islamaumaroc

شجاعة الفكر

  دعوة الحق

العدد 229 شعبان-رمضان 1403/ ماي-يونيو 1983

** ينطوي موقف رجاء جارودي من عقائد وإديولوجيات العصر على قدر كبير من شجاعة الفكر، ويؤكد قدرة المثقف على تجاوز ذاته وبيئته وموروثه الأدبي والثقافي للوصول إلى مصدر الحق والإيمان به.
لقد نشأ جارودي على غير عقيدة تحفظ عليه توازنه وكان نتاج محيطه الذي انهارت فيه القيم وضاع الإنسان في خضم المادية والنفعية والتنكر لنداء السماء.
ثم بحث له عن مرفأ أمين، فلم يجد أمامه سوى العقيدة المسيحية فتلقفها واعتنقها على ما جرى به الأمر في وسط مسيحي، ولم يلبث أن هزته رياح الفكر التي هبت على أروبا في مطالع القرن العشرين وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، فاكتسحت وأغرت وخدعت ما شاء لها الواقع الأروبي أن تكتسح وتغري وتخدع أصناف من البشر كان في مقدمتهم ذووا الفكر وشداة المعرفة وأصحاب الطموح السياسي والتطلع إلى التغيير. فلم يكن له بد من اعتناق الماركسية التي كانت إلى ذلك العهد لا تزل تحتفظ بالبريـق الكاذب واللمعان الزائف والسحر الخادع، واستطاع جارودي، بما كـان يتمتع به  من مزايا عقلية وسجايا ثقافيـة  واستعدادات للعمـل السياسي، أن يتألق في هـذا المجال، ويبرز كأحـد كبار المنظرين العقائديين، فكـان الوجـه المتميز في  فرنسا وأوربا عمومـا بين صفوف ما يسمى  هناك بالطليعة الثورية المناظلة، ولبث على هذا الأمر ردحا من الزمن، إلى أن اتضحت له الحقائق وبانت معالم الطريق الذي آل على نفسه أن يسلكه.
* ولقد فجر موقف رجاء جارودي الشجاع عدة أسئلة أجاب عن بعضها في ثنايا المحاضرات والمقابلات الصحافية التي أجريت معه في البلاد العربية. التي زارها، ولا يزال هناك قدر لا بأس منها في حاجة إلى الإجابة منه أو من غيره، ولعل في مقدمة هذه الأسئلة هو الحكم النهائي على الإيديولوجيات المادية الملحدة المنكرة للأديان التي وجدت لها أشياعا واتباعا وأنصارا ولقيت من اليهودية والهصيونية والماسونية دعما ومساندة ومؤازرة.
** ما هو مستقبل هذه العقائد التي عاشت في الأرض والقلب والعقل والوجدان فسادا وإلحادا في ظل التطورات البالغة والإيجابية التي تمثل جانب منها من مفكرنا الشجاع رجاء جارودي ؟.
** هل آن أوان الإعلان عن سقوط حضارة الإلحاد والتمرد على الفطرة والتطاول على الحق وامتهان كرامة الإنسان بدعوى العلمانية واللادينية والعصرنة والتحديث ؟.
إن شطرا من هذه الأسئلة أجاب عنها جارودي ورهط قليل من أصحاب الضمير والفكر الشغوف الإنساني، وعلى تقديرنا الكبير لمواقف هؤلاء الأعلام، فإن طبيعة التحدي الذي يواجه أمتنا العربية الإسلامية تقتضي الكشف عن كل الأوراق التي خفيت عن الأعين خدمة للإنسانية وتعزيزا لصف الإيمان بالله دعما لصحوة الإسلام في هذا العصر وفي كل العصور القادمة.
* وليس بشك أن جلالة الملك الحسن الثاني ـ كالعهد بجلالته دائما ـ رد تحية رجاء جارودي للأمة الإسلامية بأحسن منها، فكان حفظه الله وهـو الناطق بضمير المسلمين كافة، سباقا إلى تكريم الرجل الكبير بتعيينه غداة الإعلان عن إسلامه عضوا في أكاديمية المملكة المغربية.
وهي التفاتة مولوية لها دلالتها الحضارية، والفكرية، جعلت من المغرب البلد العربي الإسلامي الوحيد الذي بادر إلى تتويج المسيرة الفكرية الشاقة التي قطعها جارودي طوال حياته الممتدة بمشيئة الله.
** إن إسلام رجاء جارودي لا يمكن أن يكون حدثا شخصيا، فالمرء حينما يبلغ هذا المستوى من التألق والتفوق والبروز لا يمثل ذاته، بقدر ما يعبر في كل  شأن من شؤونه عن الفكرة التي يعتنقها والعقدية التي يؤمن بها والاتجاه الذي يسلكه في حياته الخاصة والعامة، ومن هذه الزاوية ننظر إلى الحدث، ولذلك فإن تعيين جارودي عضوا في أكاديمية المملكة المغربية، وإن كان فيه تكريم للمفكر الشجاع فإن تعبيره عن اعتزاز المغرب بشجاعة الفكر التي هي قاعدة أصولية في حياتنا العقلية.
وهي قاعدة راسخة وثابتة وطيدة ...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here