islamaumaroc

...في أكاديمية المملكة المغربية بمناسبة تعيينه عضوا فيها.

  عباس الجراري

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

** عين جـلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله السيد الدكتور عباس الجراري عضوا بأكاديمية المملكة المغربية، وفي الجلسة الافتتاحية للدورة الأولى لسنة 1403هـ ـ 1983م التي عدقت بفاس (12 ـ 15 رجب / 25 ـ 28 أبريل) قدم الأستاذ محمد الفاسي العضو المغربي الجديد، ثم أعطيت الكلمة للدكتور الجراري.
و ( دعوة الحق) إذ تهنىء الدكتور عباس الجراري بهذه الثقة المولوية الكريمة المتمثلة في هـذا التكريم العلمي يسعدهـا أن تنشر نص الكلمة التي ألقاها بهذه المناسبة **

بسم الله الرحمن الرحيم
ـ سيدي أمين السر الدائم
ـ سيادة مدير الجلسات
ـ أيها الإخوة الزملاء
ـ حضرات السادة
بروح يفعمه الحب والوفاء والولاء، وبقلب تغمره الغبطة والسعــادة والافتخار، يشرفني أروع التشريف وفائقه، أن أعــرب عن عظيم امتنانــي وعميق عرفاني لمولانــا أمير  المومنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله. إذ حباني بكريم رعايتـه وجميل عنايته، وتفضل فعيننــي عضوا في أكاديمية المملكـة المغربية، هــذا الصرح العلمي الشامخ الذي ينهض برهانــا يضاف إلى ألف برهان على أنه ـ حفظـه الله ـ  مجدد فكـر هـذه الأمـة، وراعي علمائهــا ورائدهـم في مسيرة الرسالـة والمسؤولية، بمــا تفرد به جلالتـه مـن إيمان قـوي صادق وعلـم أصيل متفتح، وعبقريـة مبدعة خلاقــة.
ـ سيدي الرئيس،
ـ زملائي الأعزاء
ـ أيها السادة.
في الخطاب السامـي الذي افتتح به جلالة الملك المعظم أولى دورات هـذه الأكاديمية الموقرة أبرز ـ دام علاه ـ ما ينشد لها من إسهــام  «في تألق الفكر وازدهــار العرفان والتقارب  بين الأفـراد والشعوب والتفاهــم المفضي إلى سعادة الإنسان» وهي بتشكيلها المميز الـذي أراده لها جلالته واعدة بقطــع شوط بعيد نحو هــذه الغاية النبيلة التي حددهــا ـ أيده الله ـ  ورسم لها أبعادها العميقة.
وفي اعتقادي أن تحقيقها رهــن في الـبدء بإيجــاد عناصر الالتقاء بين الثقافات وأسبــاب انجذاب بعضها إلى بعض، وكذا شعور المنتمين إليهــا بالحاجة إلى تبادل الأخذ والعطــاء، في غير إحساس بالنقص أو التفوق وهـذا يقتضي البحث في كل ثقافــة عن إسهاماتهــا الإبداعية ومقوماتها الأصلية النابعــة من التجربة الـتي تنفرد بها، والتي تقضي لى خصائــص الغنى والتميز، ومن خلال ذلك يتسنــى إبراز ما يكمن في هذه الثقافـة أو تلك من قيم إنسانية تتيح لهــا أن تجاوب وتتجاوز. وتؤهلهــا بالتالي لتتخطى حدود المحلية الضيقة وتعانــق الآفاق الواسعـة للبشرية كافة.
انطلاقا من الوعــي بهذه الحقيقة وما بلور عندي مـن رؤية شمولية، بدأ تعاملــي مع التراث المغربي في نظـرة تكاملية توحيدية، جعلتنـي أبحث هــذا التراث في صيغته المدرسية التي تتمثل في الآثـار العلمية والأدبية المكتوبة، وما إليهــا مما ينتجه الدرس والتعليم والتحصيل ، ثم في صيغته الشعبية التي تتجلى فيما أبدعه الشعب بمختلف طبقاته من أنمــاط ثقافية وحضاريـة لا تقوم على أسس  علمية مدروسة تبدو ظواهـرها فيما يمارسه مـن عادات وتقاليد، وما يؤمـن به من قيـم وأخـلاق، وما يتداوله من قصص وأمثال وأشعــار، وما يزاولــه من فنون وصناعــات ، كلها تعيش في أعماقه الواعيـة واللا واعيـة، يحسها مـرة ولا يحسها مرات، ولكنهــا دائما معه وفي حيــاة مستمرة، تكيف مشاعـره ووجدانه، وتحــدد مزاجه وشخصيته وتميـز عبقريته، وتشغل بذلك وجــوده وإن كان لا يعيهــا في أغلب الأحيان.
وأكــاد أجزم أن في هــذا الخط المزدوج للتــراث المغربي يكمن تفسير ظاهــرة انتشار الثقافـة في مستواها الشعبي إلى حــد يعم جميع البيئات والفئات دون أن تؤثــر هذه الظاهـرة على ثقافتنا فيما يميزهــا نوعا ودرجـة ، طالمــا أن هــذه الثقافة تنمو في اتجاهين متكاملين.
أحدهما عمودي كيفي يقصـد إلى تعميقها ورفع مستواهـا بمحاولة الإتقان والتجويد، واعتمــاد البحث المتعمق، ودوام الاقتباس مما عنــد الآخرين،  والثاني أفقي كمي يسعـى إلى توسيع قاعـدة الثقافة على نطــاق التعميم والتسطيح، باعتبارهــا حقا للجميع، وباعتبارها كذلك وسيلة لتوعية الجماهيـر، وتعـريفها بحقوقها وواجباتها، وتبصرها بالقضايا المختلفة وتعبئتهــا المستمرة للعمل.
وقـد تداخلت الصيغتان عندي  حتى في رحــاب الجامعة، إيمانــا مني بأن هــذه المؤسسة العالية هــي جزء من التاريخ الذي نصنعــه لأمتنا ومحرك له في نفس الآن انطلاقــا من التعليم والبحث باعتبارهما مقومين أساسيين في رسالة الجامعــة، بما تتطلبه من فلسفة أرى ضرورة سعيها إلى تكوين جيل من المواطنيـن يكونون مزودين بالعلم نظرا وتطبيقــا وسلوكا، عارفين بدورهم وقادرين على تحمـل المسؤولية، وعلى قيادة العمل الوطنـي، وبث الوعي بالمبادئ السامية والأهداف المقدسة للأمــة، وعلى أخـذ زمام المبادرة والنهوض بأعباء التطــور والتقـدم. وعلى إيجــاد صياغة متجددة للحياة والإنسان في هـذا البلد، وعلى تنمية البحث العلمي بفكـر نقدي حر قائــم على رأي شخصـي وأصيل، أي قادر على الإبــداع والابتكــار، في منهجية سليمـة، ونظر شمولي مفتوح على مختلف الآفــاق الإنسانية، بعيـدا عن الانغلاق وعن السير في ركــاب أي تيار يكرس التبعية.
وقد حثنـي هذا التصور المتكامــل على أن أطرح درس الأدب المغربي ـ وهو مجال تخصصي الضيق ـ وأوجهــه ليستقطب الشقين معا.
المدرسي والشعبـي، مع إعطاء الأدب مفهوما يشمل كل الإنتــاج الفكري لأمتنا دون حصـره في إطار الاصطلاح التعليمي المتــداول الذي يحـدده بالشعر والنثر الفني.
وهــذا ما جعلني أوفق في بحث التراث بين المبدعــات الأدبية والفنية والعلمية. وكــذا الممارسات العلمية المختلفة، على أساس أن التراث هو وعاء منظورات الأمة ومقولاتها وتجاربها. وأنه هو دليل حياتها. ووثيقة وجودها. ومنظومة معرفتها في ماضيها وحاضرها وما تتطلع إليه من رؤى وتصورات مستقبلية. وهي مكونات ـ على تعددها وتباعدها ـ تلتقي فيما بينها بعلاقة جدلية لا تتجزأ فيها حركة التاريخ، بل تتداخل فيها الأزمنة الثلاثة بما يلغي كل الأبعاد إلا ما كان من بعد واحد،  هو ذلكم الذي يقاس بما يبدعه الإنسان من أفكار، ويحققه من أعمال. ويتحمله من مسؤوليات،  وأعترف بأن هذه النظرة للتراث هي التي جعلتني في دراسته ـ والجانب الأدبي منه خاصة ـ أتناول ظواهر وقضايا رأي إسعافها لي في الكشف عن ذلكم البعد الهدف.
وحتى حين يتعلق بالماضي، فإنه لا يعنيه دون تحديد ولكن يعني منه الجانب المضيئ الشفاف. الذي يلازم حياة من يمتلكه ويكـون قادرا على إعادة ترتيبـه وتجديـد تركيبـه، وتطويعه بالتفسير والتحليل والتقويـم، حتى يصير جـزءا مـن كيانـه، في ارتباط وثيـق بجميع مراحـل تحركه خـلال الحقـب والأزمان.
وإن استمرار تلكم العملية التحديثية للماضي هو الذي حث هذا الماضي على أن يفرز ظواهر ثقافية وحضارية متعددة, تعاقب نموها وتطورها طـوال عهـود التاريخ بما جعلها تتجذر وتتجدد وتتفاعل بخصوبة وتلقائية متأثرة بما تعانقه أو يعانقها من ظواهر مماثلة لها في بقية الحضارات والثقافات.
ولست أخفي أن نقطة البدء عندي تنطلق من الإقليمية التي تعتمد البيئة ومقوماتها ومؤثراتها أساسا للدراسة ولكني أؤكد أني حين أقـول الإقليمية وتأثير البيئة في الأدب والتراث عامة، لا أنسى الشخصية الـذاتية والموهية الفردية، ولا أعني تضييق الأفق والانحصار في إطار المحلية أي أني لا أعتبر الإقليمية هدفا لسلبية جميع أبعاد هذا الهدف، ولكني أعتـبرها وسيلة للم شتات الأدب العربي والفكر الإسلامي وغيرهما من أنماط التراث في كل البيئات الحضارية والثقافية التي أتاحت الإبداع، وأعتبرها سبيلا لتكميل الرؤية الوحدوية بكل ما يكسبها من خصب وغنى وتنوع، انطـلاقا من خصائص في الخلفية الثقافية والتجربة المحلية لكل إقليم، فضلا عن العـوامل البيئية المؤثرة التي تنعكس على المزاج والروح، وعلى الطابع واللون، وهذا ما يجعلني في النهاية أعتبر الإقليميـة جواز المرور للعالميـة والإنسانيـة، حين تنصهر تلكم العوامل البيئية مـع عناصر التفاعل التي تتيحها آفاق الكـون الواسع.
وقــد كان المغرب مؤهــلا لهــذا التفاعــل بموقعه الجغرافـي على رأس إفريقيــا، وعند مدخل حوض المتوسط مفتوح الشواطـئ على بحرين عظيمين متحكما في منافذهمــا ومتفتحا بالتالي على مــا وراءهما من عوالم في الوقت الذي هو يضـرب بجذور ثابتة في أعماق القارة التي ينتمي إليها متوسطا بذلك كل جهات الكون، مما جعله  يتحرك في مركز ثقل العالم بتفاعـل جدلي مستمر مع هـذه الجهات في عملية أخذ وعطاء لم يشهـد التاريخ لها توقفا  أو انقطاعــا . مما أنتج تركيبا حضاريـا وثقافيا لهــذا البلد يكاد يكون متفردا بخصائص متميزة هي سمات ذاته، دون أن يفقـد ا التركيب خيــوط الالتحام والانسجام مع العناصـر التي تفاعل معهـا في الأصل وما زال.
وكما قال سيدنــا دام تأييده في نفس خطابه السامي الافتتاحي للأكاديمية، فإن هـذا الموقع « رسم وجهة المغرب التاريخية وفــرض على بلادنــا أن تقوم باستمرار بدور أداة للربـط والاتصال والتأليف بين الشعوب والحضارات».
وفي إطـار هذا الدور تبلور وعي الإنسان المغربي وتحــددت نظرته للحياة والكون، واتضحت ملامــح وجوده ومميزات تجربته خــلال التاريخ وكذا خصوصيات شخصيته وأصالته الذاتية،  وأستطيع القـول بأنها جميعا تكشف عن عقلية عملية واقعيــة تعتمد الحس والتجريب، والميل إلى تجسيـد الحلم والمجـرد لتحويلهما إلى حقائــق ملموسة ، وبذلك تسنى له أن يكتسب إرادة قوية لإثبات كيانه وتحقيق مطامحــه ، وقدرة تلقائية على الأخــذ والعطاء وعلى التفاعل والتبادل.
وقد تأكــد الدور الذي نهض به المغرب على امتداد الحقب والعهـود، حتى ما كان منهــا موغلا في القـدم، بما لا يحتاج إلى شاهد إثبات، ولكن هــذا الدور لم يلبث أن تجــدد حين سرى الروح الإسلامي في أعماقه، وأعــاد خلقه وغير مجرى الحياة فيه. وفتح له آفــاق حضارة وثقافة جديدتين، اهتدى في بنائهما بمثل عليا نابعــة من تمازج العقل والروح، ممــا أهله ليتحمل في نطــاق الفكر والعقيدة رسالة تخاطب الإنسانية عامــة في كل الأزمـان، وهي رسالة تقـوم على العلم والعمــل، وعلى التدبـر والإقناع ، وتشيع التعايش والتساكــن والتآخـي والتراحم ، وإن من موقع القوة والقـدرة على الصـد والمواجهة، وهي بذلك تدعو إلى الحوار المستمر الحكيم هـذا الحوار الذي غـدا ملحا قيامــه اليوم، بعد أن زالت الحواجــز بين الأقاليم والأقطـار، وزادت وسائل الاتصال بين مختلف الشعوب، ومعها زادت للأسف أسباب الخصام والخلاف وعوامل التطاحن والتناحر.      
وأعتقد أن هــذا الحوار لا يكون إيجابيا، بل لا يكـون ممكنا، إذا كان نزيهــا وسليما، وهو لا يكون كذلك إلا إذا قام على حـد أدنى من الآراء المتفقة التي تقصــد إلى تحقيق غايات موحـدة، مما يقتضي أن يعرف كل طرف كيف يحترم الآخـر ويفهمه ويعترف به ويفيـد منه ويسعى معه إلى تقليص الفواصـل وتضييق الهوات، وإلى مـد قنوات ومعابر تتيح مزيـدا من الاتصال والتعارف والتفاهــم والتعاون، وتمكن من توسيع الجوانب المشتركة وتقويتها، نشرا للتسامح، ونبـذا للتعصب ، ووفقا للصراع ، وحفظا للتوازن بين القيم الروحية والماديـة، وبحثا في النهاية عما يستطيع الفكـر الإنساني برمته أن يقدمه من خير وسعادة للناس جميعا ، ومن أجل سلام يعم البشرية كافة.
ولست أشك في أن هــذا هو البعد الآنـي والمستقبلي الذي يجب أن يطرحه الفكـر الحق في سعيه لحماية الإنسانية من الدمــار الذي يحدق بها ويهدد وجودهــا بالانهيار، وتلكم إحدى الغايات الأساسية لأكاديميتنــا الملكية، وقد أعرب جلالـة المـلك الحسن الثاني أطال الله بقاءه ـ وهو يفتتحها ـ عن الأمـل المعقـود عليها في « أن تطوي المسافات وتوثق أواصـر الاتصال والتعارف بين مفكـرين وحماة للفكـر يتمسكون بقيم روحيـة واحـدة، وإن اختلفت العقائـد والأديان، ويهتمـون اهتمامــا مشتركا بكل ما يستحث خطى الحضـارة ويؤمـن المصير الآمــن المشرق  للإنسان». 
فلعل الله أن يوفقنا أيهــا الإخوة الزملاء ـ ويجعل جهودنــا جميعا تتضافر لتحقيق هــذا الهدف الإنساني النبيل، مهما كان الطريق طويلا أو يطول.
ـ سيدي أمين السر الدائم
ـ سيادة مدير الجلسات
ـ إخوتي الـزملاء
ـ حضــرات السادة،
قبل أن أغــادر هذه المنصة، أود أن أقدم الثناء عطرا لسيـادة أمين السر الدائم، صديقي العزيز الدكتور عبد اللطيف بربيش الذي قرب خطاي نحو هــذه المؤسسة العلمية العالية، وللأستاذ الكبير السيد محمد الفاسي الذي أعتــز بأن يكون هو مقدمي إلى هــذا المجمع الرفيع، وأن أضفي على ما طوق به عنقـي مما أنوء به ، ولعلي في غير حاجة إلى الكشف عن مصدر هـذا الاعتزاز الذي يكفيني  فيه اقترانه بشخصية بارزة في ميدان الكفــاح الوطني ومختلف مجالات المعرفة والتعليم، ثم أود أن أعبـر عن خالص شكـري لكم جميعا ـ حضرات العلماء الأجلاء ـ وأنتم تستقبلوني بينكم، وكلي رجــاء أن أكون عند حسن ظنكم بي وفي مستوى ثقـة سيدنا أعزه الله وتقديره الغالي الكريم.
والسلام عليكم ورحمة الله

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here