islamaumaroc

الصفوة والطبقة

  إبراهيم دسوقي أباظة

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

هل يظــل الإنسان موصوما بواقعه الطبقي... فلا ينسلخ هــذا الواقع من الميلاد إلى الموت.
إن في تحليل المراكسيـة وتطبيقاتهم  ما ينبيء بذلك... بل وأكثر من ذلك فهم يعتبرون أن الواقــع الطبقي للإنسان لا مفر مـن احتمالـه... ولا جـدوى مـن الهـروب منه إلا بعمليات تنكر آلية تفرضهــا تعاليم مذهبم.
أما إذا ظـل الإنسان بعيدا عن هــذه التعاليم... أو رافضــا لها فإن سماته الطبقية من مفاهيم وسلوك ستظل عالقة بأعماله لاحقة بشخصه إلى أن يعترف يومــا بالماركسية أو يكره على الاعتراف بها في مجتمع يأخـذ بتعاليمها ويفرضها قرا على أعضاءه.
والمتابـع للماركسية ... من النظرية إلى التطبيق لا يعدم إلا مثلـه على ذلك فالنظرية تلخـص تاريـخ الإنسانية في صراع طبقي جرى ويجري منــذ الأزل وتحـدد مراحـل التطور الاجتمـاعي بذلك الصراع الطبقي.
والماركسية تبني التصنيف الطبقي على أساس مادي إذ تعتبر أن الطبقة المستغــلة في كل عصر... هي الطبقة التي تمسك بمقاليد الإنتاج.
فهـؤلاء الذين يملكون وسائل الإنتاج الماديـة في المجتمع يشكلون طبقة متميزة عن غيرها من الطبقات. وهذه الطبقة بالضرورة هي الطبقة المستغلة!!
كيف ذلك ؟
لزيـادة الإيضاح يقول ماركس... أن أساليب الإنتاج ذاتها تخلق علاقات إنتاج جديدة بين أصحاب وسائل الإنتـاج (المستغلين) والذين يقومون بأعباء الإنتاج (المستغلين) وهذه العلاقات تنشيء أنماطــا من السلوك وطرقــا من التفكير تحدد الوعي الطبقـي عند هؤلاء  وألئك...
الطبقية إذن ترتبــط بنوع الآلـة وشخصية مالكها، الطاحونــة كانت مملوكة للسيد الإقطاعي..  وكانت إدراتها موكولة للعبيد... لذلك كان مجتمع العصور الوسطـى مقسما إلى طبقة الإقطاعيين المستغلين وطبقة العبيد وخــدام الأرض المستغلين.
الآلـة البخارية مملـوكة (للبورجوازي) ... وإدارتها موكـولة للعمـال «البروليتاريا»... لذلك يتكون مجتمـع اليـوم مـن طبقة البرجوازيين الصناعيين المستغلين وطبقـة العمـال « البرولتاريا» الكادحين المستغلين.
ويحق لنــا وفقا لهذا المنطق العجيب أن نتساءل عن كيفية تصنيف مجتمع اليوم في أوربا وأمريكا حيث تبدل نوع الآلـة وتغير أسلوب الإنتاج... مرات ومرات فقفزنــا من ثورة صناعية إلى ثورة صناعية دون أن يصحب ذلك أي تغيير طبقي جذري كما أكـد ماركس... فلا زالت 
«البورجوازية» هي «الطبقة» المسيطرة في أوربا وأمريكـا منذ اختراع الآلـة البخارية وحتى اختراع الآلـة الذرية!!
لقد مـر المجتمع الغربي بثورات تكنولوجيـة عديدة نالت ولا شك من تركيبه وأثرت في تكوينه، ولكن هــذا  النيــل والتأثير ليس في الاتجاه الماركسي... إنمــا في اتجاهات أخرى جديدة... لم يتنبأ بها ماركس... ولم يتخيلها في أي من كتاباته...
لقد وقعت ثـورة تكنولوجية في الغرب باكتشاف الكهرباء..
ووقعت ثورة تكنولوجية أخرى باكتشاف البترول واستخدامــه على نطاق واسع..
ووقعت ثورة تكنولوجية ثالثة باكتشـاف الذرة وتفجيرها...
ووقعـت ثـورة تكنولوجيـة رابعـة باكتشــاف الالكترونات واستخدامهــا في كل مجالات الصناعة...
ومع كل ثــورة تبدل نوع الآلـة المستخدمة... وتبدلت أساليب الإنتاج... بل وتبدل الهيكل الكلي للإنتاج في المجتمع الغربي ومع ذلك لم يحـدث تغيير طبقي على الصورة التي توقعهــا ماركس ، بل بقيت ملكية الآلــة الجديدة للطبقة البورجوازي ية، كما في حالة الآلة الكهربائية أو البترولية أو الإلكترونية أو انتقلت إلى الدولة كما في حالة الآلــة الذرية !!!
فكيف إذن نفسـر هذا التغيير بالاستناد إلى مفهوم الطبقة الذي اعتمده ماركس...؟!
وكيف نصنف المجتمعــات الغربية المعاصرة وفقا للمعيــار الطبقي الماركسي؟ !
مثال آخـر يسأل فيه الإنسان نفسه إن كان من الممكن تصنيف المفكر. والعالـم تصنيفا طبقيا وكل منهمـا أداة إنتاج مادية ولا وسيلة إنتاج مادية ؟!
أين موقـع المفكر والعالم الذي لا يملك سوى فكـره أو علمه من الهرم الطبقي الذي شيده ماركس؟!
سؤال سرعـان ما يجيب عليه الماركسة إجابات متخبطـة،  فتارة يعتبـرون المفكر والعالم ملحقين  «بالطبقـة المستغلة» وفي خدمتها طالمــا أن هــذه الطبقة تملك وسائل المعيشة الماديــة، إذ في استطاعتهــا دائما تسخيرهما لخدمـة قضيتها والدفــاع عـن استغلالها، وتارة يعتبـرون المفكـر والعالم مـن الطبقات «المستغلة» تأسيسا على أنهـم يكدحون بجهدهــم الفكري والعلمـي شأنهـم في ذلك شـأن «البروليتاريا» العاملـة، ومن الممكن بالتالي أن يكونــوا موضع استغلال الآخرين، وتارة يقرون أن المفكـر والعالم يشكلون النخبة القياديـة التي ستقود المجتمع من جحيم الاستغــلال«البورجوازي» إلـى جنان التحـرر «الشيوعي»، وأنهم بالتالي يكونون فئـة من نوع خاص... فئـة خارج التصنيفات الطبقية التي تعارفـوا عليها !!
فأيــن وجه الحقيقة من كل ذلك؟ !!
أيــن؟ !! أخرى... إذا ما ركزنــا النظر على مفهوم الطبقة في حـد ذاته باعتبارها حشـد من الأفراد تربطهم مصالــح مشتركة ومفاهيـم مشتركة وتطلعات مشتركة لتبين أنه ليس بالمفهوم المطلق، ولكنه مفهوم شديد النسبة شديـد التجريد... دقيق المراجعــة على الواقــع.
والواقــع أن هـذا التصنيف الجامــد الذي أخذ به ماركــس ومن تبعوه يخرج من الاعتبار الحدود المتحركــة لمفهوم الطبقة الاجتماعية... ويخـرج بالتالي من الاعتبار التداخـل والامـتزاج بين « الطبقات» التي يتركب منها المجتمع الواحـد.
فالإنسان الذي يولـد وينمـو في «طبقة برولتارية» ليس مرتبطا بالضرورة بطبقته... وغير محكــوم عليـه أبد الدهـر أن يظل حبيس هـذه الطبقة... إذ من الممكن أن يقع « تصعيد طبقي» فينتقل «البرولتاري» إلى الطبقة التي تعلـوه في سلم التدرج الطبقي... والشواهـد كثيرة لأفراد بدأوا حياتهم «برولتاريين»  وتحولوا من بعــد إلى «بورجوازيين»، بل ومنهــم من تنكـر بشدة للطبقة التي خرج منها وانسلــخ عنها حتى أصبح ينازعهــا المصالح ويناصبها العداء !!
ومن عجب أن يكون أكثـر الناس غلظة في التعامـل مع الفئات « البرولتارية»  وأشدهــم قسوة على مصالحها في أيامنا هــذه هم هؤلاء الذين خرجوا من صفوف العمــال وأكتــووا بآلامهم.                                                                 
وعلى النقيض من ذلك فإن أبرز المدافعين عن حقوق « البرولتاريا» وأشـد المعبرين عن مصالحهـا ينتمون بالتعريف الماركسي «للطبقة البرولتارية» أو لم يكن كارل ماركس ولينين وغيرهم من أقطاب الحركـة الشيوعية في العالم من أسر برجوازية؟.
وإذا ركزنــا النظر على «طبقة من الطبقات» لوجدنا أن هـذه «الطبقة» لا تتسم باتساق المصالح ولا تتصف بوحـدة الهدف إنما كثيرا ما يقـوم بين أعضائهـا تنافـر في المصالح... وتصادم في الأهــداف، ويكفي مثالا التعارض الذي ينهض من آن لآخـر بين عمال الزراعة وعمال الصناعــة أو بين عمـال الصناعة الفنيين وعمـال الصناعة العاديين ، وهـذا التعارض يصل في حـالات كثيرة إلى درجــات مـن العنف لا تقل عـن التعـارض الذي يمكن أن يقـوم بيـن البرولتاريا والبرجوازيـة.
وأمــام هذا الجمود والغموض ، لذلك المفهوم الأساسي الذي تقوم عليه النظرية الماركسية نطرح التساؤل التالي:
أليس مفهوم الصفوة أقرب إلى الحقيقة الاجتماعية من مفهوم الطبقة؟ .
إن القــول بأن التعارض بين الفئــات والجماعات التي يتشكل منها الجسـد الاجتماعي هو تعارض بين الصفـوة القيادية ايا كانت الطبقـة التي تنتمي إليهـا قول أقرب إلى الحقيقة الاجتماعيـة وأجـدى في تفهمهــا من مفهوم الطبقة...
فالصفـوة وهي الجماعة الموهوبــة بفكرها وطاقاتهــا وقدرتها على الإبـداع مهيأة بطبيعتها للقيــادة الاجتماعية...
وهذه الصفــوة ليست وقفا على طبقة دون طبقة أو فئـة دون فئة... ولا يتركز تحديدهــا على المصالح أو درجـة الثراء، ولكنها تستند إلى الموهبـة الخاصة والكفاءات الذاتية والقـدرة على العطاء لخير المجموع .
والواقــع أن هـذه الصفوة القيادية تتواجـد في كل مجتمع، بل أن الفقرات الهائلة التي حققتهــا البشرية عبر تاريخها  الحافـل بالنضال مردوده إليها.
وهـذا المنظـور الجديد يسمح بتجديد أكثر وضوحــا لمفهوم الصراع الطبقي «الذي اجتهد ماركـس في تقديمه كمحرك للمجتمعات، فهــذا الصراع لم يكن في يوم من الأيام صراع طبقات اجتماعيــة محددة ومتراصــة في مواجهـة بعضها البعض.. ولكنه «صراع صفوة» لا يحركها بالضرورة وعي طبقـي، إنما الذي يدفعهــا ويحرك مسيرتها هو وعي الصفوة بحقيقــة دورها في التغيير الاجتماعي وسعيها الدائب إلى هــذا التغيير».
وإذا كانت الطبقات تعكس أحيانا أبعاد هذا الصراع، فإنها لا تحركـه... ولا تقوده... إنما التحريك والقيادة يكـون من صنع الصفوة ومن تخطيطهــا.
وعلى الرغـم من وضوح مفهوم الصفـوة  وسهولة مراجعته على الواقــع، فإن الماركسة يرفضونه ... ويقاومونه بشدة... وينعتون من ينادي به بكل النعوت، وهــذا أمر طبيعي... لأن في التسليم بهذا المفهوم هــدم النظرية الماركسية وتحطيم لأهــم محاورها وهو الطبقية وما انبنى عليها من نتائــج.
فهل يأتـي يوم يناقـش المراكسـة مفهوم الصفوة بشيء من الموضوعية... قبل أن يتهموا يغرهم بأنه ينطق كفرا !!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here