islamaumaroc

الأسلوب القرآني في الجدل

  محمد العربي الزكاري

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

امتحان الأنبياء:
شاءت قدرة الله القاهرة واقتضت حكمته البالغة أن يتعرض الإسلام منذ انطلاقته الأولى لعداء أهل الكتاب ومن لف لفهم من المشركين والمعاندين حتى لا يشذ عن القاعدة العامة التي واكبت الرسالات السماوية السابقة، فكان اجتياز الأنبياء والمرسلين لهذا الامتحان العصيب من الإرهاصات التي تؤكد صدق رسالته وما جاء به من دين هو آخر الأديان السماوية في انتظار اليوم الموعود!
ولو تدبر الإنسان بعناية ما تعرض له المسلمون الأولون من عنت ولو غاص العقلاء بفكرهم في أعماق الأحداث التي واكبت الدعوة المحمدية، لأدركوا أن الشر دائما بالمرصاد للخير، وأن الباطل متحفز باستمرار للانقضاض على الحق، وأن النصر في نهاية المطاف حليف الخير والحق معا. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)(1).
وأقرب الرسالات السماوية إلى رسالة الإسلام رسالة سيدنا عيسى عليه السلام، فقد تعرضت هي الأخرى للإنكار الصريح والعداء الواضح، وتحمل صاحبها أنواعا وأشكالا من المشاق والأتعاب والعناد والتكذيب، حتى قالت اليهود: ليست النصارى على شيء مما يدل أسطع دليل على أن الضلالة بلغت بالمعاندين حدها الأقصى.

عنـاد متواصـل:
ومن الغريب والعجيب أن الإسلام استهل القرن الخامس عشر من حياته الخالدة بحول الله ولا يزال المعاندون والمتنطعون وخصوم رسالات الله من دعاة التيارات الملحدة وبراذين الشيطان اللعين يناصبونه العداء، ويحاولون بشتى الوسائل تشكيك أتباعه في عقائدهم، ويتفننون في انتحال أساليب إبليسية للانحراف بهم إلى طريق الضلالة وسبل الغواية.
ولو كان هؤلاء على بصيرة من أمرهم، ولو لم يكن إبليس استحوذ على قلوبهم وعقولهم بوساوسه وإغراءاته، لنكصوا على أعقابهم وعادوا إلى صوابهم فأعلنوها سلما عامة مع المسلمين ودخلوا في دين الله أفواجا، إذ يكفيهم في هذا المجال أن هذا العمر الطويل من حياة الإسلام لم تؤثر فيه الزوابع ولم تزحزحه عن مركزه الأعاصير، بل على العكس من ذلك لا يزداد مع الأيام إلا امتدادا وانتشارا وأن أتباعه رغم ما تعرضوا له من مضايقات واضطهادات على مر العصور والأجيال لا تزداد عقيدة الإسلام في قلوبهم إلا رسوخا ومتانة وعمقا.
وإن نحن حاولنا استعراض المواقف العدائية ضد الإسلام والمسلمين وأخضعناها للبحث الدقيق والدراسة المعمقة والتحليل المنهجي لطال بنا لحديث وتشعب الموضوع وربما اتخذه المغرضون والدساسون ميدانا للجدل الفارغ وانتحله المعاندون والملحدون وسيلة جديدة لوصفنا بالتعصب الديني وإحياء النعرات المذهبية.

 موقف عـدائي:
ولكن هذا لا يعفينا من التعرض لموقف عدائي صريح لا يحل لمسلم صادق في إسلامه أن يغض الطرف عنه ويتجاهل أبعاده في الحاضر والمستقبل. فعقيدتنا الإسلامية تلزمنا بهتك الستار عن الحملة الضارية والمنظمة التي يتعرض لها المسلمون في طي الخفاء والتي تمس جوهر عقيدتنا. أما المواقف العدائية الأخرى فهي مكشوفة للعيان وتفصح من تلقاء نفسها عن العداء الواضح الذي تسلكه في كل جهة لها ضلع من قريب أو بعيد في حبك الدسائس وتدبير المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين.

نشرة تبشيرية:
كثيرا ما سمعت بأن بعض الجهات في الخارج تبعث عن طريق البريد بنشرات تبشيرية إلى بعض المسلمين في وطننا المعتز بإسلامه والفخور بإيمان أبنائه، وكم وددت لو وضعت يدي على إحداها لأعالج الموضوع وأنا على بينة مـن الأمر، إلى أن وجـدت في بريدي ظرفا يحمل اسمي الكامل وعنواني المدقق. وقد أتى مـن إرسالية بالسويد توضح هي الأخرى عنوانها بالتفصيل، والظرف يحتوي على نشرة تبشير بالنصرانية وتدعو إلى اعتناق المسيحية بالإضافة قسيمـة إن أعدتها ممـلوءة تصلني نسخة من الإنجيل مجانا، وفي النشـرة كذلك دعوة ملحـة للاستماع إلى إذاعة تبشيرية مـن (مونت كارلو) موضحـة موقعها برسم بياني لالتقاط الإذاعـة. وأغلب الظـن أن اسمي وعنواني مأخوذان من الدليل التليفوني بالمغرب.
أمام هذه الوثيقة التي بين يدي لم يكن بد من أن نناقش أصحابها الحساب الهادئ ونجادلهم بالتي هي أحسن كما يأمـرنا ديننا الحنيف، ولكـن بشيء مـن الوضوح والصراحة لتصحيح مفاهيم القـوم والتأكيد لهم على أن عقيدتنا الإسلامية راسخة في قلوبنا رسوخ الجبال، وأنها لا تتأثر بدعاية الذين يتخذون من الأديان مطية لأغراض بعيدة لا تخفى خطورتها على أحـد، إذ لو كان الدين هـو الهدف لوجدوا أمامهم وخلفهم وعن يمينهم وشمالهم من هم في حاجة ماسة لمن ينتشلهم من وحل الارتداد عن الأديان وارتمائهم في أحضان الشرك والوثنية.

لا ندخل من الأبواب الخلفية:
 وليس مـن أخلاقنا كمسلمين أن نسلك طريق الخديعة ونندس في البيوت كلصوص، وإنما نأتيها من أبوابها ونستأذن أصحابها ليفتحوا أمامنا الأبواب على مصراعيها. ومن الواضح أن المتسلقين للسطوح والمتسربين من الأبواب الخلفية لا تنتفي عنهم صفة الاختلاس، لا اختلاس متاع الدار هنا، وإنما سرقة أثمن وأغلى وأرفع وأنبل ما يمتكله المؤمن وهي عقيدته.
ومعنى هذا بالحروف العريضة أن التبشير بالإسلام لا يتخذ الأقنعة ولا يتهرب من الساحة، ولا يندس خفية في الصفوف، وإنما يعمل رافعا الرأس وضاء الجبين، وبعبارة أصرح وكلمـة أوضح أن المسلمين في كل زمان ومكان ينشرون عقائدهم على الناس دون التواء ومـن غير مطالبتهم باعتناقها، بل يتركون لهم حرية الانتخاب واستعمال ملكاتهـم العقلية لاختيار الأصلح لهم والأنفـع، تطبيقا للآية الكريمة ?لا إكراه في الدين? حتى إذا ما اقتنعوا بصلاحية الإسلام وأعلنوا اعتناقهم لعقيدته الأساسية فمرحبا بهـم كإخوة مؤمنين، وإلا قلنا لهم ما لقنـه لنا القرآن الكـريم: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(2)  ويتجنب الحقيقة من يدعي زورا أو بهتانا أن الإسلام انتشر بالسيف،إذ لو كانت هذه الفرية تتوفر على نسبة ضئيلة من الصحة لما عاش اليهود والنصارى قـرونا وقرونا في كنف الإسلام دون أن تمس عقائدهم وأعراضهم بسوء، وإنما عاشوا أحـرارا في مزاولتها بمعابدهم وكنائسهم تحت حماية الدولة الإسلامية. وإذا كان المسلمون خاضوا غمار حرب فقد كانت دفاعا عن عقائدهم وحماية لأرواحهم وصيانة لأعراضهم من أولئك المعاندين الذين ناصبوهم العداء فاغتصبوا ديارهم واختلسوا أموالهم وتحالفوا مع من تنكروا للعهود والمواثيق، ومـن المسلم به دوليا وقانونيا وعرفيـا ودينيا أن يلام المدافع عـن نفسه ضد هجمات المغيرين الذين يتحملون وحـدهم مسؤوليـة إشعال فتيل الحرب ...
هذه التوضيحات كان لا بد منها قبل الدخول في صلب الموضـوع لنناقش القوم الحساب مناقشة هادئة لا تعصب فيها ولا عناد، ما داموا يدعوننا إلى الانسلاخ عن ديننا والتنكر لعقيدتنا والارتداد عن إسلامنا.

تساؤلات:
ومن حقنا أن نسألهم أولا هـل هم يلتزمون بتعاليم السيد المسيح الـذي بشرهم الإنجيل كمـا أنزله الله بالبعثـة المحمدية؟ وإنا لنجـد الجواب الشافي على تساؤلنا في قول الله تعالى ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (3).
ونتساءل ثانيا عن اعتقادهم في المسيح وأمـه العذراء، ونقارن هـذا الاعتقاد بما نؤمن بـه نحن إيمانا راسخا من كونه لم يدع الألوهية، وإنما هو عبد من عباد الله كما يحكى لنا القرآن المجيد ( وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )(4).
فكيف تسمحون لأنفسكم بدعوتنا إلى دين المسيح وأنتم أول من توجه إليه الدعوة للعودة إلى تعاليمه الصحيحة المتمثلة في عبادة الله الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا مثيل ولا نظير: ( قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ، إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ )(5).
والواقع الذي لا مرية فيه أننا أحق من غيرنا بالمسيح لإيماننا به كرسول من جملة رسل الله: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ؛ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ؛ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ؛ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ )(6).
ونتساءل ثالثا عن ادعائكم بأن المسيح عليه السلام قتله بنو إسرائيل مصلوبا، مع أن عقيدتنا مخالفة لهذا الادعاء اليهودي تمام المخالفة؛ واستمعوا إلى ما جاء في دستورنا المقدس من حقيقة ناصعة وجواب إلهي قاطع: ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا؛ بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )(7).
على أن رسالة السيد المسيح لم تكـن للناس كافة ولا ممتـدة إلى النهاية، وإنما اقتصرت على شعب معيـن وفترة زمانيـة محددة، لتحل محلها الدعوة المحمدية العامـة لكافة البشر والخاتمـة لجميع الرسالات السماوية: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)(8).

لا سجـود إلا لله:
ومن المضحك - إن لم يكن من المؤسف - أن تقـول النشرة التبشيرية بالحـرف الواحد: «أنا صليت وقبلت يسوع المسيح في حياتي»، ونحـن مع تصديقنا لرسالة المسيح نترفع عـن تقبيل الأحجار والأخشاب ونربأ بأنفسنا عن السجود للأصنام والأوثان، وإنما نعفـر جباهنا لخالق هذه العوالم والأكوان والمهيمن عليها بقدرته القاهرة وحكمته البالغة.
ولو وضعنا هذه الحقائق الإسلامية وما تعتقدونه أنتم موضع الدراسة النزيهة المجردة عن الهوى والأغراض والهادفة إلى الحقيقة والصواب لرجحت كفتنا رجحانا مبينا، ولقادتكم النتيجة الناصعة التي تتفق والعقل الناضج إلى العودة لما جاء به السيد المسيح في إنجيله الصحيح.

التفتـوا حولكـم:
وهناك نقطة رئيسية لا مناص من الإشارة إليها ونحن نناقش هذا الموضوع الحساس، وتتمثل في الردة داخل أوربا وغيرها من قارات الدنيا، وحري بإرساليتكم أن تبحث عن الأسباب الحقيقية مـن التيه الذي أصاب جل شبابكم، فتوجه إليه نشراتها لا إلى المسلمين الذين لهم من الحصانة الإسلامية والمناعة الدينية والعقدية راسخة ما يحول بينهم وبين التطلع إلى دين نسخه الله بآية قرآنية جامعة: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ )(9).
ولست أدري - ولا المنجم يدري- لم لا تلتفتون خلفكم وأمامكم وعن يمينكم وشمالكم لتقتلعوا الأشواك التي تدمي الأقدام بدلا من بعثرة جهودكم في مزارع بعيدة عنكم جدا، مع علمكم بأنها تزخر بالورود والرياحين العابقة بنسائم الإيمان الصادق بالله الواحد الأحد الفرد الصمد.

هـذه نصيحتنا:
وبعد فليس غرضنا مهاجمة المسيحية ولا الدخول مع أتباعها في جدال عقيم لا فائدة من ورائه قديما وحديثا، وإنما قصدنا توضيح ما يجب إيضاحه في موضوع يهمنا هنا بالذات كمؤمنين بالإسلام، وتفهيم القوم أن التطاول على عقيدتنا غير لائق، ومرفوض رفضا باتا، وأنهم بسلوكهم لا يخدمون حتى دينهم، وإنما يؤججون نيران الخصومات المذهبية التي استغلها دعاة الصليبية في الماضي ويستغلها اليوم زعماء الحركات الهدامة والمشرفون على خلايا الإلحاد.
ونصيحتنا إلى من يهمهم الأمر أن يترفعوا عن هذه الأساليب الملتوية التي لا تليق بمن يحترم نفسه ويقدر مسؤوليته كداعية، ويكرسوا جهودهم لإصلاح ما فسد في ديارهم، ولا نقول لهم في الختام إلا ما أرشدنا إليه كتابنا المقدس: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )(10).
 

(1)  سورة الأنباء (18)
(2)  سورة الكافرون (6)
(3)  سورة البقرة (85)
(4)  سورة المائدة (116-117).
(5)   سورة الرعد (36). 
(6)  سورة البقرة (285).
(7)  سورة النساء (157-158).
(8)  سورة الأحزاب (40).
(9)  سورة آل عمران (85).
(10)  سورة آل عمران (64).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here