islamaumaroc

في ذكرى صدور الظهير البربري بالمغرب.

  محمد الخطيب

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

يقيم المغـرب هذه الأيام ذكرى مرور ثلاثة وخمسين عاما على صدور الظهير البربري، الذي يعتبـر تاريخيا أول انتفاضـة وأول صرح من الحركة الوطنية للداخــل والخارج، بما كان المغـرب يعانيه من جـراء الاحتلالات الأجنبية لأرضـه وترابـه، وقد أثبت المغـرب وأكـد المغاربـة كلهم بعـد تمسكهـم ومقدار التفاهـم حول الإسلام الذي جمع لهـم الشمـل وأثبت وجودهم كدولة.
وهـذه الظاهــرة أولى المثابـات بالنسبة للحركــة التي أكدت بعـد نظرهـا، وإدراكها لحقيقة مـا كان المغاربـة يسعـون له، وكان الاستعمـار الأجنبي يريــده لإتمـام السيطـرة على المغرب وتثبيت قدمـه فيه.
فيـوم سادس عشر مايــو سنة 1930 إن كان بالنسبـة للمحاولات الاستعمارية بهـذه المثابـة، فهـو أيضا قـد كان بالنسبـة للحركـة الوطنية يوما تأكـد  فيـه لمجمـوع الأمة وطبقاتهـا صواب ما كانـ تدعــو له وتعمل من أجله، فهـو حـد فاصل بين مرحلتين ومهدين من مراحـل ومهود التطورات التي أثبتت للحركــة الوطنية وجـود مدلولات ما كانــت تعمل من أجله وتسعــى له.
إذ أن الكتلـة الوطنية فيما كانت تتكيـف به من تنظيمـات سرية عن طريـق الزاوية والطائفـة قبل أن يصبح لهـا وجـود ذاتي معترف به. كانت أول من أدرك موجبات العمل الوطنـي وسلك سبل التحريـرالقومي والوقوف في وجـه الاستعمار الأجنبي للبلاد.
والــذي يتذكـر تلك العهود يعلـم أن المغاربــة كلهم باستثناء فئـة قليلة من شبابـه، قد كانوا منساقيـن مع مـا كان سيطير عليهم من شعور باليأس والاستسـلام، خصوصـا بعـد النهايـة التي آلت لهـا ثورتهـم الوطنية في الشمـال بقيـادة الزعيم عبد الكريـم الخطابي، إذ أنهـم قد بذلـوا كل ما كـان بوسعهـم أن يبذلوه من تأييـد لتلك الطريقة في العمـل، فجـاءت حـوادث 1926 وأحــداث سنـة 1927 نكسـة لما  كانـوا يؤملونـه مـن انقضاض على الاستعمـار بجميـع ألوانـه وأصنافه.
إننـا لا ننكـر النكسـة التي ابتلـى بها المغـرب في تينـك السنتين، كانت سـدا لكل معنويـات المقاومـة بالنسبة لعمـوم الرأي العـام في البلاد، فقـد كـان بإمكان كل واحـد أن يطـوف البلاد من أقصاهـا لأقصاهـا، فلا تجـد أثرا لزعيم جديـد يوحي بالتفـاؤل أو يبشر بإمكان القيـام بأي عمل من شأنه أن يقض مضجـع الاستعمـار الأجنبي أو كيانـه أو يثنيه عمـا كان يخططـه لإتمام الوقعيـة التي كان يعمل لهـا ويريدهـا لهذه البلاد.                                               المغرب  كلــه كان مستسلمـا يائسـا من جميع إمكانيـات العمل والوقوف في وجـه الاستعمـار، إلا فئة قليلـة من النـاس وثلـة من شبابـه كانت تعمـل وتسعى لإحياء الشعـور والقضاء على اليأس الجاثـم، تواصـل عمـل نهارهـا بليلها في سبيـل بعث مكثف للـروح والقضـاء على مظاهـر اليـأس والتشـاؤم برغـم أن وسائلهـا لذلك كانت محـدودة، وأسلوبهـا كـاد يكـون انفـراديا لم تؤمـن بـه غيـر جماعـة قليلـة كان لها عزم الشباب وهمة العامليـن بقناعـة الاختيارات التي ارتأتها.
كان ذلك في فـاس مثلما كـانت بالرباط وسـلا وفي طنجـة وتطوان، وهؤلاء القـوم كانوا قليلـي العـدد مـن ناحيـة الكم، إلا أنهـم كانـوا أكثـر بإيمانهم وعقيدتهـم وباتصالاتهـم المستمرة بين الشمـال والجنوب.
وكل من يبحث في التخطيط التي كانت تلك الجماعة تقوم بها، ويقرأ عنهـا في مصنفات الكتب التي تناولـ بالبحث هـذا الموضوع ، تحيـره النتيجة التي حصـل عليهـا المغرب بعد ربـع قرن من جهـاده وكفاحـه الذي ابتدأ سنة 1925 وانتهـى إلى ما انتهى إليه سنة 1955، والقليـل من ذوي البصائـر الثاقبـة يدرك أن البدايـة في العمـل كانت طبيعيـة تسايـر الفهم الحقيقي لانتهاج  سبـل الدعـوة والوصول إلى النتيجـة،  أما الكثيرون منهـم فهـم لا يستطيعـون ربط السوابق باللواحــق أو الغايـة بالنتيجة، وقـد أثبتت الأيـام بعد نظـر الذين كانـوا بقلتهم كثـرا بما كانـوا يدعـون إليه ويستعملونه.
إن النهضـة الدينية كانت المرآة الحقيقيـة لعمل أولئك الذيـن كانوا يسعون لتطويـر العقول على أساس البحث فـي أصول التخلف الـذي جـاء نتيجـة حتميـة لمـا آل إليه الحال، والـذي أمسكت جـذوره بعقول النـاس فحادوا عن كـل تفكيـر ديني صحيح، وأصبحوا ينظـرون إلـى الواقـع التخلفي نظـرة  الرضـى والاقتنـاع، فليـس العيب أن يكـون التمسك بالشعـارات ركيـزة يعتمـد عليها، لكـن العيب أن تكـون تلك الشعارات في كــل نظرة إليهـا تخالف الطهـر الديني والصفاء المذهبـي، فلعله العلل المصيبـة التي أصاب  المغرب منهـا خطأ حظـا وافرا كانت تتجلـى في التمسك بشعـارات بعيدة عن الدين وعن العقيـدة الإسلامية الصادقة.
لـذا نجـد أن تفكير الفئـة القلية التي تزعمـت سائـر الإصلاحـات ونادت بعد ذلك بوجـوب تحقيق ما آمنت به وسعت إليه من استقلال، كـان مبنيا على أساس تطهير العقيـدة التي هـي الجامعـة لكل شتاتات الأمـة والعمل  لتوحيدهـا، ولولا ذلك لما أفادت الأمة من جهادهـا ولما تمكنت الروح الدينية مـن الإمسـاك بقواعــد الكفاح والجهاد.
وليس ما بيـن سنة 1925 وسنة 1930 غير خمـس سنـوات وهي وإن جاءت في أعقاب الهزيمـة التي مني بها الكفـاح الوطنـي، خصوصا بعد استسلام الزعيـم ابن عبـد الكريـم، فإنهـا كانت حجرا أساسيـا في تشييـد الحركـة الوطنيـة وقيامهـا على الركيـزة التي ما كـان لهـا أن تقوم على غيـرها.
لست بهـذا القول أنزع لصبغ الحركـة الوطنيـة الأولى صبغـة دينية فقط، لكنهـا كانت العمـدة والركيـزة التي جعلتها كل الجماعـة أساسا للاتجاهـات التي هـي بالنسبة لكل واحـد حسب إدراكا ته واقتناعاتـه، الرصيد الأول الـذي جمع حولـه كل الفئـات وسائر الناس من أبعـد نقطة في المغـرب إلى اقرب جهـة فيه، من جنوبه لشماله.
وأعتقـد جازمـا أن نوعية هـذا التفكير قد أعطت نتائجهـا، وأوجدت أرضية صالحـة للعمل الـذي انطلقت منه الحركـة الوطنية بعد ذلك.
واليقين عنـدي أن الفرنسيين لو أدركـوا هـذه الحقيقة لمـا أقدموا على ما قامـوا به سنة 1930، ولمـا أصدروا ذلك الظهيـر الذي أكـدوا له أمرين لا ثالث لهما، صدق نيـة ما كانت الحركــة الوطنية تريـده وتسعى له، وسوء نيـة القـوم الذيـن أغزتهم قوتهم، فبادروا لتقنيـن ما كانـوا يخططون له منـذ العهـد الأول لاستيلائهم علـى المغرب.
وكان لا بـد للقوتين الغير متكافئتيـن من الاصطدام، هنـاك في فاس وسلا والربـاط، وتطوان، قوم يومنون بإخلاصهـم وحسن نيتهم، وهنـاك أيضا في فـاس وسلا وفي الربـاط وتطـوان آخـرون يهزون من مغبة أمر جماعـة لم ندرك على حـد اعتقادهـا مغزى ما كانت تتذرع به مـن عقيـدة وتومـن به.  وقد يـرى البعض أن فيما قامت به فرنسا سنة 1930، كـان ارتجالا منهـا وإقدامـا على ما لم تدرك عواقبـه، وهـذا القـول إن لم يكن له ما يبرره بالنسبـة للفـرض الأول، حيث جـاء نتيجـة تدبير ورصـد للإمكانيات وترقب الوقت المناسب،  فهو بالنسبة للأمـر الثاني كان جهلا بواقعهـم وعـدم إدراك لمـا كانوا عليه من روح زاد إقـدام الفرنسيين  لهـا انتشارا وثباتـا على العقيدة.
وقبـل التفرغ لذكـر تفاصيل تاريـخ الظهير وسوابقـه ومحتواه، بـل وقبل ذكـر نتائجـه، يجـدر أن نأتي ولو بعالجـة قصيرة لذكـر الحركـة الوطنية خلال تلك الفتـرة وما قامت به لخير هـذه البلاد ومستقبلها.
كانت فرنسا تعتمـد على ما أشرنـا إليه من عـدم التكافؤ بين قواتهـا والفئة الغاضبـة المحدودة التي جعلت من تاريخ صدور الظهيـر يوما لانطلاقتها الجديدة، فالثـورة المغربية كانت شيئـا موجودا في أذهان الكثيرين من الذيـن لم يـأمنوا بما كانت تدعيـه وتسعى لتثبيتـه في بعض العقـول والفئة القليلة التي تصدت للعمـل وعرقلة السبل إليـه وإلى تحقيقـه، كانت منـذ بدايتهـا في العمل الاستمراري ترى أن القلـة لا بد أن تؤول إلى كثـرة، وأن المدن المغربية سـوف تنضم لها القبائل التي كانت تقصـد العمل بها ، فجعلت من شعاراتها ذكر اللطيف ورفض التفرقـة بين عناصر الأمة في الدين، إذ الإسلام وحـده كان ولا يزال مصدر الجمـع بين الفئات المتعددة والطوائـف الكثيرة، وكـل عمل لا يعتمد الإسلام عقيدة ومذهبـا وتشريعا يكون مآله ما لـم تتوخـاه فرنسا وسعت إليه الحركـة الوطنية المؤمنـة الحازمـة، فكان هـذا الاعتقـاد والعمل لهـذه الغايـة مصـدر ما أوجدته الأيـام مـن التفـاوت في التقديـر.
فالحركـة الوطنية في فـاس وسلا وفي الربـاط، وتطوان، قـد أخذت تردد ما أصبح لتلك الانطلاقـة، وذلك التحرك  الأول شعارا لها، إذ المقصـود من الظهير زيـادة التفرقـة الدينية، قـد كان بمثابـة خلق النزعـات والنعرات القبليـة وإحيائها وحمايتهـا، فتفطنت لذلك الفئة التي أصبحـت بعـد ذلك كثيـرة لما آمنت به وصدق عزمهـا على القضاء عليه.
لست أدعي أن سنة 1930 كانت نهاية للمطـاف، بل كانت البدايـة التي ارتكز عليها الجهاد في كـل ظروفه وملابساته والتذكيـر بهذا تذكير بعهـد أعز من عهـود الكفاح الوطني، وتذكيـر بانطلاقته الأولـى التي حققت بعد ذلك المعجـزات.
والإشـارة إلى كون العمـل كان داخليا وخارجيـا إحاطـة بجانب الكفاح التي كان الواحـد منها يتـمم الآخر، فقد كان ممكنـا أن يقتصـر على الناحيـة الداخلية، ويبقى المغـرب الوطني وجهـا لوجه مـع قوات فرنسا العاتيـة، وفي ذلك اتكـال على الطاقات المحلية والقـدرات الإقليميـة، وذلك ما كان في حساب فرنسا التي اعتمـدت  لسيطرتهـا توجيهاتها ما كانت تملكـه من قـوة داخليـة، لكنهـا أخطأت التقديـر يـوم شعـرت أن العالـم الإسلامـي كلـه يقف ضدهـا بجانب تأييد المغـرب في نضـله وكفاحـه.
الفضل في ذلك يرجـع لتصميم القـادة الذين فكـروا منذ أول لحظـة في كشف كل غطـاء عما كانت فرنسـا تدعيه وتعمل لـه في الخـارج من توليهـا لحمايتهـا للمبادئ الحـرة وابتعادها عن المسـاس بالقضايا الدينية.
الحقيقـة أن العمل كان كله صعبا سواء من ناحيـة الداخـل أو في الخارج، لكـن الجماعـة التي كانت تتقـدم الحركـة وتتزعمهـا، جعلت من عملها في الداخـل جـزءا وصدى يرجـع في الخارج قـوة إيمـان الداخل، والتفافـه حـول كل المناضليـن والمكافحين، وبذلك اكتملـت أساليب النضـال الجديد الذي ولـد مع الحركـة الأولى.
يقـول الفرنسيـون إن المرحـوم الأمير شكيب أرسلان كان السبب فيمـا أثير من ضجـة كبرى في الشـرق ضدهم، وأنه كـان المصدر لجميع أنـواع التكتلات التي تكتـل بها العالم الإسلامي ضدها.
وفي هـذا القول جانب واحـد من الحقيقة، أمـا القسم الثانـي لها، فهـو إلى جانب اهتـداء المدبريـن للحركـة الوطنيـة إلى جعل الداخـل مرآة لمـا في الخـارج، وكان العكس صحيحا، فهـو أن القـادة الأوليـن كانوا بأتـم دراية على أن هـذا الأمر لابـد له من تعاون يكفـل النجـاح وإن العمـل فـي الداخل إن لم يكـن له في الخـارج ما يجب مـن الصدى القوي، فإنـه قد يطـول أكثر.
وتشاء الظـروف أن تجعل من زيـارة الأمير شكيب للمغـرب سببا للانطلاق في الخـارج والصدع بما يجب تعريف العالم الإسلامـي به عن الوضع والحالـة المغرب ، إذ سبقت زيـارة الأمير لطنجـة وتطوان تعرفه على شابين مـن خيرة شباب ذلك الوقـت، بـل شبان كثيـرون كانوا يزاولـون دراستهم بفرنسـا، نذكـر منهم أستاذنـا الكبير السيد أحمـد بلافريج (شفاه الله)، وأستاذنا الكبير المرحوم السيد محمـد بن الحسن الوزاني، وأستاذنـا الكبير السيد محمـد الفاسي، أولئك كانت لهم صلة،  بل صلات قويـة بزعيـم الإسلام وأحـد رواده الكبـار، فلما حـل بتطوان في شهر أغسطس سنـة 1930 كانـوا من الملبيـن للدعـوة التي وجهت لهـم بالحضور من طـرف الزعيم المرحـوم الحاج عبد السلام بنونـة والزعيم المغربي الأستاذ داود ـ شفاه الله أيضا ـ فحضر  الثلاثـة، وبمعتيهـم آخـرون من القـادة الأوائـل وهم الذيـن أفاضوا في تبيـان ما كان المغرب يعانيه على يـد فرنسـا وما أقدمت عليه بإصدارهـا ظهير سادس عشـر مايو، فصدقت نبوءتهـم وصحت دعوتهم إذ ما كـاد الأمير شكيب رحمه الله يعـود إلى جنيف حتـى شرع في اختيـار الوسائل للإقنـاع والاتصـال بقادة الفكـر الإسلامـي وملوكـه وزعمائه، بل شـرع في ذلك قبل أن يصـل إلى جنيف ابتداء مـن إسبانيـا، حيث  كتب وكاتب العـدد الكبير من أولئك، والـذي يريـد الاطلاع على تفاصيـل هـذه المرحلـة نحيله إلى كتـاب المرحوم الأستاذ الطيـب بنونـة بعنوان (نضالنـا)، كما نحيله على الكتـاب القيم للأستاذ السيد الحسن بوعياد عن «الظهير البربـري» .
وعندمـا نذكر نشـاط الحركة الوطنية في الخـارج خـلال هذه المرحلة، نذكـر ما لعبته تطـوان من دور أكيـد في ميدان هـذا النشاط، ومـا كان لزعيـم المغرب المرحـوم الحاج عبد السلام بنونـة وزعيم  المغـرب الأستاذ داود من اتصـال ونشاط في الاتصال بالأمير شكيب أرسلان وسباقهمـا في إعطائه النظـرة الواقعيـة عما تركـه بالمغرب من نشاطات وتحركـات بخصوص محاولـة تنصير البربـر، والـذي كانت بدوره يمـد القادة في الشـرق الإسلامـي وزعمـاءه وملوكـه بما كــان يتوفـر عليـه مـن معلومـات، زيادة على كتـاباته المتتالية باسمه الصريـح مـرة أخرى باسمه المستعار.
ولا شك أن الفرنسيين قد فطنـوا لهذا، لكن انصبابهـم على الدعايـة ومحاولـة النكايـة برائـد الإسلام وزعيمـه لم يفدهـم أدنـى إفادة فيمـا كانوا يتـوقون إليه ويطمعون فيه.
إذ إلى جانـب نشاطـات الأمير شكيب أرسلان تكونت بالشـرق في مصر وسوريـا وفلسطين لجان من المغاربـة كانت تستغل للعمـل الوطني كل ما يصلهـا من المغـرب، وجنيف ، فجعلت نشاطاتهـا كلها تحـوم حول العمل لتحطيم ما كانت فرنسـا تريد تفاديـه وتسعى لبنائـه وترميمه.
ليس هـذا غير جـزء من نشاطـات الحركة الوطنية الأولى، والتـي جعلت من يـوم سادس عشر مايو يوم الذكـرى للانتفاضة الأولى.
وقد زجت فرنسا بكثير من رجالات المغرب وزعمائـه بمختلف السجون، وهم بما كانوا يومنـون به ويسعون له لـم يكادوا يغادرون مختلف المعتقلات حتى عـادوا للعمل من جديـد ناشريـن بين النـاس دعوتهم التوحيـدية في الخـارج والتعريف في الخـارج، بما كانت سلطـات الاحتلال الفرنسية تقترفـه وترتكبـه بالمغـرب.
لست هنا بصدد ذكر تاريـخ تلك الحركـة وما كان لها من شأو وتأثيـر في المسيـرة الوطنية كلها، إذ ذاك على مـا أعتقد أنه من نصيب غير ما أريده هنـا، لكنني برغم ذلك الشعـور، وهـذه الرغبـة أجدنـي منساقا مـع التاريخ يجذبنـي إليه سيما والأمـر يتعلق بحادث كان زيادة على كونـه بدايـة علنيـة للوطنية بالمغرب،  فإنـه قـد كشف للمغاربـة عن حقيقـة الحماية وما كان يـراد منها ومن فرضهـا على البلاد.
وصعوبة العلم بالنسبة للمغاربـة في هذا الميدان كانت في إقنـاع الأصدقـاء والأقارب بكـون فرنسـا اللادينيـة الحـرة تقدم في المغرب على ما أقدمـت عليه، والـذي يعتبر استمرارا للحروب الصليبية ضـد الإسلام.
فالذيـن كانوا يومنون بالوجـه المشرق لفرنسـا، يصدرون في حكمهم عليهـا بما كانوا يقفون عليه من أمرهـا داخل حدودهـا الطبيعية، أو بعاصمتهـا الكبـرى، وحقيقة الأمر تختلف بين الوجـه النير،  هـذا والصـورة الأخرى التي كان كل من ابتلي بالاستعمـار يعاني منها.
إن إقنـاع الرأي العام فـي الشرق الإسلامي وحتـى بعض الزعمـاء من رجالات ذلك العهد، كـان أمرا لم يتغلب عليه بغير صـدق ما كان يكتب، وبمقام الرجالات الذيـن كانوا يكتبون.
لهـذا كان الاهتداء إلى أميـر البيان وظروف إقناعه بما وقف عليه نفسه، من علاقـات علامـات وأسباب نجاح الحركـة الصادقة المخلصة.
وليس عبثا أن يكـون ما كان من ردود الفعل الفرنسيـة إزاء اكتشافهـا تدخلات الأميـر ومباشرته الأمـر بنفسه سواء على  صعيـد الصحف والمجلات في الشـرق، وفرنسا نفسها أو لدى الجمعيات الإسلامية والزعمـاء المسلمين  الذين كانوا ينظرون لفرنسا بغير الواقـع من أمرها طبقا لما سبق ذكـره... ففرنسـا كانت تعلم أن صوتـا كصوت الأمير لـه كثيرون من المنصتيـن إليه، ومـا السامعين للعمل بما كـأن يخطط ويسعى.
الحديث في التاريـخ كله ذو شجـون، وهـو بالنسبة للحركـة الوطنية وتـاريخها أكثـر من شجـن وشجون، سيمـا والأمـر يتعلق بحادث رغم أنه كـأن بالنسبة للحركـة الوطنية بدايـة الانطلاق، فإن الكثيرين من شبـاب مغرب اليـوم يصعب عليهـم تصديـق ما سـوف يقرأون ويسمعـون لعقيدتهـم الجازمـة بما فرنسـا وما كـأن لها من أدوار تحرريـة في التـاريخ.
إلى أولئك أتقـدم بهــذه السلسلة من المقالات عن قضيـة اعتبرهـا التاريخ ويجب أن تعتبر كذلك عند سائـر المغاربـة كأول انطلاقـة لهم في ميـدان التحـرر والاستقلال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here