islamaumaroc

إشارات حول الإشعاع الفكري والحضاري لمدينة تطوان -2-

  محمد العربي الشاوش

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

اشتمل القسم الأول المنشور في العدد السابـق على التعريف بمنطقـة شمال المملكة المغربية التي كانت تطوان عاصمـة لهـا، وعلى التعريف بمدينة تطوان وتاريخ نشأتها وتجديدها، ومكانتهـا التاريخية والحضارية، وكيف احتضنت الحضـارة الأندلسية بعد استقرار الأندلسيين فيها في أواخـر القرن الخامس عشر بعـد سقوط غرناطـة في يـد الإسبانيين مع ذكـر بعض الأحداث التاريخية الهامـة والأعـلام اللامعـة في هـذه الفترة، وفيما يلي يواصـل الكاتب الحديث عن الدور الفكري والحضـاري البارز لمدينة تطوان.
                                                (11)
وقد تعاقبت على حكم تطوان عـدة ولاة ما زالت آثار بعضهـم مائلـة أمام الأعيـن وكأنهـا تردد قول الشاعـر:
تلك آثارنـا تــدل علينـــا      فانظـروا بعدنــا إلى الآثــار
وتجـدر الإشـارة إلى أن أغلب ولاة تطوان قد حملوا راية الجهاد لإعلاء كلمة الله وتحرير شواطئ البلاد من الغزاة الأجانب. فكانت مدينة تطوان حصنا حصينا للمجاهدين وكانت القوة التطـوانية في القرن العاشر الهجري والسادس عشر الميلادي مشكلة من أربعمائة فارس. وألف وخمسمائة من المشاة معززة بأسطول بحري مكون مـن خمس عشرة سفينة حربية مهيأة للهجوم والدفاع، وكان حاكم المدينة رئيسا أعلى للقوات الجهادية البرية والبحرية.
فمن هؤلاء الحكام الرؤساء،  المقدم أحمد بن عيسى النقسيس التطواني سنة 1622 وإليه تنسب (زنقة المقدم) المعروفة بتطوان. أما قبره فهو في أعلى مقبرة سيدي المنظري. وقد كاد المقدم أحمد أن يسترجع مدينة سبتة سنة 1588 في عهد السلطان المنصور الذهبي السعدي الذي سر بهذه المحاولة الجريئة سرورا بإلغا والمعروف أن أسرة النقسيس حكمت تطوان ما يقرب من ثمانين سنة في القرن الحادي عشر الهجري والسابع عشر الميلادي. ولكن أشهرهم هو المقدم أحمد الذي يتعين صيانة قبره وفاء لجهاده وتقديرا لمكانته.
ومنهم كذلك القائد المجاهد أحمد بن حـدو الريفي المتوفى سنة 1679 وإليه تنسب الزنقة المعروفة بزنقة (القائد أحمد) وقد ولاه السلطان المقدس مولاي إسماعيل العلوي على تطوان سنة 1673 فكانت ولايته نهاية لحكم أسرة النقسيس المعاصرة للدولة السعدية. وبداية لعمال الدولة العلوية الشريفة التي كانت تطوان من المدن المغربية الأولى مبادرة يتقديم الولاء للدولة القائمة أدام الله عزها ومجدها، وكانت ولاية القائد أحمد فاتحة لمحاولات جهاديـة جديدة لتحرير مدينـة سبتـة والثغور الشمالية المحتلة.
ومن الأعلام البارزة في هذه الفترة الشيخ الصالح العلامة أبو الحسن علي بن مسعود المتوفى سنة 1622 وضريحه مشهور بالمدينة وبجانبه مسجده الذي بناه سنة 1620 وأدخلت عليه إصلاحات في الوقت الحاضر، والشيخ علي بن مسعود هو أستاذ الشيخ الصالح العلامة أبي الحسن علي المصيمدي عند العامة بالمسيندي، وقد مات قبل أستاذه بسنة واحدة أي في سنة 1621 وقد بنى أيضا مسجدا قريبا من مسجد شيخه وهو المعروف بجامع المصيمدي.
ومنهم أيضا الشيخ المربي عبد العزيز بن الحسن الزياتي التطواني المتوفى سنة 1645 وله كتاب نفيس سماه (الجواهر المختارة، فيما وقفت عليه من النوازل بجبل غمارة) والشيخ الزياتي من ابرز تلاميذ الشيخ الأستاذ أبي حامد محمـد العربي الفاسي الذي كان مقيما بتطوان وتوفي فيها سنة 1642 ودفن بها. ثم نقل إلى مقبرة أسرته بفاس. وأبو حامد هذا هو صاحب كتاب (مرآة المحاسن) وقد كتبه في مدينة تطوان في مدة إقامته بها. 
                                                (12)
وقد أشرنا إلى أن تطوان قد صارت منذ فجر الدولة العلوية معقلا للجهاد من أجل استرجاع الثغور الشمالية المحتلة فابتدأت هذه الحركة بولاية القائد أحمد بن حدو الريفي السابق الذكر، وتلاه القائد علي بن عبد الله الحمامي سنة 1713 وهو من أسرة القائد أحمد المذكور، ولاه مولاي إسماعيل على المنطقة الشمالية من تطوان إلى الناضور، وذلك بعد وفاة سلفه مباشرة سنة 1679 كما تقدم، فقال القائد علي بتسيير المجاهدين الأبطال الذين حرروا مدينة طنجة من الاحتلال الإنجليزي سنة 1683 ثم حرروا مدينة العرائش من الاحتلال الإسباني سنة 1689 واسترجعوا مدينة أصيلا من يد الإسبانيين كذلك سنة 1690 ثم اتجه القائد علي إلى حصار مدينة سبتة إلى أن وافاه الأجل المحتوم، وهكذا قضى هذا القائد المجاهد مدة ولايته في الجهاد من أجل العقيدة والوحدة والكرامة.
وخلفه في الولاية وقيادة المجاهدين ولده القائد أحمد بن علي الموفى سنة 1743 وهو القائد أحمد الثاني من اسرة القائد أحمد بن حدو الريفي التي حكمت إقليم تطوان بل منطقة الشمال في عهد أمير المؤمنين مولاي اسماعيل العلوي.
وقد واصل القائد أحمد الثاني حصار مدينة سبتة وكان على وشك اقتحامها في فاتـح المحرم سنة 1132 هـ موافق 14 نونبر 1719 بجيش يقـدر بثلاثين ألف مجاهد،  ولكن القوات الإسبانية المتفوقة أحبطت هذه المحاولة العسكرية المغربية الجبارة ولـم يكن المغـرب ضعيفا من الناحية العسكرية. وإنما كان يحتاج إلى ديبلوماسية ماهـرة وإلى جهاز مخابرات متيقظ ساهر، وإلى خطـة حربية جديدة أيضا لكسب المعركة.
ونذكر مـن آثار القائد  أحمد الثاني بتطوان قصـره الفخم الذي شيده بـزنقة المشوار، وقـد صار هذا القصر بعده مقرا لعمـال تطوان، ثم صار مقرا للخليفة السلطان في عهـد الحماية الإسبانية وعـرف بالقصر الخليفي.
ومن آثاره كذلك بناء برج مرتيل سنة 1719 وقد جدد هذا البرج سنة 1759 في عهد الملك المقدس محمد الثالث على يد عامله بتطوان عبد الكريم ابـن زاكور،  وأحدث بجانبه مرسى لتصدير منتوجات المدينة ومنها الجلد والشمع، مع تخصيص دخل المرسى لموظفي البرج والمرابطين فيه، وفي حرب تطوان سنة 1860 دمر الإسبانيون البرج تدميرا فأعيد بناؤه وتجديده بعد جلاء جيش الاحتلال الإسباني سنة 1862 وذلك في عهد الملك المقدس محمد الرابع. وكان هذا الربج يتوفر على منارة فخمة متحركة تدور حول نفسها على غرار منارة سبتة. تبعث شعاعها قويا يظهر من كل جهة للبحر داخل مدينة تطوان كما كانت المراكب البحرية تهتدي بنوره في ظلمة الليل. فكان هذا المنار من أجمل وأفخم ما يتميز به برج مرتيل. وقد غاب فيما غاب من الآثار التطوانية النفيسة في ظروف غامضة بعد انتهاء عهد الحماية.
                                                (13)
وعلى ذكر القائد الأديب عبد الكريم ابن زاكور نذكر أنه بنى زاوية (سيدي بلعباس) بزنقة (الوسعة) وكان مكان الزاوية سجنا، فحوله القائد إلى مسجد ونسبه إلى الشيخ الجليل المشهور بأبي العباس السبتي المتوفى سنة 1204 تبركا باسمـه اللامع وتخليدا لذكراه في تطـوان رضي الله عنـه، أما ضريحه الحقيقي فهو في مدينة مراكش،  وما زال هـذا المسجد قائما في الوسعة،  وقد أخلت عليه أخيرا إصلاحات وتحسينات لا باس بها.
وعلى ذكر أمير المؤمنين محمد الثالث مجدد برج مرتيل كما تقدم، نذكر أنه في سنة 1761 حبس علي المسجد الأعظم بتطوان مجموعة كتب  لينتفع بها طلاب العلم وهذا الحدث يفيد بأن تطوان كانت مركزا للثقافة الإسلامية والدراسة الفقهية والأدبية في القرن الثاني عشر الجهري والثامن عشر الميلادي وأن المسجد الأعظم كان مدرسة إسلامية أصيلة  تخرج منها عدد من العلماء والأدباء.
ومما يذكر أن مكان هذا المسجد كان مقبرة قديمة بني على أرضها مسجد صغير ومدرسة لإيواء طلبة العلم، فأمر أمير المؤمنين مولاي سليمان العلوي بتجديده وتوسيعه سنة 1808 فكان ذلك على يد عامله بتطوان القائد محمد بن عبد السلام السلاوي البخاري المتوفى سنة 1815 وتحول مأوى الطلبة إلى محكمة شرعية تحيط بها مكاتب العدول، كما انتقل مأوى الطلبة إلى المؤسسة المعروفة بمدرسة لوقش وقد عرف المسجد الأعظم بعد تجديده وتوسيعه بالجامع الكبير، ومازال على الهيئة التي جدد عليها في عهد مولاي سليمان مع إدخال تحسينات على صحنه الواسع من طرف وزارة الأحباس بتطوان سنة 1362 هـ 1943 م بمناسبة احتفال تطوان بمرور ثلاثة عشر قرنا على الفتح الإسلامي للمغرب. ونعيد إلى الذهن أن تطوان عرفت الإسلام سنة 62 هـ 682 م بعد فتح سبتة كما تقدم.  ولا يفوتنا أن نذكر الجامع الكبير كان في عهد الحماية مقرا للمعهد الديني الذي أطلق عليه بعد الاستقلال (ثانوية القاضي ابن العربي) ونقل إلى البناية التي يوجد فيها الآن والتي كانت ثكنة  للجيش الإسباني.
                                                (14)
والجدير بالذكر أن ملامح اليهود كان قريبا من الجامع الكبير وقت تجديده، وهو المكان المعروف الآن بزنقة (الملاح البالي) فأمر السلطان بترحيل اليهود إلى الجهة المعروفة الآن بحومة الملاح، وكانت الأرض التي بني عليها هذا الملاح الجديد من أملاك الدولة عوضت بها اليهود عن ملاحهم القديم وذلك سنة 1810 وقد توج مولاي سليمان اهتمامه بتطوان بزيارتها سنة 1813 وأقام بها ثمانية أيام تفقد فيها رحمه الله أحوال المدينة وسكانها.
وتجدر الإشارة كذلك أن الملاح الجديد قد صار ملاحا باليا أيضا بعد أن هجره اليهود سنة 1960 أي بعد استقلال المغرب، وقد حل المسلمون المغاربة محلهم في السكنى والتجارة، وحتى البيعة اليهودية صارت متجرا للملابس وبنى المسلمون سكان الملاح مسجدا تقام فيه الصلوات الخمس أطلقوا عليه (مسجد الأندلس) ويقع هذا المسجد في مكان بارز بالملاح المذكور، زيادة على كتاتيب قرآنية يتعلم فيها صبيان المسلمين كتاب الله الكريم ومع ذلك ما زالت شوارع الملاح وما يتفرع عنها من أزقة تحمل أسماء أعلام إسرائيلية خالصة. وهذه وضعية شاذة يجب على الجهات المختصة أن تعيد النظر فيها لأن المواطنين اليهود تخلوا عن الملاح بمحض إرادتهم بل الأغلبية الساحقة منهم هاجرت إلى مدينة سبتة المحتلة، وإلى إسبـانيا وغيرها بمحض اختيارهم. فما ضايقهم احد ولا تعرض لهم أحد بسوء باعتبارهم من المواطنين المغاربة أولا. وباعتبار التسامح الذي اتسم به المغرب قديما وحديثا ويذكر التاريخ للملك محمـد الثالث أنه عند زيارته لتطوان سنة 1759 م قدم ليهود المدينة خاصة قرضا من خزينة الدولة قدره خمسون ألف ريال فضي مغربي للتوسعة عليهم وتنشيط تجارتهم، تأسيا بما فعـل أسلافه معهم عندما هاجروا من الأندلس فرارا مـن محاكم التفتيش الكاثوليكية الرهيبة فوجدوا في المغرب عامة خير ملجـأ ومأمن تمتعـوا فيه بحريتهم وكرامتهم الإنسانية. وكذلك أوصى الملك محمد الرابع بضعفاء اليهود التطوانيين  خيرا، وأمر عامله الحاج عبـد القادر أشعـاش بالرفق بيهود تطوان. وأن لا يكلفوا إلا بما يطيقون. كما في الرسالة الملكية المؤرخة في ثالث ذي القعدة سنة 1280هـ ـ 1863 م فعاش اليهود في تطوان محترمين ملحوظين على الدوام، ولكن تهور بعضهم أبى عليهم أن ينسجموا مع مواطنيهم المغاربة بعـد استقلال البلاد ورحيـل الأجانب عنهـا، فتبعـوا الأجانب وتخلوا عـن ديارهم ومدينتهم فليس مـن اللياقة بعد هذا السلوك اللا أخـلاقي أن يسكن المغاربة المسلمون في أحياء تحمـل أسماء يهـود فـروا من مدينتهم وأسماء يهود لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بهذا المجتمع التطواني الجديد.
                                                (15)
ومـن قواد تطوان البارزين أيضا الحاج محمد بن الحاج عمر لوقش المتوفى سنة 1776 م ومـن آثاره سقاية باب العلقة وسقاية باب التـوت، وكلتاهما من المعالم الحضارية الجميلة بتطوان، ومن آثاره كذلك مسجده المعروف بجامع لوقش في ساحة الغرسة الكبيرة وله با أيضا بزنقة المقدم، ويتصل المسجد بدار كبيرة بنيت على لوقش، كان طلاب العلم يسكنون فيها مجانا والأحباس تساعدهم بالإنارة والماء وخبزة في اليوم لكل طالب مقيم في الدار تحت إشراف ناظر مكلف بشؤون الدار، ومن اللائق أن يعاد لهذه المؤسسة اعتبارها لتكون مأوى لطلبة التعليم الجامعي بعد إدخال تحسينات مناسبة عليها. وتجديد اسمها باسم (مأوى القائد لوقش للطلبة) فالطلبة وخاصة منهـم طلبة كلية أوصل الدين أحـق بها من غيرهم، لأنها أنشئت من أول يوم لطلبة التعليم الإسلامي الأصيل.
وكان والـد الجاج محمد لوقش وهو الحاج عمر لوقش من ابرز علماء تطوان وأدبائها. وقد أسندت إليه ولاية المدينة بعد انتفاضة تطـوانية شارك فيها بنفسه ضد الاستبداد والقهر، وقـد خلد هذا الحدث التاريخي بقصيدة لامعة طويلة نقتطف منها وقولـه:
 
بلغت  من  لعلياء  ما  كنت أرتجي         وأيامنا طابـت وغنى بهــا الطير
ونادى البشيـر مفصحـا ومصرحا          هلم أبـا حفص فأنـت لها  الصدر
أنا عمـر الموصوف بالبأس والندى        أنا البطـل المقـدام والعـالم الحبر
ظهـرت لأحيي الدين بعد اندراسه          فطوبى لمـن أمى يســاق له الأم
وجئــت بعــدل للإمامين تابعا              أنا الثالث المـذكور بعــدهما وتر

ويقصـد القائد الشاعر بالإمامين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما،  وقد اشتهر كل منهما بالعدل والرفق والاستقامة وقد دأب الناس على وصف مـن تشبه بهما في العـدل وحسن السلوك مـن الأمراء والحكام بثالث العمرين، وإلى ذلك أشار بقوله: أنا الثالث ...
هذه القصيدة نموذج من نماذج العجز والحماسة لولا ما فيها مـن مبالغة في الطموح إلى المجد والرئاسة قال عنه الناصري في الاستقصا بأنـه «ازري بأدبه مع أنه كان مـن أهل الأدب البارع والعمل والرئاسة» ونعقب على ذلك بأن المبالغة في الطموح سمة من سمات الرؤساء والشعراء خاصة وعذر قائدنا الحاج عمر أنه كان شاعرا بليغا أطلق العنان لقلمه بدون تحفظ من فلتات الفكر واللسان التي تؤدي في غالب الأحيان إلى النقد اللاذع وإن كانت صادرة عن حسن نية وسلامة طوية. ومعلوم أنه لم يتمرد على النظام ولا على الدولة وأنه نقله من ولاية تطوان إلى البلاط الملكي بمكناس كان من أخص الملازمين للملك المقدس مولاي عبد الله بن إسماعيل حيث كان يحظى منه ومن والدته العالمة الادبية للا خناتة بنت بكار المغافري بوافر العطف والتقدير وقد انتفع بمجالسه العلمية كثير من الطلاب في تطوان ومكناس ثم في تارودانت،  حيث كان مـرافقا للملك في زيارة لها. وبها توفي سنـة 1736. وقد أثبت الحاج عمـر لوقش بعلمه  ويقظته أن العلماء أقدر الناس على تحمل المسؤوليات وقيادة الرأي العام نحو المثل العليا وتحقيق رغائب الأمة في العدالة والعزة والكرامة، ولا غرابة إن كان ولده الحاج محمـد لوقش المتقدم ذكره في مستوى الحاكم النبيه الذي عرف كيف يخلد اسمه في المدينة بمآثره الحضارية وخاصة مسجده ومدرسته التي لا تقل أهمية عـن مدرسة العطارين مثـلا بفاس.
                                                (16)
ولا يفوتنا أن نقول بأننا لا نلتزم في هذه الإشارات بتسلسل الأحداث تسلسلا زمنيا على نهج المؤرخين وإنما نشير إلى بعـض المعالم الحضارية البارزة التي ظهـرت على يـد بعض ولاة تطوان النابهين فمرادنا هو التعريف  بأهم الآثار الحضارية والأحداث التاريخية مـع تسلسل الكلام عـن نقطة معينة من البداية إلى النهايـة، قدمنا ذلك أو أخرناه حسـب ما يقتضيه المقام والعبرة في إشاراتنا كامنة في المضمون لا في الشكل.
وحديثنا عن تطوان في ماضيها وحـاضرها إنما هو حديث عن أهلها الذين صنعوا تاريخها وحضارتها وأمجادها، ونستدل على ذلك بقول الله تعالى ( واسأل القرية التي كنا فيها ) (82 سورة يوسف) أي أهلها.
 وقديما قال الشاعر:
وما شـرف الأوطـان إلا  رجالها         وإلا فلا ضـل لتـرب على تـرب
ونحـن نذكر من القوم فقط بعض من ترك أثرا قائما أو كان نجما لامعا في حدث من أحداث المدينة أو كان علما من أعلام العلم والفكر فيها. ومعلوم أن حضارة مدينة ما تتجلى في مآثرها العلمية والعمرانية القديمة أو الحديثة وهذا التنبيه إنما هو استدراك لما كان ينبغي أن نقوله في مقدمة الموضوع.
                                                (17)
ونعـود إلى تطوان القرن الثاني عشـر الهجري والثامن عشر الميلادي لنشير إلى بعض الأعلام الذين كان منهم الشيخ الصالح الأستاذ العلامة سيدي الحاج علي بركة المتوفى سنة 1708 وكان منقطعا لنشر العلم بالتدريس ومجالس الوعظ والإرشاد وضريحه معـروف ومشهور بالزاوية التي تحمـل اسمه بتطوان وتجدر الإشارة إلى أن هذا الشيخ كان أستاذا لبعض أعلام المغرب. كالفقيه الأديب الشاعر محمد بن قاسم ابن زاكور الفاسي المتوفى سنـة 1708 وهي السنة التي توفي فيها شيخه. والفقيه العلامة المحدث الشيخ محمد بن عبد السلام بناني الفاسي المتوفى سنة 1750 وفي هذا ما يدل على أن بعض الأطر العلمية والأدبية الفاسية تخرجت من تطوان.
ومنهم الشيخ الصالح العلامة سيدي أحمد بن محمد الوزرازي المتوفى سنة 1765 وعرف عند العامة بسيدي الورزيزي وضريحه مشهور في مدخل  مقبرة سيدي المنظري وقد كان من العلماء المجتهدين حتى اتهم في فكره وسلوكه بالاعتزال وحينما زار أمير المؤمنين محمد الثالث مدينة تطوان حضر صلاة الجمعة في جامع لوقش حيث كان الشيخ خطيبا فيه، فدعى سيدي الورزيزي للملك في الخطبة، وكان مما قال «اللهم انصر عبدك هذا ـ وأشار إليه ـ إن كان على الحق» وفي هذا ما يدل على إيمان الرجل ورباطة جأشه وقوة شخصيته. ومما يذكر عن الشيخ أنه لما حج سار على قدميه من الحرم المكي إلى القدسي لزيارة المسجد الأقصى المبارك.
ومنهم الفقيه الصالح سيدي محمد بن غيلان المتوفى سنة 1774 وكان متفرغا للعلم والعبادة. يقوم بالتدريس في مسجده الذي عرف بجامع غرسية،  وانتفع بعمله عدد من الطلاب.
وكانت ابنته السيدة آمنة بنت محمد غيلان عالمة صالحة متفرغة للعلم والعبادة وتعليم النساء اللغة العربية والقرآن الكريم وشؤون الدين إلى أن توفيت سنة 1775 أي بعد والدها بسنة واحدة. وقبرها مشهور في مسيد بزنقة المطمار يعرف بلالا غيلانه.
ومنهم الشيخ العلامة سيدي علي بن طاهر شطير المتوفى سنة 1777 وكان مدرسا وإماما بجامع الربطة، وله كتاب سماه (الحديقة الحسنة، في خطب الشهور والسنة) وهو أستاذ العلامة المتصوف سيدي أحمد بن محمد ابن عجيبة الذي سنشير إليه بسطور فيما بعد.
ومن الشخصيات البارزة في هذا العصر أيضا الشيخ الصالح العلامة مولاي عبد الله بن مولاي العربي الوازني المتوفى سنة 1785 وهو جد الشرفاء الوزانيين  بتطوان ومن رجال العلم والتصوف في وقته وضريحه بتطوان في زاوية جده الصالح مولاي محمد بـن مولاي عبد الله الوزاني المتوفى سنة 1708 وذكر صاحب الاستقصا أن نسب هذه الأسرة الوزانية الشريفة يتصل بالشيخ الصالح سيدي يملح بن مشيش أخي الشيخ  العلامة القطب مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه.
وإذا كان الشئ بالشئ يذكر كما يقال فلا باس بالإشارة إلى مـا كان بين الأسرة الوزانية الشريفة وأسرتنا من ذكريات مشرقة وعلاقات ودية صادقة، خاصة في عهد الشيخ الصالح سيدي الحاج عبد السلام بن سيدي الحاج العربي الوزاني  المتوفى حوالي سنة 1912 الذي كان يعتبر جدي الفقيه عبد السلام بن محمد الشاوش المتوفى سنة 1893 من أخص الخواص المقربين إليه بحيث كانت دار جدنا بمثابة دار ثانية خاصة للشريف المذكور يقصدها وينزل بها معززا مكرما هو وأسرته خصوصا في سياحاته وتنقلاته بين طنجة ووزان وتقام حفلات استقبال فاخرة يحضرها الشرفاء والعلماء وعلية القوم للسلام على السيد الشريف والتبرك به، وكذلك كان الحال في أيام والدي الأستاذ أحمـد بن عبد السلام الشاوش المتوفى سنة 1950 فقد كان يحظى بعطف الشريف وعظيم تقديره ويعتبر بيته بيتا ثانيا له كما كان الأمر في أيام والده. وبتقديم حفيد السيد المذكور مولاي علي بن مولاي محمد بن سدي الحاج عبد السلام الوزاني، نقيب الشرفاء الوزانيين كان والدنا نائبا مفوضا عاما للسيد النقيب وقيما على أوقاف الزاويتين الوزانيتين بتطوان والقصر الكبير كما هو مسطور في وثيقة عدلية مؤرخـة في 28 جمادى الثانية عـام 1336 هـ/ 1918 م وهي ممهورة بإمضاءات عدلين وثلاثة قضاة وكان الشريف النقيب يتقلد مهمته بظهير حفيظي شريف مؤرخ في 15 جمادى الثانية عام 1327 هـ / 1909 م، نحتفظ بنصه بين وثائقنا الخاصة والحمد لله كان والدنا عند حسن ظن شرفاء آل وزان ونقيبهم خاصة ملتزما لآل البيت رضي الله عنهم بالمحبة والإخلاص والوفاء كما يستفاد من رسائل الشريف النقيب إلى سيدي الوالد رحم الله الجميع.
ومن العلماء البارزين أيضا الفقيه العلامة سيدي محمد بن الحسن الجنوي المتوفى سنة 1786 وهو من تلاميذ سيدي أحمد الورزيزي السابق الذكر. وكان الشيخ الجنوي عالما مشاركا في العلوم الشرعية والأدبية. وهو أستاذ الشيخ العلامة سيدي محمد الرهوني الوزاني المتوفى سنة 1815 صاحب الحاشية على الشيخ بناني محشي الشيخ الرزقاني على مختصر الشيخ خليل, ومما يذكر عن الفقيه الجنوي أن جلالة الملك محمد الثالث استفتاه في استخلاص بعض الأموال من الشعب، فأفتاه بأن أموال الناس كأعراضهم حرام، والفتوى مستمدة من الخطاب النبوي الشريف في حجة الوداع حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم، «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت، اللهم فاشهد ...»                                    
ومن رجال التصوف والصلاح في هذا العصر، الشيخ الجليل والشريف الحسني الأصيل سيدي عبد الله الحاج البقالي المتوفى سنة 1792 صاحب الضريح المنور بزاويته المشهورة بتطوان، وبلغنا من حفيده الشريف البركة صهرنا سيدي محمد بن الحسني البقالي المتوفى سنة 1939 كما ذكره أيضا الأستاذ داود في تاريخه أن الشيخ سيدي عبد الله كان صاحب أحوال ومكاشفات وكرامات. يقصده الناس للزيارة والتبرك ومازالت زاويته قائمة عامرة بذكر الله.
ومن فقهاء تطوان في هذا العصر أيضا الفقيه محمد بن محمد الجنوي المتوفى سنة 1799 وهو الجنوي الصغير. أحرز على رئاسة الفقه والفتوى في عهده وكان خطيبا ومدرسا بمسجد سيدي ابن مسعود.
ومنهم أيضا الفقيه العلامة سيدي محمد بن علي الورزيزي المتوفى سنة 1799 وهو الورزيزي الصغير من أقارب الشيخ سيدي أحمد الورزيزي السابق الذكر، كان عالما متفننا وإماما وخطيبا بجامع لوقش ومن تلاميذه الشيخ الرهوني الوزاني المشار إليه فيما تقدم وللفقيه الورزيزي الصغير تآليف مفيدة منها كتاب (الفهرست) ذكره المرحـوم الأستاذ عبد السلام ابن سـودة في دليل مؤرخ المغرب، ومنها كتاب، ما يجب على المكلف من قواعد الإسلام. وأشار إليه الأستاذ داود في تاريخ تطوان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here