islamaumaroc

كن رجلا ولا تتبع خطواتي

  دعوة الحق

27 العدد

حكمة عميقة في كلمات بسيطة، لأديب عالمي مشهور، عاش في عصر عاصف، تماما كما نعيش، خصوصا من الوجهة السياسية والأدبية، راقب عن كثب حملات نابليون، وشارك بنصيبه في النهضة الأوربية الثانية، وخبر الأفراد والمجتمعات، فظهر بأفكار جليلة، وحكم محمودة، تعد وسائل لرقي شامل في مجتمع يتضمن لبابها بعقل تقي سليم، من ذلك حكمته هذه (كن رجلا ولا تتبع خطواتي).
فالذي يمعن النظر في هذه الحكمة لابد له من التساؤل: لماذا يريد جيته من غيره ألا يتبع خطواته بينما لا يوجد في خطواته ما يزيغ بالشخص عن سبيل الرجولة الكاملة والشخصية السامية؟ فالمشهور عن خطوات جيته أنها من النوع الذي يصح أن يكون قدوة، حتى أن نابليون بونابرت وصفه بأنه رجل، وأن «برانديس» الأديب الدنماركي قال فيه: (إن حضارة الأمم تقاس بمقدار تقديرها لجيته).
ثم إن جيته قد عاصر رجالا من أمثال روسو وديدرو وفولتير ودالمبير وغيرهم من الذين أحدثوا النهضة الأوربية الثانية وشاهد فيهم رجولة تامة، ورأى منهم ما يحمد من النهج والوسائل لتكوين تلك الرجولة والشخصية، فلماذا لم يختر خطوات بعض هؤلاء إذا منعه التواضع ونزاهة النفس من اختيار خطواته هو؟ الظاهر أن جيته لم يقصد عدم اتباع خطواته وحده، بدليل ما أسلفنا من أن خطواته لم تكن فاشلة مضطربة، كما هو مفصل في التآليف التي تعرضت لحياته، وكما ذكر ذلك الأستاذ المرحوم سلامة موسى في كتابه: (هؤلاء علموني) بأسلوبه المنصف المدقق، فلو كان جيته يقبل أن يتبع الشخص خطوات من شاء من الشخصيات العظام فلا يستثني منها سوى خطواته وحده، لبطل في نظري مرمى هذه الحكمة السامية.
وبالفرض أن جيته يقصد رجولة معينة، محصورة في إطارها المعين، فإننا نقف تجاه جيته على عدم اتباع خطواته وخطوات غيره في شبه حيرة إذا استثنينا ظاهرة التقليد، فحصر الشخصية وخنق العبقرية يدخلان في قوله لا تتبع الخطوات، ومفهوم الحيرة من جهة أخرى هو هل يعني جيته بالخطوات التي ينبغي عدم إتباعها خطوات الفرد قبل تمام رجولته فيكون القصد إتمام هذه الرجولة، وعند ذلك يتسنى لنا البحث فيما إذا كانت الرجولة ستبقى محصورة  أولا، أو هي التي تقع بعد تمامها والتي يكون معناها اعتبار الحياة بكل ما في الكلمة من معنى، بحيث تقصد الحياة نفسها برسالة خطوات الشخص الجديدة من نوعها أو هو بالتالي لا يقصد الخطوات الأولى ولا الثانية، وإنما يرمي إلى أن يضع الفرد أشواطا نصب عينيه، ويدخل في نطاقها تكوين رجولته عندما يصبح متمتعا ولو ببصيص من الاستقلال الفكري، أو بدون مبالغة منذ أن يتيح له المعلم بطرق تربوية خروجا من حجره الفكري إلى نهاية حياته، وهذا كله وإن كان أقرب إلى التخمين والحدس فإنه يؤدي بنا إلى أحمد النتائج.

وكلتا الحالات يسفر البحث فيها على بضع احتمالات:
فبالاعتبار الأول كلنا يعلم أن خطوات الشخص قبل تمام رجولته هي التي تصبغ تلك الرجولة بنوع خاص، فكأنها الألوان الطبيعية للمنظر الطبيعي، غير أن الجوهر يبقى بالنظر لبعض النواحي والحيثيات جوهرا، ومادام لكل فرد أن يختار خطوات من عنديته للتفتيش عن رجولته، بحيث لا ينبغي له أن يسلك ما سلكه غيره ممن وصلوا إلى قمة المجد وسدرة العبقرية، فإننا سنحصل على رجال ذوي شكليات أخرى، وعبقريات غير معروفة أو معروف منها البعض، ويمكن أن تكون عاملا على الخير، أو عاملا على الشر، أو أن تكون الأكثرية فيها من هؤلاء  أو من أولئك، ويمكن أن نتذكر في هذا الصدد فكرة التخصيص وإن كانت أقرب إلى شؤون الثقافة منها على تكوين الرجولة في أوسع نطاق، ذلك أن التربية تقتضي اليوم أن تراعى في توجيه خطوات الفرد في نشأته الثقافية ميوله وانطباعاته، غير أن مما يعاب علينا اليوم أن ميولنا محصورة، فليس هناك في الأغلب من طلاب العلم من يخرج عن نطاق ما ذكره صاحب القصيدة التي مطلعها:
أيهــا السـائـــل عـنـــي                    لا تســــــل  إلا خبيـــــرا
فإنه لم يعد المهام المعروفة: وزيرا، أميرا، صحافيا قديرا.. إلخ، ونسي أن ينبهنا مقدما إلى أن يكون بعضنا «داروينا» في أصل الأنواع: أو غانديا في الدعوة إلى الاستغناء من أجل التحرير أو غير ذلك، وهذا يساير فكرة تغيير الخطوات، إلا أنه قد يمكن أن نوجه لجيته بعض اللوم حول ما يقع -وعن غير قصد- من وجود فرد ميوله تدعو إلى اتباع خطوات جيته، فما العمل إذن؟
وبالاعتبار الثاني فأظن أن أول نقطة يمكن أن يتعرض إليها الباحث هي أن شخصية الرجل -كما يقول الإبراشي- تبدو في مقدار ما عند الشخص من الاستقلال الفكري، وحضور البديهة وسرعة الخاطر، وقوة الروح.. إلخ، ويهمنا من هذا قوله: «الاستقلال الفكري» فالشخص الذي لا يتوفر على استقلال فكري: أو هو عبد غيره في جميع خطواته وحركاته أو هو معتمد على غيره، هذا الشخص وإن كان له من الكمية ما هو جدير بالاعتبار ليس رجلا بمعنى الكلمة، وإنما هو إنسان ذو شخصية مغلولة منحلة، فالرجل هو الذي ينفرد بعبقريته فيختلف على الأقل عن غيره في الشكلية، وهذا باستثناء المزايا والفضائل والأفكار التي انطبع عليها في الأواخر كل ناضج فكر، بحكم صلاحيتها، فمثلا قد اشتهر هيرودوس بالظلم، واشتهر سيدنا عمر رضي الله عنه بالعدالة، ونابليون بقوة الإرادة والعزيمة الصلبة، وإبراهام لنكولن بالعطف على المساكين، وجورج واشنطن بالوطنية الصادقة، ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول بالاستماتة في الدفاع عن الوطن، وكل واحد منهم كونت منه صفته رجلا مشهورا بارزا، وبهذا فجيته -على حد الاعتبار الثاني- كان قوله (كن رجلا) فقط، كافيا لأن نفهم منه أن هذا الشخص المقصود بالنصيحة لن يقلد غيره، ولن يتبع خطوات جيته ولا خطوات غيره لأنه إذ يفعل تنطبق عليه الصفات التي أسلفنا قولها ولن يعتبر  تام الرجولة، وحين نعدو هذا إلى نطاق أوسع نجد أن نابليون حين خاطب جيته بقوله (جيته رجل) وصمت، كان يقصد المعنى الأسمى للرجولة الكاملة، فالمشهور عن جيته أنه لم يكن عبقريا في الأدب أو العلم أو الفن، وإنما كان يوجه اهتمامه إلى أن يكون من نفسه شخصية عالمية فذة، فكان يهتم بسائر العلوم حتى بالجيولوجية والبيولوجية والبصريات وأصل الأنواع، وبعبارة أصح كان يهتم بالحياة، وكانت رسالته في الحياة هي الحياة نفسها، وهذا عمل، إذ لم يسبقه أحد إليه فهو عمل رجل فذ بكل ما في الكلمة من معنى، وعندما خاطب جيته نفسه نابليون رجل الحرب في قصيدة شعرية بقوله:
إن الذي يقدر على كل شيء                      يقدر أيضا على السلام
 كان يقصد بكيفية مثلى معنى عاليا للرجولة الصحيحة، فنابليون الذي لم يزد على ما فعله الأبطال كخالد بن الوليد، والإسكندر المقدوني، وموسى بن نصير، ومحمد الفاتح، لم يكلف نفسه الإتيان بشيء آخر، وقد نبهه إلى ذلك جيته بتلك العبارة وأراد منه محاولة تحقيق السلام لأن فيه الخير للشعوب، وإثبات رجولة قد تعتبر فيه مزدوجة، ومعلوم أن فكرة السلام اليوم تشغل الجميع ولم يوجد رجل أو رجال يحققونها تحقيقا باتا، غير أنه لا ينبغي أن ننسى نقطا مهمة، وهي أنه ربما كان جيته قد خص عدم اتباع الخطوات بالذكر عمدا لأنه عمل يبرهن على تمام الرجولة في الشخص وإلا كانت ناقصة، ولكن ما العمل إذا كانت تلك الخطوات محمودة، وصل بها أحد الأعلام إلى هدف من قبل، ويراد الوصول إلى نفس الهدف في الحال، بينما لا توجد خطوات أخرى بعد، أو إذا كانت تلك الخطوات قد اتبعت عمدا، غير أنه يمكن أن نعتبر هذه المسائل على الهامش، وبعد هذا يمكننا أن نطير إلى أبي العلاء المعري لنذكر قوله:
وإنــي وإن كنــت الأخيــر زمانــه                  لآت بمــا لــم تستطعــه الأوائــل
فنفهم الرجولة في شكل ارتقائي تصاعدي، غير أنني لا أعني بالضبط أن عدم اتباع خطوات الآخر كاف لأن يأتي بواسطته الرجل بأشياء خارقة لم يأت بها غيره، أو أن يتفوق عليه، بل قد يكون هناك اختراع مخترعات وكشف أشياء وخلق أفكار ونظريات أكثر مما يكون التفوق، لأن التفوق مسألة أخرى، ويكون هناك الرقي الجماعي مشخصا في تلك الخطوات وفي ذلك الكشف والخلق والاختراع أكثر من أي شيء آخر، وأنا لا أعني أيضا بالضبط في استدلالي بنابليون وبأبي العلاء أن رجولة الرجل لا تثبت إلا إذا تفوق على من سبقه بالوسائل التي ذكرت، وإنما أعني أن رجولة رجل سابق وحدها في شخص فإنها لا تعني زيادة الترقي بمرور الزمن، إذا لم تكن هناك خطوات جديدة ولا مضاعفة جهود، وبدليل واسع إن الأمة التي لا تخترع الذرة ليست من قيمة التي تخترعها، أي أن هذه تقدمت بعامل الزمن وبتغيير الخطوات وتلك لم تتقدم.
أما الاعتبار الأخير فقد نظن لأول وهلة، وببداهة أنه جامع لأهداف الاعتبارين الأولين، ولكننا إذا ما تبصرنا مليا فلربما سنقف عند همزة الوصل بين الاعتبارين، لأننا لم نحكم قط فيما سبق بأن الذي لم يتبع خطوات غيره بعد أن صار رجلا، لم يتبعها قبل أن يصير ذلك الرجل، وتدخل في هذه النقطة فكرة التخصيص وإن لم تكن شاملة لمفهوم الخطوات، غير أنه يمكننا الحكم بأن من لم يتبع خطوات غيره قبل صيرورته رجلا في الأغلب لن يتبعها بعد هذه الصيرورة، بدليل ما انطبع عليه من حرية الفكر طوال المدة، فنحصل كما ذكرنا سابقا في الاعتبار الأول حين تتم رجولة غير متبعي الخطوات على رجال ذوي شكليات أخرى وعبقريات غير معروفة.. إلخ، وسنفكر بعد فيما سيحصل عندما يتوالى عدم اتباع الخطوات بعد ذلك.
ومما تجدر الإشارة إليه أنني لم أتقيد كليا فيما أسلفت من القول بالتقسيم الذي تعرض له بعض المربين من كون الشخصية أو الرجولة مكتسبة وفطرية في آن واحد، بحيث تهبنا الطبيعة قسطا فطريا بجانب المكتسب فننميه بالتربية الاستقلالية الحرة، فنتحرر جسميا وعقليا واجتماعيا، بل راعيت في ذلك الامتزاج، والسير بالموضوع نحو المقصود من الحكمة المذكورة فقط، وقد أشرت  إلى نقطة التقليد في حكمة جيته دون أن أحتاج فيها إلى تعمق لأن جيته لم ينظر إلى التقليد بصورته النافعة حيث يتعلم الإنسان لغة ذويه وعلوم جنسه وفنونهم وأخلاقهم بالمحاكاة مما يسمى بالوراثة الاجتماعية، التي تسير بالإنسان إلى الرفعة والكمال، وإنما أقصد التقليد الغير المحمود، وهو أشهر من أن يعرف، ولا يحتاج إلى تطويل.
وهناك نقطة صغيرة لم أتعرض لها قبل، وهي تتلخص فيما إذا كان اتباع خطوات الغير محمودا إن كان الهدف هو تتميم مشروع، ولتوضيح هذه النقطة يمكننا أن نستدل بسحنون متمم مدونة الإمام مالك بن أنس، وما يدريك، لعل الإمام سحنون قد تتبع خطوات الإمام مالك بن أنس عن قصد، فما شئت من تشبع بالروح الإسلامية الكريمة، وما شئت  من كرع من حياض علوم الدين الحنيف، ومن اقتفاء آثاره وتتبع أخباره وتطبع بسماته.. إلخ، حتى يخول له ذلك التدقيق في تتميم المدونة هذا المشروع العظيم، وهذا في نظري يلزم أن يعتبر محمودا، كما يلزم في ظروف ما مراعاة  مقتضيات الأمة في توجيه خطوات رهط من أفرادها حسب مقتضياتها، ولو كانت تلك الخطوات مسبوقا إليها.
وبعد هذا كله فماذا نستخلص مما ذكرنا؟ لقد أشرت آنفا إلى أن عدم اتباع خطوات الغير يفيد المجتمع أكثر مما يفيد الفرد، فهو عامل على الخلق والكشف والاختراع، وهو باعث على تكوين رجال منذ البدء، قادرين على التضلع، متسمين بالتطلع والترقي، بعيدين عن حدودية الفكر، وما دام هدف الحياة الأسمى هو الرقي الجماعي الإنساني السليم البريء، فإن هذا الهدف يجمع تلك الخطوات التي قد يسلكها جميع الأشخاص بشرط أن تكون مراقبة من طرف المثل العليا والشمائل الشريفة.
ولست أعني أن لا يتبع كل فرد في الأمة خطوات غيره، وأحرى في الشؤون العلمية، لأن هذا يضر بمصالح الأمة وحاجياتها إلى عدد كبير متخصص في فن واحد كما أشرت لذلك قبل، وإنما بقولي أجاري القيمة الخلقية والنفسية.
وفي بعض مدارس الأمم الراقية اليوم تطبق أنظمة مدرسية محمودة كاستعراض أحوال كل تلميذ على حدة قصد التأثير في شخصيته على الوجه اللائق، فتتحقق الثقة بين المعلم والمتعلم، وتوجد الصلة الروحية بينهما، ويدخل هذا في نطاق الخطوات قبل تمام الرجولة، أما مسألة تقليد خطوات الغير بعد تمام الرجولة فقد أسلفنا بأنها تبرهن عن نقصان تلك التمامية إلا في ظروف محمودة، وإذا ربي الطفل على الاستقلال الفكري منذ صغره، وحورب فيه بطرق تربوية حب تقليد الغير، فلا شك أنه لن يتبع خطوات غيره بعد تمام رجولته، وبهذا تحدث النتيجة المزدوجة، وبحدوثها يترقى المجتمع بصفة مرموقة بترقي ذلك الشخص وأظن أنه لن تكون شخصية الشخص المكتسبة عائقا بصفة في حدوث هذه النتيجة عندما تربي جوانب الأشخاص الفطرية تربية استقلالية.
وباعتبار أن هذه الوسيلة عامل مثالي في الوصول بالبشرية إلى أسمى المدارك، وأبعد الأشواط، وبالنظر إلى نفسية جيته التي كانت دائما تسعى إلى رقي شامل قد يكون يوما فوق الطاقة، ولكنه بتوالد الأيام وتتابع هذه الوسيلة يصبح مستطاعا، ورعيا لما أسلفنا، يمكن الحكم بأن هذا هو هدف جيته من حكمته. 
فماذا عسى أن يكون نظر المجتمع المغربي إلى جيته، وإلى حكمته المرموقة هذه في هذا الظرف الذي يشق فيه طريقه نحو الرقي الكامل والازدهار المثالي؟ لا شك أنه سيكون نظر اهتمام واعتبار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here