islamaumaroc

علال الفاسي، طالبا، معلما، زعيما.

  محمد ابن تاويت

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

أتى إلى مدرسة العاطارين، زائرا لأخي في بيته، يحمل بيده كتابا، وما استقر في جلوسه، حتى شرع في تلاوة هذا الكتاب. وكان آنذاك في مقتبل الشباب، قد نبت عذراه ، وطر شاربه الخفيف، حليق الرأس، لا يغطيه الا «قب جلابته » حيث كان هذا الغطاء لازما للطالب لازبا، وإلا تعرض للنقد اللاذع، وظنت به ظنون النطاعة واللطاعة، والانحراف و«السلكطـة».. نحيف الجسم نحيل البنية ، على سيمة من الوقار، لا ضحك ولا حتى ابتسام ، ولا نزق في تصرف، ولاطيش في حركة .
طالبا كان ، يحضر مجالس الكبار من العلماء والطلبة، فكان من الأول، مثل مولاي عبد الله الفضيلي، ومولاي أحمد البليغتي، وسيدي أحمد بن الراضي السناني، مثل أخي المذكور، والسي بوشتا الجامعي .
لم يكن ذلك الكتاب إلا مجموعا من أشعار العراقيين المعاصرين. ولعله كان لمؤلف مسيحي من العرق انطلق سيدي علال في تلاوة تلك الأشعار والقصائد في حلاوة سرد وطلاقة وقراءة فكنت من إعجابي بصاحبها أقول في نفسي متى أكون مثل هذا؟
وانتهت القراءة ولعله سأل عني أو سأله أخي في شأني، فأشار بتحفيظي للأشعار. من هذا الصنف وترك المجموع لهذا الصدد الذي صادف في قلبي حبا تداعبه الأحلام وتحفزه العزائم وتشرئب إليه الهمم فاختيرت لي منه قصائد أذكر بعضها لأصحابها وأقتصر في بعضها الآخر على نصها. فكان من أولئك عبد المحسن الكاظمي. بداليته الطنانة التي مازلت اذكر منها:
سيــروا بنــا عنقــــا وشــدا            سيــري بنـا ممــى  ومغـــدى
سيـروا  فيــرادى  أو  ثنـــــى         والجمـــع  للغايــات  أجـــدى
لا يقعــــدن بعــــــــزمنا               يومــا يرينــا الهـــزل  جــدا
ولئــن تخلــــف مـــن تخــ             ــف واستحــال القـــرب بعـدا
فالسيــف يقطــع في يـــــدي           بطـــل وإن شكــل الفــــرندا
سيـــروا نؤلـــف  شملهــــا            ونعيــدها عقـــدا  فعقـــــدا
وإن كــان حــرب فابتنـــــوا           لي فــي  بطـون  الصبــر لحـدا
أو كــان سلــم  فاجعلــــــوا            ذاك الثــرى عينـــا وخــــدا

تاللـه  لا  أرضى  الحـــيـــــا         ة  لديهــا الحـســـــف   وردا
أيــروق  لي  عيــــــش  أرى         فيــه الكريـــم الحــر عبـــدا
وإذا نظـــرت إلـى الهــــــوا          ن رأيت  طعــم المـوت  شهـــدا
إن لــم تكــن تجـــدي  الحيــا         ة بعــزها فالمــــوت أجـــدى
أنا لـــم أكـــن للمجــــد إن             لــم أبتني للمجــــد  مجــــدا
نفسي ومـــا ملكـــت يــــدي          لك يــا حبيـــب النفـــس تهدى
أوطاننـــــا  أرواحنـــــــا              بــل إنمــا بالــــروح تفــدى
أو يستعــــاض  بنـــــــدها            مــــن  ذا  رأى  للــــروح ندا
أبـــدا نطالـــب بالحقـــــو             ق حقوقنـــــا أو  تستـــــردا
أبـــدا نــــذب عنـــن الحمى          ونـــرد عنهـــا المستبـــــدا
سيـــروا نذهـــب عــن الحمى       ونصــــد عنـــا المستبــــدا
نحمـــي حمــى  أوطاننـــــا          ونصونهـــا غـــورا ونجـــدا
أبــدا  نجاهــــد  دونهـــــا            ونكافــح الخصــم الألــــــدا
ونــرد عنهــا مـــن عنـــدا            ظلمـــا عليهـــا أو تعــــدى

لقد كانت هذه القصيـدة الثأرية قد شبت في نفسي وتأججت نيرانها في خلـدي، وتمثل لي عبدالمحسن الكاظمي شعلـة مقدسـة مقتدة لا تقوى على إطفاء أوارها الرياح الهـوج، ولا تنال من لهيبها مطافئ الدنيا بأجمعها، فكنت لا أذكر عبد المحسن إلا تمثلته بتلك الصفة. شهابا يرجـم الشياطين رصدا، وما قرأت قصيدته إلا وشعـرت بنفسي تتدفق تدفـق السيول العرمة، فشعـر الحماس العراقي كله هذه القصيدة جمعته فأوعت وشعراء العراق بوطنيتهم كلهم في جوف عبد المحسن الكاظمي، وحيا الله كاظمه الفداء ...
وحسبت أن شعـر عبـد المحسن كله يحمل هذه الشحنة من الطاقات المتفجرة. وما شعرت فيه بشئ من الفتور إلا حينما قرأت قصيدته الطويلة في رثاء سعد زغلول. فقد راودت نفسي عليها، فما كانت تستجيب لي. وهي همزية مطلعها.

يـا  أم  سعـــــد  عـــــزاءا        ثكلـــت ذلـــــك العــــــلاءا
ثكلـــت موســـاك والطـــــو      ر واليـــــــد البيضـــــــاءا
ثكلـــت أبــــهى تعـــــالى        ......   .......  .......
واستمر هكذا مخاطبا مصر وقرأتها على زميلي السيد عبد الكريم العراقي فعلق عليها «الله يشتت شملها» كلمة استحملتها فما استطاعت مثلها، تعلقا بصاحبها الذي صادف قلبا خاليا فتمكن منه بالرغم من شعوري الكمين فيها وإلى جانب تلك القصيدة الثأرية ما زلت أذكر أبياتا من أخرى لمن هي ومطلعها:

علمــونا أن الحيــــاة جهــــاد        علمـــونا أن الجهـــاد وجــــوب
علمونــا أن الحيــــاة  ممـــات        للــذي حقـــه بهـــا مغصـــوب
علمـــونا أن الخيانـــــة والغيـ        ـبة والغـــدر والنفـــاق عيـــوب
علمــونا أن ابـــن آدم فيـــــه         قــوة  تنجلي لدكهـــــا الغيـــوب
علمونــا أن الطبيعــــة  فيهـــا        كـــل شئ تهـــواه منــا القلــوب
علمـــونا حــق الحيـاة  لنحـــيا       ......   .......  .......
                                   
تلاميذ أذكر منها هذه الأبيات:

أنتــم متعتــــم بالســــــؤدد              يا شبـــاب اليـــوم أشيـــاخ الغـد
يا شبــاب  درســـوا فاجتهـــدوا        لينالــوا غايـــــة  المجتهـــــد
وعــد الله بكـــم  أوطانكـــــم           ولـقـــد أن  نجــــاز الوعــــد
أنتــم جيـــل جـــديد خلقـــوا           لعصـــور مقبـــلات جــــــدد
لتكــن آمالكـــــم واضعــــة            نصــب عينيهــــا حيــاة الأبـــد
لتكـــن أفكاركـــم مبدعـــــة            دأبهــا إيجـــاد مـــا لـــم تجـد
الوفــا حفظكــــم أو رعيكــــم         بعـــد عهـــد الله عهــد  البلـــد
لا تمـــدوها يــــدا  واهيــــة           ليــد مفرغــــة في الــــــزرد
كونــوا  الوحــــدة لا نفسخـــها       نــزعات  الــــرأي  والمعتقــــد
أنـــا  بايعـــت  على  أن  لا أرى     فرقـــة  هاكــم  على  هــذا   يـدي
عقــد  العالــم  شتى  فاحصـــروا    همكــم  في  حـــل  تـلك  العقـــد

كان سيدي علال في مرحلة الطلب، قد يدأ يقرض الشعر من هذا النوع، وكأنه كان متأثرا بتلك الأشعار العراقية  المعاصرة فوجدناه في بعض قصائده يضمن منها أبياتا أذكر منها هذا البيت:

أنــا  بايعـت  على  أن  لا  أرى        فــرقة هاكــم على هـــذا  يـــدي

وجاءت محنـة الظهير البربري وانفجـرت الطاقات الوطنية ودوت صواعق البغي والفتك وجلد الشباب الناهض وسيق أرتالا إلى  السجون ونال من ذلك حظه. يتجاوب مـع سياط الباشا بوشتا.
ومضت بضع سنوات كان سيدي علال قد شرع يلقن الشباب دروسه التي تطوع بإلقائها. ما بين العشاءين بالقرويين. فكان منها ما طبع ونشـر على الطلبة الراغبين الذين لم يبخلوا  بفرنك أو فرنكين، على اقتناء ذلك الدرس في بعض المخلفين من الأعراب وربما كان سيدي علال،  قد بدأ كذلك يعلم في إحدى المدارس الحرة التي كان لها الفضل الأكبر في تنشئة هـذه النابتة المباركة وإن كنت غير متأكد من تعليمه بتلك المدارس. التي ما كانت بعيدة عن إشرافه. إشرافا ما ...
وهكذا تجرد سيدي علال لتربية الناشئة ولم تعد اتصالاته قاصرة على الزملاء في الدراسة من مثل بوشتا الجامعي، الذي كان يطارحه الشعر أحيانا، من ذلك أن سيدي علال نظر إلى الطلبة «المدارسية» وهم يهرعون في القرويين وبيدهم مفاتح بيوتهم، فقال:
 ســلاح المـــدارس مفاتحهــــا
فتتم بوشتا إلي البيت بقوله:
 فإن المفاتيــح نعـــــم الســــلاح

كان سيدي علال يحاول أن يكـون مقتديا بشمائل الرسول، ليكون هـو قدوة صالحـة للناس،  عامـة والشباب خاصة. فمن ذلك أنـه صار في مشيته. كأنما ينحط مـن صبب، عملا بما جاء في السيرة. من وصف مشي الرسول عليه السلام.
وكان أصحابه وأتباعه يقلدونه في ذلك وآخرهم ـ فيما أدركنـا ـ كان سيدي إبراهيم التازي، بعدمـا أفرج عنه مـن سجن عين قادوس، فلزم سكنى فاس. بجوار سويقـة بن صافي ولازم من يومها سيدي علال ملازمـة الظل لصاحبه،  وقلـده ذلك التقليد .
وبالجملة فإن السلفية كانت قائمة عليها الريادة الوطنية وتربية الناشئة تربية إسلاميـة فأصبحت بذلك تستقطب حتى الكهـول والشيوخ، متعلمين وغير متعلمـين حولها، وجميعهم معتزون يدينهم فخورون بتراثهم. متشبثون بكـل ما تدعو إليه هذه الزعامة الدينية لدرجة 
المقاطعة لكل إنتاج غير وطني. فالشاي استغنى عنـه بمجرد النعناع والسكر استبدل به العسل. والأقمشة على اختلافها صار الاقتصار على ما تنتجه المصانـع المغربية اليـدوية البدائية بل الأواني والأدوات التي كانت تتوفـر عليها البلاد في فاس وتطوان .
لقد رجعت من قضاء عطلة بتطوان إلى فاس،  لابسـا جلابة من «الشركاء» فالتقيت بسيدي إبراهيم التازي مصاحبا لسيدي الهاشمي الفيلالي. فقال لي الأول، ما هـذه الجلابة؟ وخجلت فقلـت إنها بالية (وفعلا كانت كذلك أعيد تفصيلها،  مـن أخرى، كانت أكبر منها. وخيطت بعد ذلك) فقبل سيدي الهاشمي العذر، وقال: إن كان هكذا، فلا بأس وسرى عني بهـذا.
وتعددت اللقاءات والاجتماعات، واستغلـت كل المناسبات وكان مـن ذلك إقامة حفل تأبيني للشاعر أحمد شوقي رحمه الله. فكان مسرح أو سينما باب بوجلود المكان الذي  سينعقد به هذا الحفل والذي سيشارك فيه الوطنيون بخطبهم وقصائدهم منتهزين هـذا لصالح الفكرة الوطنيـة والعمل الإصلاحي الذي كانوا يضطلعون بأعبائه، في قوة وفي دأب،  لا يعتريه الملل أو الفتور واللغوب.
ولأول مرة يجتمع فيـه الوطنيون على هذا الصعيد بالفرنسيين وحكامهم العسكريين، حيث كان هؤلاء على معـرفة بشعر هذا الأمير، أمير الشعراء في بلاد الكنانة. بل العروبة عامة. لا مصر خاصة. ولربما كان بعضهم على معرفة به شخصيا منذ تلقية دراسته بفرنسا أو اتصاله برجالها عـن كثب أثناء الحرب العظمى،  وهـو في منفاه باسبانيا.
ومهما يكن فقد ألقيت الكلمات بالعربية من المغاربة وبالفرنسية من أولئك الفرنسيين. كما ألقيت القصائد الطوال التي كان منها لسيدي علال على ما أظن فكان الشباب ينصت إلى هذا بكليته. من الإنصات والاستيعاب فكنت ضمنهم أنصت إلى القري رحمه الله  وهو ينشد قصيدته التي استبردتها في مطلعها, وطريقة إنشادها.
شــوقي  ومـا  أدراك  مـا  شـوقي        شـوقي  أمير الغــرب  والشــرق
وسرعـان ما اشتـدت الوشائج بين طلبـة الشمال الإفريقي وصارت مؤامراتهم تنعقد بـه،  أذكر منها ما عقـد بفاس في الثلاثينات، كان مـن التونسيين، فيها شخصيـة بارزة استحوذت على الحضور،  ومـن المغاربة وعلى رأسهم كان سيدي علال والشيخ المكي الناصري كان هـذا الحفل، قد أقيم بأحد الرياض إلى جـوار درب بوحاج، من الطالعة الصغرى، فخاطب الخطباء الذين كانت تتوجه إليهم الأسماع وتتعلق بهم الأفئدة مـن الحضور، فكان منهم المرحوم البريهي، الذي وضع عـوده مـن يده، وتلاه جماعته، متفرعين للإنصات والبريهي قـد فغر فـاه إعجابا بالخطب التي أخذ بها وإن لـم يكن يفهمها ولا كانت شيخوخته الهرمـة تسمـح لسمعـه بتتبعها.
وقامت الحرب الإسبانية وانقطعت الصلات بين المنطقتين واضطررت لمغادرة فاس والعودة إلى تطوان، ورافقني الصديق الشاب الحرايشي المجادلي إلى دار سيدي عـلال لأودعه. ليلة سفري هذا. فزودني بنصائحه ودعا بالسلامة كمـا هي العادة.
وامتطيت القطـار بعدما أذن لي من قبل إدارة الجنرال بحمل كتبي التي سلمت بها قائمـة، ترجمت في الحين بالفرنسية ... فوصلت فجرا إلى القصر الكبير. وحجـزت مني الكتب، حتى الصباح. فتفحص من قبل الترجمان الإسباني الذي كان يحسن العربي جيدا كما كان لبقا، وإن سمع مني سخرية به، لأول مروره علينا، ونحن في الانتظار ولم أكن أعلم أنه يحسن العربية ففوجئت وتوجست شرا منه.
صار يفهمني أهـداف هذا الانقلاب. وأنه لردء الخطر الشيوعي الذي سيقضي على الوطنية (كذا) والدين عامة ...
كان الفرنسيون على طرفي نقيض مع الإسبان لـدركهم خطورة الموقف الذي كان يرقص فيه العفريت الألماني والقرد الإيطالي. وكـأن هـذه الأزمة.                             
بعضهما عن بعض إثر انفصال آخـر،  وقـع بتطوان بين الصديقين الطريس والناصري ونجا هذه المرة الـوزاني التازي إلى تطوان.
وما وضعـت الحرب أوزارها حتى كـان شباب الوطنية يطالبـون ـ وجلهم مـن تلاميذه ـ بعـودة زعيمهم مـن المنفى السحيق وألفت في القاهرة جبهـة المغرب العربي، التي كـان على رأسها الزعيم الحبيب بورقيبة، ويمثل الجـزائر الشهيد المكي ، ويمثل المغرب زميلـه في الشهـادة والمطالبـة امحمد بن عبود.
وبمساعدة الجامعة العربية التي كان يترأسها عبد الرحمن عزام رحمه الله أصبح الشمال الإفريقي يسمع صوته في المحافل الدولية. وفسح له المجال في التحركات الوثابة والجولات الخطيرة.
وفي هذا الظرف سمح لسيدي علال بالعودة إلى وطنه الذي لم يستقر به حتى غادره متوجها إلى القاهرة، حيث كان على موعد مع الأحداث الكبار، التي شاهد العالم منها. خلاص الأمير محمد بن عبد الكريم، وانعتاقه من قبضة فرنسا، والتجائه إلى مصر. حين كان المخاض على أشده. وكان زعماء المغرب مجتمعين على محور واحد، لا فرق بين الطريس وعلال وأصحابهما ولا بين بورقية وأتباعه وكان المكي وحده الممثل للجزائر التي كان تحررها بعد سابع المستحيلات. آنذاك وإن كان من رجالها مثل الدكتور بومدين الشافعي والفضيل الورتلاني والطالب الأزهري إلى الصديق، لكن هؤلاء كانوا في واد وكان المكي في واد...
كان سيدي علال يشعر بشئ من الانزواء أو مـن عدم الانسجام لأن عشر سنوات من المنفى كان لها الأثر السلبي بين هؤلاء الزملاء الفرقاء. فكنا نزوره فنكتفي بهذه الزيارة لرجل عظيم. كما كنا نكتفي في زيارة الأمير عبد الكريم بالالتقاء مع رجل عظيم ...
ولكن العظمة الآن كانت ساهمة متفكرة أكثر مما كانت ناطقة عاملة. وكانت الانتقادات تتوجه من جانب لآخر ولا يدرك لها هدفا واضحا والكتلة المتحركة. التي منها «الدرهم» كما كان يقول الزعيم بورقيبة وهو يحتد في لهجته مخاطبا عبد الرحمن عزام (خصنا الدراهم).
كان سيدي علال، على حالة من الرهف في الحسن. جعلته يأخذ أصحابه وأصدقاءه بما يعتقده تقصيرا منهم في حقه. وإن لم يكونوا بذاك. في قرارة أنفسهم. وكانت ساحتهم على براءة ونقاء وحسن نية وطوية.
من ذلك أني تزوجت واستدعيت زملائي لحفل الزفاف ولم يدر بخلدي أني أصعد لاستدعاء سيدي علال. وكان ذلك غفلة مني وبعد أيام التقيت مع سيدي علال فبادرني بقوله، سمعت أنك احتفلت بزفافك، نعم فقال، واستدعيت الناس ولم تستدعيني فقلت، ما ظننت أني سأرقى إلى هذا الشرف، فاحتد قائلا «اخلاص علي من بخل التطوانيين» ...
لقد كنت صادقا في اعتذاري ولكن سيدي علال لم يقبل هذا واشتد في غضبه وكان علي أن أدرك ذلك الإرهاف الذي كان قد انتهى بحسه إلى هذه الدرجة التي ما كنا نقدرها قدرهـا.
ومن ذلك اعتزازه الشديد بنفسه وبمقوماته القومية. فكان هذا مما يزيد في عزلته المختارة. فكنا في مصر يصدق علينا المثل العربي «من دخل ظفار حمر» وبذلك كنا نتحدث باللهجة المصرية حتى مع بعضنا البعض. تلقائيا بدون كلفة أو تكلف أما سيدي علال فقد أصر كل الإصرار على التكلم باللهجة المغربية, وامتنع كل الامتناع أن يجاري غيره في غيرها. قائلا: إن من أراد أن يحدثني فليحدثني بلغتي المغربية. أما أن أحدثه أنا بغيرها. فلا أنزل إلى هذا المستوى ...
ثم عاد سيدي علال إلى المغرب، وعاد عبد الخالق الطريس واستقرا معا في طنجة،  حيث كانت لذلك العهد. قد تواطأت فرنسا واسبانيا على تضييق الخناق تجاه الوطنية ورجالها. وكيف لا ومحمد الخامس يعلن في خطابه التاريخي انضواء المغرب تحت راية العروبة ويشيد بجامعتها وخليفته بتطوان يوجه وفده إلى القاهرة 
للمساهمة في جلساتها مساهمـة كان لها ما بعدها وعجلت بالاستقلال ...
لقد عدت بعدهما إلى المغرب سنة تسع وأربعين، ورست بي الباخرة في طنجة حيث اجتمعت مع المرحوم الطريس. وعدت سيدي عـلال الذي كان طريح الفراش في بيته رحمه الله ونصحني الطريس بالعودة على عقبي بعدما كان بمصر يشجعني على العودة للوطن ...
وشاء الله أن يوقع الاستعمار في مقبرته الأخيرة فتقدم فرنسا إقدامها الرعن،  وتجرؤ على نفي سيد البلاد وملكها المفـدى،  ومن رعونتها عدم إشراك اسبانيا في جريمتها ولو بالاستشارة معها،  فاعتبرت اسبانيا هذا التصرف مهينا لكرامتها. وغضبت لذلك غضبتها الكبرى،  وحـاولت فرنسا أن تركب رأسها فنفت من الطنجيين وفتكت بالفدائيين ثم حاولت أن تحاكم الزعماء بها محاكمة أرادتها واردا الله غيرها فاستدعي سيدي عـلال والشيخ المكي الناصري الذي رفض المحاماة عنه بغيره.
وكانت الانتفاضة العارمة وكانت الفدائية المثلى. والجهاد المقدس ثم عودة الملك وبيده وثيقة الاستقلال ومشعل التحرير. وتنفس الزعماء وعلال الصعداء ولم يرد أن يخلد إلى هذه الزعامة وحدها بل وجدناه يدلي بدلوه في شتى الميادين فهو يساهم في إعداد المدونة المغربية الجديدة، ويكون المقرر في جماعتها وهو يلقي دروسه في كلية الحقوق بالرباط. ثم لا يعتذر من القيام بأعمال أخرى حينما تناط به.
وفي أواخـر الستينات طلبت الإذاعة منا، سيدي علال والعبـد الضعيف أن نـتولى إعداد أحاديث حول «اللغة والقوميـة العربية» لتلقى على أمـواج الأثير، وكان ذلك كما يبدو بإيعاز من المدير الدكتور المنجرة.
وأسس مجلس الدستور وفي رمضان دعينا إلى جلسة فامتطينا القطار الذي كان لنا مجانبا وأخذنا طريقنا إلى الرباط ولما انتهينا إلى سوق الأربعاء خرج أحدنا ليسأل عن أذان المغرب، ولم يلبث أن عاد إلينا ينتحب بكاء وشهيقا فقلنا مالك؟ أجـاب سمعت بوفاة الملك محمد الخامس فقلنا له تريث حتى نتأكد من الحقيقة فاستمر رحمه الله في شهيقه وعويله.
ولما وصلنا إلى الربـاط وجدنا المدينة وما فيها في هول عظيمة الإضاءة ضعيفة. والناس في ذهول والمتاجر مقفلة .... وترددنا على المطاعم ونحـن على صيامنا فما طعمنــا. والمقاهي قد لبست الحداد. وغلقت أبوابها،  والسويقة وحدها وجدنا بها دكان لبان أصبنا من خبزه ولبنه وقبالتـه نجار منهمك في إعداد ما يتطلبه اليوم التالي العصيب ...
وفي صبحه توجهنا إلى بناية المجلس فوجـدنا  سيدي علال والسيد الرئيس مسعود الشيكر وعلى تبادلنا للتعازي في فقيد الأمة هرعنا ومعنا رابع إلى القصر الملكي لنعرب عـن حزننا الرفين فسجلنا ذلك في دفتر التعزية كلمة كتبها سيدي علال، ثـم وقعناها جميعا.
وأحدثت وزارة الشؤون الإسلامية التي تولاها سيـدي علال لأول ما تولى واستدعاني إليه عارضا علي العمل العلمي بهـا، فاعتـذرت ببصري الذي فقدت منـه الكثير، فأسف لهذا وودعته شاكرا، وأتبعني بترديد «لا إله إلا الله » ... كأنـه يتذكر ما يعتـري الإنسان مـن بلاء في هذه الدار (دراهم وغم وبلاء، كما في الحديث).
ومضت بعدها السنون وتوفي سيدي عـلال، وهو خارج وطنه يعمل من أجله والرفع من كلمته متفانيا في رسالته فخففت إلى الرباط حيث توجهت إلى الدار التي وجدت بها السادة، ابن عبد الجليل والهاشمي الفيلالي وعبد الكريم غلاب، فقال لي الأستاذ غلاب أن آخر كلمة سمعناها منه ونحن نودعه ليمتطي الطائرة هي «اتصلوا بمحمد بن تاويت» فاغرورقت عيني ورددت كلمة «لا إلة إلا الله» ثم سألت عن مقتضى هذه الكلمة الغالية فقال: إنه كان يعد العدة لذكرى الإمام البخاري، فاقترح أن تكون ضمن المساهمين فيها ...
حينئذ حكيت له ما كان منه إزائي، في تلك التنشئة الأدبية المبكرة، فابتسم السي عبد الكريم، ولم يعلق عليها ببنت شفة نعم هكذا عرفت سيدي علال.
رحم الله سيدي علال كان رجلا ولا كالرجال، وكان قدوة للأجيال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here