islamaumaroc

رواق المغاربة بالأزهر الشريف.

  عبد الهادي التازي

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

ظل اسم مصر وسيظـل منقوشا في قلب كـل مغربي، وظل ذكرها وسيظل جاريـا على كل لسان في ديـار المغـرب.
وإذا كـان اسم النيل والصعيـد يحملان في طيـات حروفهمـا المبنى، كل معالم الحضـارة التي عرفهـا العالم القديـم، فإن كلمة «الأزهر» تؤدي مجملا لتاريخ طويل  في النضـال من أجـل حياة الحرف العربي، واستمرار الوجـود الإسلامي عبر أرجـاء العالم شرقه وغربـه.
وإن الذيـن عاشوا مع (جامع الزيتونـة) التي أسست في  تونس عـام 116هـ ومع (جامع القرويين) التي شيدت في فاس عـام 245هـ ليمكنهم  أكثر من غيرهم أن يتصورا حجم (الأزهر)، الـذي بني عام 359هـ بكل أبعاده العلميـة والثقافيـة، وآثـاره السياسية والاجتماعيـة، ليس فقط على المجتمع المصري، ولكن على المجتمع الإسلامي كله.
ومن هنـا يمكن أن ندرك السر في استقطاب مصر لجاليات تنتمي لشتـى الآفاق ، لقد كانت بالفعل ملتقى عالميا اتسع صـدره لاستيعاب أطراف الدنيا ، فهنا الأفارقـة والشوام والأتراك والأروام والعراقيون والخليجيون، وأهـل الصين وسكان القارة الهندية.
ولمـا تسحبه مصر وراءهـا من تاريخ أصيل عريق، أمكـن لجامعها الأزهـر أن يحتضن سائر الاتجاهـات ويحترم كل المذاهب، فكانت بذلك مـلاذا حصينا للتفكير، ومجالا حيا للتعبير، فهنا الشافعية والحنفيـة والحنابلة إلى جانب المالكية.
ويتأكـد من خـلال تتبع كتب الأخبار والآثـار أن (رواق المغاربة)، كان العمدة والمرجـع فيما يحرر هناك حول الفقـه المالكي ، وكان المركز الـذي يسهـر على  تكويـن الأطـر اللازمـة لنشر المذهب المالكي في الغرب والشرق...  وبهـذا كان أقـدم وأهـم وأغنى الأروقـة التي عرفهـا الجامع الأزهر في تاريخه البعيد.
إن صلات المغرب بمصـر لم تكن وليـدة الأمس القريب، فهي ضاربـة في جـذور التاريخ وعلى مختلف الأصعـدة وكل المستويات.
وقد تجلت تلك الصلات في المصاهرات التي تمت بين الجانبين منـذ فجر التاريخ، وفي مكافأة أمراء هوارة المغاربـة بحكم أراضي أخميم (محافظـة سوهاج) الثرية التي أدى لهـا ابن بطوطـة وصفا دقيقـا لا يخلو من الفائدة(1).... وفي المراسلات المتبادلـة بين الملوك والحكـام ، وفي   
السفارات المتوالية بين البلدين(2)  كما  تجلت تلك الصلاة في مجال التعاون في الميدان العسكري على نحو ما نراه في أخبار الرايس إبراهيم التازي شيخ دار الصناعة بالإسكندرية(3)
 وهكذا فإنه لم يكن من الصعب علينـا أن نتصور إنشاء (رواق للمغاربة) في حظيرة الأزهر منذ التاريخ المبكر... على الأقل منذ أواسط القرن الثامن، أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، وعلى يد الوزير سعد الدين بشير الذي عرف بمبادراته المعمارية في القاهـرة.
إن العدد الكثير من الأسر المغربية التي أصبحت تعيش بمصر وتتردد على مصر، كانت تفـرض العمل من أجل تخصيص جناح للطلبة والمشايخ الذين يهتمون بدراسة الفقه المالكي الذي ظل المذهب المفضل لدى أهل المغرب...
رواق المغاربة في كتاب الخطط التوفيقية
ولم يكن غريبا علينـا أن نرى الملك الأشرف أبا النصر قايتباي يدرك أهمية الرواق المغربي على مر الزمـن، فيقوم بتجديده عـام 881هـ على نحو ما نقرأه ممـا كان منقوشا على باب الرواق ممـا أثبتـه علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية.
«أمر بتجديده مولانا وسيدنا السلطان الملك الأشرف قايتباي على يد الخواجـا مصطفى ابن الخواجـا محمود غفر الله لهما»(4).
وقد  احتفظت الدرابيـز الخشبية التي تفصـل الرواق عن صحـن الأزهر بالنقش التالي الذي يؤكـد الأول ، ولكن من غير أن يذكـر الخواجـا! وهو يوجد داخـل دوائر أربع هكذا، «اعز لمولانـا السلطان/ الملك الأشرف/ أبو النصر قايتباي/ أدام الله أيامه».
كما احتفظت أعالي باب الرواق بما نقـش عليه بمناسبة التجديد الـذي حصـل أيام خديوي مصر عباس حلمي على هـذا النحو.  «جـددت هذه الدربزينات على أصلهـا في عصر خديوي مصر عباس حلمي الثاني أدام الله أيامه سنة 1310».
ولقد اهتمت المؤلفات التي تحدثت عن الأزهر الشريف، بتحديد موقـع الرواق نظرا لأهميته واعتبـارا لمقامه، كما اهتمت بتقديـم وصف شامل له حتى لا يلحقه في يـوم من الأيام تبديل أو تغيير.
إنـه يوجـد بالجانب الغربي من صحن الجامع وهو باب على يمين الداخل من الباب الرئيسي للجامع وهو باب المزينين الذي يليه باب داخلي كان يحمل أحيانا، على ما يظهـر من كلام صاحب (الخطط التوفيقية) ـ إسم باب المغاربة.
وهـو أي رواق المغاربـة (طرابلس ـ تونس ـ الجزائر ـ المغرب) ، مجـاور اليوم لرواق الأتراك والسنارية(5) (السودان ...) ويحتوي على خمس عشرة بائكة قائمة على أعمدة من رخام أبيض (6)، وبداخـل الرواق باب على الجدار الغربي ينفـذ إلى مساكن علوية ، كانت تأوي بعض المحظوظيـن من الطلبة،  كما ينفـذ ـ وهذا  مهم ـ إلى مخزن كبير للكتب ( كتبخانة)، وقد انتصب على الجدار المغربي وعلى الداربيـز الشرقية وعلى الحاجـز بين الرواق المغربي والرواق التركي. انتصبت دواليب كانت بدورهـا تحتضن طائفة من المؤلفات.. وهكذا نجـد أن الرواق المغربي يحتوي على مجموعة قيمـة من الكتب، بلغت في تقديـر بعض الأساتذة زهاء ثمانمائة آلاف مجلـد منها عـدد  من نفائس المخطوطات التي تعالـج قضايا الفقـه المالكي وفنون العلـم والتاريخ العـام والخاص ... وفي هـذه المكتبة كان ابن خلدون يقضي جـل وقته، على مـا كان الحـال بالنسبة للمقري صاحب كتاب نفح الطيب(7).
صحـن الجامع الازهر
ولقد وقفت هناك على عدد من شروح تحفة ابن عاصم ولامية الزقاق ... وحتى الوثائق الفرعونية ... كما وجدت هنا نسخة من تحفة الألباب ونخبة الإعجاب لابن أبي الربيع القيسي الأندلسي الغرناطي(8) ووجدت نسخة من جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس لعلي الجزنائي... كما وجدت هنا مؤلفا عن أنساب الأدارسة بالمغرب ومنظومة بالشعر الملحون للهواري... إلخ ...
ولا بد أن نتساءل هنا عن ظروف وجود مصحف مغربي رسمه عام 1182 الأمير المغربي أبو الحسن مولاي علي نجل أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الله وخليفته على مدينة فاس(9)  ... كان المصحف موجودا بجامع أبي الذهب الذي لا يبعد عن رواق المغاربة قبالة الباب الرئيسي للأزهر ... وافتقد بعد هجوم نابليون على مصر حتى عثر عليه في متحف اللوفر بباريس عام 1867 (1283/1284) وتمت استعادته ... لقد كتب هذا المصحف بالخط   
المغربي وهو آية من آيات الفن في دقة الصنع وتناسق الألوان وثراء صفحاته بالحليات ذات الألوان الجذابة المختلفة(10)...
لقد غـد الرواق بمثابة بعثة علمية ثقافية اجتماعية للجالية المغربية، وأصبحت له إدارة خاصة به ترعى شؤونه وتشرف على مرافقه.
ولقد كان ينعم بعطاء سخي من لدن الموسرين المغاربة الذين كانوا في بعض الأحيان يتحكمون في اقتصاد البلاد ولا بد أن أذكر هنا بأسرة الشرايبي التي خصص لها الشيخ عبد الرحمن الجبرتي صفحات تاريخه والتي كانت مساعدتها تتجاوز سير الرواق إلى الفروع العلمية الأخرى.
«ويتردد إلى منزلهم العلماء ـ يقول الجبرتي ـ ومجالسهم مشحونة بكتب العلم النفيسة للإعارة وانتفاع الطلبة، يشترونها بأعلى ثمن ويضعونها في الخزائن والخـورنقات (الزوايا) في أي علم من العلوم ... ولا يمنعون من يأخذ الكتاب وإن لم يرده لا يسأل عنه... ربما بيع الكتاب عليهم واشتروه مرارا، ويعتذرون عن الجاني بضرورة الاحتياج... (11)».            
على مثل هؤلاء كان يعتمد الرواق وقد عاشت هنا عائلات مغربية، كما أشرنا، كان لها صداها في مسيرة الرواق...
هنا أسرة الأبار، وأمغار، وبنونة، والتازي، والجزولي، والجمالي(12) والحلو، والدكالي، والرعيني،  والركراكي(13)  والزرهوني، والغزاوي، والفاسي، والكوهن، والمكناسي، والناظوري، والصباغ، والسحيمي(14) وابن سعيد، والسوسي، وابن شقرون، والهواري، واليوسي... إلخ.
ومن أجل المركز الذي كان يحظى به الرواق كانت المنافسات على إدارته بالغة ... وكان على المرشح لتلك المهمة أن يتوفر، إضافة إلى الكفاءة الخلقية، على رضا الطلبة وتزكية سائر الشيوخ المغاربة، وهكذا قد كانت إدارة الرواق تسير سيرا ديموقراطيا يخضع لمصلحة من يهمهم الأمر قبل أي اعتبار.
ولا بد أن نعرف أن هناك قواعد تضبط علاقة شيخ الرواق المغربي بشيخ الأزهر الذي يظل هو المشرف من الناحية الأدبية على ما يجري داخل الرواق، ولو أن الرواق يتمتع ـ مع ذلك ـ بكامل الحرية في مساعدة طلبته وفي صيانة كتبه واختيار أساتذته...
وكما حفظ التاريخ أسماء عدد من شيوخ الأزهر ابتداء من الشيخ الخرشي المالكي (ت 1101 هـ)، واحتفظ لنا بطائفة من الشيوخ الذين كانت لهم صلة بالرواق المغربي ... فهنا الشيخ ابن عبد السلام الشرفي وهنا الشيخ علي السقاط والشيخ عبد الرحمن بناني... والشيخ أحمد عبد السلام المصوري المغربي الذي كان مرتبه كل يومين ثمان مائة واثنين وستين رغيفا ... ولقد كان هؤلاء المشرفون يقومون أيضا بوظيفة ناظر الأوقاف، وكان للمشرف وكيل ينوب عنه أثناء الغياب، كما كان له مساعدان آخران رئيسيان، الكاتب ... والقابض ... علاوة على البواب، الأول يقوم بتسجيل المحاضر والثاني يسهر على تحصيل المبالغ المستحقة للرواق من الأوقاف المحبسة عليه ...
وقد ظل الرواق حلقة اتصال محكمة بين علماء المغرب وعلماء المشرق، وهكذا كنا نجد السلطات الحاكمة تستمزج رأي علماء المشرق بعد أن تأخذ بنظر علماء قواعد المغرب ...
شاهدنا هذا عندما رفع كتاب في عهد السلطان أبي العباس بن أحمد بن محمد الوطاسي (932 ـ 943 هـ) يستفتي ذلك الكتاب علماء الأزهر عمن نصبوا محرابهم في مدينة فاس بين المشرق والمغرب وعندما حدث أيام السلطان مولاي اسماعيل ابن الشريف (1082 هـ ـ 1139 م) أن استفتى علماء الأزهر حول القضاء على الرق وانتظام                    
المحررين في سلك الجيش المغربي... كانت هناك مراسلات منتظمة بين هؤلاء العلماء هنا وأولئك هناك... ويحتفظ المغاربة بجملة وافرة من الإجازات التي كانوا يحملونها من علماء المشارقة، كما يحتفظ المشارقة لإخوانهم المغاربة بذكريات لا تبلى ظهرت آثارها في كتب التراجم والفهارس...
ومن غير أن نرحل بعيدا سنذكر بعض المناظرات التي تمت حوالي سنة 1140 بين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن ابن زكري الفاسي وبين بعض علماء الأزهر حول موضوع يعتبر اليوم  من مشاغل الساعة  لدى منظمة الصحة العالمية، ويتعلق الأمر بشرب الدخان الذي صمم العالم المغربي آنذاك على أنه مادة مضرة، فهي إذن محرمة يجب الابتعاد عنها(15)،الأمر الذي أثار جدلا كبيرا بين رجال العلم نعتقد أنه هو الذي كان وراء صدور الفرمان (المرسوم) بمنع تناول الدخان في الشوارع وعلى أبواب الدكاكين بمصر أيام تولية محمد باشا(16) عام 1156.
وقد سجلت بعض المذكرات المغربية لقطات هامة عن تاريخ الأزهر العلمي أيام الحكم العثماني، كانت تؤكد ما كتبه السادة الأساتذة اليوم عن تلك الفترة القلقة من حياة جامعة مصر.
ولعل من المفيد أن نتصفح بهذه المناسبة ولأول مرة في مخطوطة ألفها أحد رجال العلم والسياسة المغاربة ممن وفدوا على مصر سنة 1143 رفقة الركب الذي كان يضم الأمير الصغير سيدي محمد بن عبد الله الذي أصبح فيما بعد الملك محمد الثالث ...
كان ذلك العالم هو أبا الفضل الوزير عبد القادر الإسحاقي الذي نعت في كتب التاريخ المغربي بالكاتب الأرفع والأديب اللغوي والمؤرخ النسابة.
كان الإسحاقي من الرحالة المغاربة الذين دونوا مذكراتهم حول زيارتهم لمصر ويا ما أكثرهم ! ...
وكان من ابرز ما تناوله في مخطوطته(17) الفريدة قسم يتعلق بالأزهر الذي كان يجتاز آنذاك فترة صراع  ضـد الذين كانوا يجدون في إهمالهم فرصة لبسط نفوذهم ... ! إن كل الذين كتبوا عن الأزهر لم يستطيعوا، كما أشرنا أن يخفوا امتعاضهم من ذلك التدهور في المستوى العلمي بالأزهر، وقد ردد معظم المؤرخين المعاصرين أن الدراسة في الأزهر آنذاك أصبحت لا تتناول العلوم الرياضية، كما كان معهودا ...
كان الوزير الإسحاقي مهتما أيما اهتمام بزيارة معالم مصر وبدا أن اهتمامه بالأزهر كان يفوق الوصف، سيما وقد لاحظنا أنه، فيما كتبه كان لا يعتمد فقط على ملاحظاته هو، ولكنه كان يعتمد حتى على حكايات الرفقاء الذين كانوا ينقلون إليه ما يشاهدونه بعد عودتهم من تجولهم اليومي...
وبالرغم من أن بعض شيوخ الأزهر على ذلك العهد (1143 هـ/1731 م) كانوا على جانب من الشهرة، فإن اتصالات الوزير الإسحاقي وتعليقاته إنما اقتصرت على شخصية علمية أزهرية لم تنل في ترجمتها، لدى الجبرتي، تلك المساحة من الورق التي خصصت مثلا للشيخ الشبراوي وللشيخ الحنفي ...
كان العالم الذي اجتمع به الإسحاقي  هو الذي نعته الجبرتي بإمام الأئمة وشيخ الشيوخ، وأستاذ الأساتذة عمدة المحققين والمدققين ... وكان الأمر يتعلق بالشيخ علي بن علي الحنفي  السيواسي الضرير، الملقب بإسكندر(18).
ولقد وصف الإسحاقي زميله الحنفي بأنه رأس الطبقة في العربية وعلم المعقول... (19)وتحدث عن اجتماعه به كما أعطى بعض التفصيلات عن حياته الخاصة مما أهملته المصادر المصرية التي ترجمت للشيخ الحنفي ...
ويظهر من خلال ما أورده الإسحاقي أن الشيخ الحنفي لم يكن فقط ضد تناول شراب البن «القهوة» قياسا                    
له على الخمر، كما كان يعتقده ويردده .... (20)ولكنه كان أيضا عالما نباتيا، وهكذا يذكر الإسحاقي أن السفرة أو المائدة التي دعا إليها من لدن الحنفي كانت تحتوي على كل صنف من اللحم !... لا أدري هل ما إذا كانت صدفة أم إن الشيخ كان يجد صحته في تناول أنواع الطعام الأخرى ...
وهناك جانب آخر من حياة الشيخ الحنفي لم تتحدث عنه المصادر المصرية وهو جانب النكتة والمرح الذي كان يلجأ إليه المشايخ، يمزجون به حياتهم اليومية ...
لقد كان في جملة الأطباق التي أحضرها شيخ الأزهر للضعيف المغربي صحن العدس ... الذي كان بجانبه بعض الحوامض والمخللات، إلى جانب صحن الأرز الذي لم يعتد المغاربة تناوله إلا في حالات خاصة، كما لاحظ ذلك سائر الذين تحدثوا عن المغرب، ومنهم ابن الفضل العمري.
أقبل الإسحاقي على تناول العدس وشعر الحنفي أن ضيفه معرض عن الصحون الأخرى فسأله عن السر في إقباله على العدس، فأجابه الإسحاقي إن للعدس مسوغا بجانبه، وهو الحوامض، ففعل ذلك في نفس الحنفي الذي اتجه نحو الضيف قائلا: جعلت للعافي نكرة تحتاج إلى مسوغ، فخجل الإسحاقي وأجاب: بل كلاهما معرفة إلا أن في العدس مسوغا للابتداء به ... ثم أقبل على الطعام الثاني ...(21).
وقد كشف الإسحاقي عن نزعته الانتقادية عندما حضر بعض مجالس العلم بالأزهر الشريف ولاحظ مستوى الدروس التي كانت تلقى هناك ... وقال  عن شعر مدح أهـدي إليه في مصر بأنه أقرب إلى الهجو منه إلى المدح !
وإذا كان الوزير الإسحاقي لم يربط صلته برجال التصوف الذين عرفتهم مجالس الأزهر فإن أحد المغاربة من أهل فاس المشهورين بالعلم والفضل والصلاح وهو العالم الواصل الشريف مولاي أحمد الصقلي(22)، اجتمع هناك عام 1158 بالشيخ أبي عبد الله محمد بن سالم الحنفي، وأخذ عنه الشاذلية الخلوتية التي كان في صدر من تلقاها عنه بفاس القطب عبد الوهاب التازي(23)  ثم تشاء الصدفة أن يتولى على مصر عام 1162 هـ الوزير أحمد باشا الذي لاحظ حالة الانهيار التي تعيش عليها الأزهر وذلك أثناء مقابلته للشيخ عبد الله الشبراوي شيخ الأزهر (24)، حيث رأينا الأحوال تتطور في الأزهر إلى أحسن وتأخذ العلوم الرياضية نصيبها في الجامع وفي رواق المغاربة بالذات.
وهنا يتحدث التاريخ أيضا عن استئناف نشاط الأزهر عام 1187 هـ، وفي هذه المرة أيضا يكون ذلك عبر إفادة تتعلق بمقام شخصية علمية مغربية بارزة قامت بزيارة مصر وألقت دروسا متتابعة في رواق المغاربة شدت إليها شخصية الأزهر بدون استثناء.
ويتعلق الأمر بأبي عبد الله محمد بن سودة الملقب بالتاوديتيمنا بالشيخ عبد الله التاودي من رجال القرن السادس (25)، وقد قدم أبو عبد الله مصر عام 1182 هـ، وعقد له دروسا حافلة بالجامع الأزهر بالرواق حول الفقه المالكي في جموع حاشدة من الطلاب والموجودين من العلماء، إضافة إلى تلقيه بعض الرياضيات عن الشيخ الجبرتي.(26)       
لقد عاد الشيخ التاودي إلى فاس ولكأنما حمل معه (رواق المغاربة، ولكأنما حمل معه الأزهر برمته، لقد غدا رسولا من رسل الأزهر بين أساطين جامع القرويين... وإن مشهد الشيخ التاودي ابن سودة ما يزال إلى اليوم في فاس يذكر الذين يزورون العاصمة العلمية بمقام العالم المغربي بديار مصر... إن زاويته تحتوي على خزانتين علميتين وكانت روضته إلى العهد القريب ضمن فروع جامعة القرويين التي تلقينا نحن فيها عددا من الدروس على مشايخ لنا، كانوا يلتمسون الخير في تقفي خطوات الشيخ التاودي ابن سودة...  ولم يكن ابن سودة آخر من ظهر في رحاب الرواق ... فقد توالت بعده هذه الزيارات وانتظمت البعثات الطلابية حيث شاهدنا عشرات الرجال يقصدون ديار مصر للكرع من معين العلم ....
وإن مما يثير الانتباه حقا، إسهام رجال الرواق على رأس قادة الأزهر في التصدي لقوات نابوليون عام 1213 هـ/1798 م. لقد هب المغاربة يدافعون ... وأدرك نابوليون خطورة الوجود المغربي على مخططاته، فاصدر يوم ثاني ربيع الثاني 1213 هـ/13 شتنبر 1798 أمرا يقضي بأن على المغاربة أن يرحلوا إلى بلادهم، «وأن كل من وجد منهم بعد ثلاثة أيام يستأهل الذي يجري عليه» ...! لكن المغاربة لم يرضخوا لهذا الأمر ... وهكذا نجد أن أحدهم وهو أبو القاسم المغربي شيخ رواق المغاربة يلقى عليه القبض ويودع في سجن القلعة من لدن الفرنسيين عام 1215 هـ نظرا لما بلغ عنه إلهاب للمشاعر ضد المحتلين للبلاد ..(27).
لقد تحولت مجالس الرواق العلمية إلى مجالس للتحريض على الثورة ضد نابوليون ... واستمر الموقف المغربي كذلك إلى أن تم تحرير البلاد وإنقاذ المخطوطات والتحف التي اغتصبها المستعمرون، وهذه هي الحقيقة التي تؤكدها المصادر المغربية والتركية والمصرية على السواء ...
فهل هذا كله ما كان يربط المغاربة برواقهم في الجامع الأزهر ؟ لقد عرف المغرب منذ فجر تاريخه الإسلامي عددا من المبادرات الطريفة التي لا تخلو من دلالات رقيقة دقيقـة، فلأجل أن يستحضر أهله دائما وباستمرار صورة المدن والأماكن المشرقية، اعتادوا على أن يعطوا أسماء تلك المدن والأماكن لبقاع توجد بالمغرب، فسمعنا عن (خيبر) بضاحية مدينة زرهون كتوأم لخيبر القريبة من مثوى النبي صلى الله عليه وسلم، كما سمعنا عن بكة على ساحل المحيط الأطلسي كتوأم لمكة المكرمة...
و من هذا القبيل عرفنا عن جامع في مدينة فاس حمل منذ القرن السادس أيام الدولة الموحدية إسم (المسجد الأزهر) تلميحا للأزهر الشريف.
لقد كان الأمر يتعلق بالجامع الذي يشتهر في حجج الوقف لعام 974 باسم عين الخيل، وفي هذا المسجد كان يدرس أبو عبد الله محمد التميمي الفاسي الذي أخذ عنه ابن عربي الحاتمي على ما يذكره هذا الأخير في كتابه الفتوحات (28)، وهذا (المسجد الأزهر) يحتفظ إلى الآن بكرسي علم حبست عليه أوقاف ثرية...
إن الحديث عن «رواق المغاربة» يعني إثارة الحديث الطويل العريض عن تهافت المغاربة على مصر منذ اقدم العصور وحتى يومنا هذا ... ويعني البحث في بطون الرحلات المغربية التي لم يتردد أصحابها في كتابة مذكراتهم عن مصر، وبخاصة الأزهر الشريف وعلى الخصوص رواق المغاربة ... يعني البحث في كتب تاريخ مصر وخطط مصر القديم منها والحديث للوقوف على ما كان يؤديه هذا الرواق من خدمات جلى... يعني البحث في وثائق المحاكم الشرعية التي كانت بمثابة محاضر تتبع وجود المغاربة ووضعيتهم وواقعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ... بعني البحث في حجج الوقف ويا ما أكثرها! مما ينص فيه على مدى تغلغل المغاربة                  
في مختلف مناحي المجتمع المصري قبل وبعد العصر العثماني.
وأخيرا فإن الحديث عن (رواق المغاربة) يعني البحث المتوالي في الفترة التي استهدفت فيها مصر للغزو الاستعماري من قبل نابوليون، فهناك في المصادر الأجنبية ترديد لصدى رواق المغاربة وتصوير لتحركه لمناهضة الاحتلال الأجنبي لديار مصر.
وهناك في تاريخ المغرب الدولي ترديد لصدى استجابة المغرب أيام السلطان مولاي سليمان لصرخات مصر،  لصرخات الأزهر،  لصرخات الرواق. حيث وجدنا المناضل المغربي إلى جانب المواطن المصري يدافع من أجل تحرير مصر من الهيمنة الأجنبية هناك حيث كان المغربي يشعر وكأنه يدافع عن حاضـرة حواضره أو قاعدة من قواعده ... لقد كان لهذا الرواق الفضل في بقاء المغاربة على صلة بمصر وله يديـن المغاربة عندمـا يقرأون في حوليات التاريخ المصري سواء اكتبت باللغـة العربية أو القبطيـة أو التركيـة عن رجال المغرب وأقطابـه من الذيـن نمـا عطاؤهم وعـلا صيتهم عبر هـذا الرواق الذي يظل البرور به طوقـا في أعناق المغاربة والمصريين قمـة وقاعدة.

(1)  د. عبد الهادي التازي: بلاد الشام في الوثائـق الدبلوماسية، تاريخ الشام، الجامعة الأردنية 1974، ص 431.
(2)  لابد أن نربط بين وجود هوارة في أخميم ووجود أحـد أهل مكناسة في (إسنـا) التي لا بتعد كثير عن أخميم...
 (الرحلة: 1ر 103ـ108ـ 2 ر 253 الحسن الوزان، وصف إفريقيا، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميـة 1319، ص 612 ـ 613 ـ 716
(3)  د. السيد عبد العزيز السالم، تاريخ الإسكندرية وحضارتها، دار المعارف 1969، ص 769، د. التازي، المغرب يساعد مصـر على فتح قبوس ، العلم الثقافي 21 مارس 1975.
(4)  كتاب الخطط التوفيقيـة لمصر ، القاهرة ومدنهـا وبلادها القديمة والشهيرة ، الجزء الرابع، الطبعـة الأولى، المطبعة الكبرى الأميرية بولاق مصر المحمية سنة 1305 ، ص 22.
(5)  السنارية، نسبة إلى سنار مدينة كبرى بالسودان حتى لكانت فكرة لتسمية جمهورية السودان بالجمهورية السنارية.
(6)  الرواق يتألف من خمس بلاطات كل منها من اثني عشر مترا على أربعة تقريبا، فتكون مساحته كلها أربعين ومائتي متر.
(7)  محمد عبد الله عنان، تاريخ الجامع الأزهر، طبعة ثانية  1958، ص 143 .
(8)  هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن سليمان، ولد بغرناطة وحل إلى المشرق ومات بدمشق. من مؤلفاته: (تحفة الألباب) نشره المستشرق الفرنسي كابرييل فيران في المجلة الأسيوية، المجلد 267 ص1 - 148.
(9)  ابن زيدان: إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس، طبعة الرباط 1350. 3 ر، 356.
(10)  معرض درا الكتب، الهيأة المصرية العامـة للكتابة، إعداد: عبد المنعم محمد موسى، مدثر عام دار الكتب.
(11)  الجبرتي عجائب الآثار، ر 204.
(12)  نسبة إلى سيدي علي الجمال المترجم في (سلوة الأنفاس) للكتاني 1 ر.
(13)  354 الفقرات، د. مجاهد توفيق الجندي، الأزهر ورحلة ألف عام ... المعمور 15 مارس 1983. ==
(14)  يوجد إلى اليوم بيت ينسب للسحيمي ويعتبر من المعالم الأثرية التي تستحق الزيارة في القاهرة، يقع البيت رقم 19 في ممر متفرع عن شارع المعز لدين الله، كان في البداية ملكا للشيخ عبد الوهاب الطبلاوي عام 1058، ثم وسع من لدن الحاج اسماعيل شلبي عام 111 هـ وسار إلى آل السحيمي، وكان آخر من تصرف فيه محمد أمين السحيمي بتاريخ 1325 ...
(15)  الكتاني: سروة الأنفاس ر 158 ـ 160 ـ 161.
(16)  الجبرتي: ر151-152.
(17)  توجد المخطوطة اليوم بخزانة جامع القرويين من فاس تحت رقم 1256. وقد نشر القسم الخامس منها بليبيا تحت عنوان «أمير مغربي في طرابلس أو ليبيا» من خلال رحلة الوزير الإسحاقي ... مطبعة فضالة المحمدية المغرب 1976.
(18)  لقب بذلك لأنه كان يعطي دروسا بجامع إسكندر باشا بباب الخرق.
(19)  ورقة 157 من مخطوطة الإسحاقي ...
(20)  كان يروى أن «القهوة» تحدث للإنسان عند شربها غول على نحو ما هو في الخمور...
(21)  كان مما حكاه الإسحاقي نقلا عن الشيخ الضرير أن مغربيا تزوج بمصر وكان عليه أن يتبع عادة أهل البلاد، حيث كان على العريس هناك أن يحمل عروسته مارا بها لخذرها وهو ينشر على أصدقائه الدراهم ليشغلهم، فتزوج ذلك المغربي بسيدة كانت بدينة بينما كان هو نحيل الجسم، فحار في أمره وكان عليه أن يؤدي مبلغا مهما من المال هدية !
(22)  الدكتور التازي: رسائل مخزنية، مطبعة أكدال، الرباط 1979 ص 43.
(23)  الجبرتي: 1 ر 289 ـ السلوة 1 ر 134.
(24)  الجبرتي 1 ر 193 -194 عنان 145.
(25)  نسبة إلى تاودة بالصحراء بين السذنغال والمغرب، وكان الشيخ عبد الله التاودي من رجال الفكر والعلم والفضل، وما يزال ضريحه شاخصا عند الخروج من باب عجيمة الذي فتح على قصر الجامعي، وقد رممه السلطان سيدي محمد بن عبد الله، ومن المعروف أن عبد الله الملقب بالتاودي كان يكثر من زيارة ضريح يسميه سيدي عبد الله السلوة، 3 (///////) 2427 ـ الكتاني: السلوة 1 ر العفاجي 1 ر 79 عنان 149.
(26)  عبد الهادي التازي تاريخ جامع القرويين: المسجد الجامعة بمدينة فاس المطبعة للكتب للبناني ببيروت 1972.
(27)  الجبرتي: ج 111 138 ـ عبد الرحيم: المغاربة بمصر 55-56.
(28)  الفتوحات المكية، طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب 1401 -1961 ج 7، التازي: تاريخ جامع القرويين ص 654.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here