر.
(20)  فتح التأييد ص 44.
(21)  نفس المصدر.
(22)  ملحق حوالة المسجد الأعظم بشفشاون ج 2، 176.
(23)  ضريح ابن مشيش يقع على قمة جبل العلم ويبعد عن شفشاون بنحو 50 كلومتر وعن تطوان بمثل هذه المسافة تقريبا. وهو في قبيلة بني عروس من إقليم تطوان.
(24)  الروضة المقصودة لسليمان الحوات مخ خ. ع . 251 رقم : 2351 ك.
(25)  ثمرة أبي سليمان الحوات مخ.ع.ر. 1964 هـ.
(26)  الدوحـة، 40، ص حجرية.
(27)  نفس المصدر ص: 18، والشيخ أحمد الحداد هو من بني فلواط بالأخماس العليا على بعـد نحو 45 كليومتر من شفشاون.
(28)  ديوان الحسن اليوسي ص: 6 ملزمة: 14 ط حجرية.
(29)  أبو الربيع سلميان الحوات (ثمرة  اني في التعريف بنسبي).
(30)  هو ابن الإمام سيدي أحمد بنا نصار توفي ودفتن بشفشاون سننة 1156هـ.
(31)  (حدائق الأنوار...) لأحمد بن عـرضون، مخ، خ. م رقم 942 غير مرقم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here