islamaumaroc

حرية الفكر يتسع نطاقها في اسبانيا.

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

شملـت حرية الفكر في اسبانيا كـل الميادين نظرا للحياة الديمقراطية التي دخلهـا الشعب الإسبانـي من بابها الواسـع، ونحن نقتصر في هـذا على المجال الثقافـي مبرزين بعـض نماذج منه كالذي يصدر عـن أجهـزة الإعلام أو عن دور النشر من إنتاج في ميدان البحث العلمي أو الأدبي أو غيرهما.
فبالمناسبة كنت أستمع صباح يوم إلى الإذاعة الجهوية لمدينة اشبيلية فإذا بالمديع يعقد ندوة مع أحد من رجال العلم والفكر ويتعلق الأمر بأستاذ جامعي يدرس بإحدى كليات جامعة اشبيلية. كانت أسئلة المذيع كثيرة ومتنوعة، منها ما هو مجدي ومفيد، ومنها ما هو حشو وثرثرة لا طائل من ورائها كعادة مذيعين أجهزة الإعلام، ونحن نبسط هنا ما يهمنا وما نراه منطقي ومعقول بعض الشئ.
سأل المذيع السيد الأستاذ عن رأيه في بعض من اعتنقوا الإسلام من الإسبانيين، كان جواب الأستاذ كله حشو وإطناب وكان يتلعثم في الأجوبة خشية من التورط، لكنه كان منطقي بعض الشئ حين قال في النهاية: «إذا كان باسبانيا جالية إسلامية وتريد إقامة شعائرها الدينية فلها الحق في جعل مكان لها لذلك، أما رأيي فيما يقال أن بعض الإسبان اعتنقوا الإسلام فهم أحرار في ذلك نظرا للنظام الديمقراطي الذي اختاره الشعب وارتضاه لنفسه، فكـل الناس إذا ملوا من شئ فهم أحرار في اختيار ما يريدونه، كمن يذهب إلى مجاهل آسيا مثلا يقصد الاطمئنان واختيار مذاهب جديدة، أن الأماكن المقدسة فهي ملك للإسبانيين جميعا، لا فرق بينهم في الإديولوجيات أو الاعتقادات».
فإذا كانت الناحية الدينية نالها ما نالها من حرية فما بالك بالناحية الفكرية فهي أيضا طرأ عليها تغيير وأصبحت هي الأخرى تتمتع بحرية تشمل الإنتاج الفكري، والبحث العلمي فأصبح هذا الجانب أيضا غير مقيـد،  وخاصة من رجال الدين الذين كما كان في الماضي، فأصبح للبحاث والمفكرين مجالا واسعا وحرية غير مقيدة ولا مقننة يكتبون وينشرون ما يريدون وخاصة ما كان محظورا من بعض أثار علمية مما خلفه المسلمون بالأندلس وما كان نشره مقننا إلا ما يرضي ذوق الكنيسة ومصالحها، فأصبح أحياء ما كان في شبه المعدوم من التراث العربي الإسلامي يبرز إلى الوجود فصارت دور النشر ومعاهد الأبحاث تتحفنا بين الحين والآخر ببحوث قيمة وتآليف في مواضع نذرة تتعلـق بتراث الإسلام بشبه جـزيرة أيبيريا على العموم واسبانيا على الخصوص، وعلى سبيـل المثال فقد أتحفني البريد في هذه الأيام بكتيب أرسل إلي من دار النشر ببرشلونة مرقوما برسالة من مدير دار النشر يطلب مني أن أتقبل الهدية ويرجوني ـ بعد أن أتصفح الكتاب ـ أن أبعث له برأيي وارتساماتي عنه، اسم الكتاب «كوينطوس ذي آس» (قصص الجن) لمؤلفه ادولفوخيل، الكتاب من الحجم الصغير ويحتوي على 64 صفحة بصورة ملونة جميلة تشخص مواضيع كل قصة، ويضم ثلاثين قصة مع المقدمة، طبعة متقنة، ورق أبيض ناصع وحروف واضحة. لقد أعطى صاحب الكتاب للقارئ في المقدمة فكرة مجملة عن فن القصة وأثره في النفس بلغة سلسلة وأسلوب واضح سهل، يقول المؤلف من جملة ما يروي عن هذا الفن «إن العرب أسبق الناس إلى فن القصة» واستدل على ذلك بكلام بعض علماء وفلاسفة عرب خص بالذكر منهم الكندي مستشهدا بكلامه الذي يقول:
«يعد ـ أي الكندي ـ أن الأصوات كمبادئ أولية للوجود، فعندما تتحرك تشكل تموجات، فكل صوت بامتداده الخاص وطبيعته  الخاصة الغزيرية ومقـدرته يثير مفعولا مختلفا حسب الشئ الذي يعمل نحوه» إلى غير ذلك من تحليلات وتعليلات لآراء هذا الفيلسوف العربي الفد والنابع من قلب شبه الجزيرة العربية، وكل قصة يفرد لها صاحبنا توطئة ومدخلا حسب نوعها وحسـب الوقت المناسب لسردها وحكايتها كما يأتي بنماذج من قصص قديمة من كتب الفن في الموضوع لقصاصين وأدباء مختصين في الفن القصصي، فيروي لنا بعضها قصص ألف ليلة وليلة، وكذا لقصاصين إسبان كقصص ثرفانطيس في كتابه الشهير ضون كيخوطي ذي لامانشا، ثم يبين لنا في فصل مـن فصول الكتاب كيف يجب أن نقص، وأين ومتى، وفي هذا يستعرض الجو الذي يسود الناس ويصور لك حالتهم أثناء سرد القصة عليهم من طرف القصاص والجو الذي يخيم عليهم وتأثيرها في نفوسهم أثناء استماعهم لها، والناس حـول القصاص مشدوهين منصرفين إليه بقلوبهم وعقولهم وعيونهم شاخصة إلى شفتيه وما بنبعث منهما من أخبار عن الجن والعفاريت، وأنباء عن شخصيات مغامرة وخوارقة للجن عجيبة، ثـم يبين لنا صاحب الكتاب في فصل آخر كيفية الدخول والخروج من القصة، وعلى القصاص أن يختار الجمل المناسبة التي تترك السامع مشوقا وغير ممل، ثم يذكر لنا من أيـن يأتي أصل القصة ومنبعه ومنشأه فيبين لنا أن مردها غالبا يعود إلى حوادث واقعية يكون مصدرها أحداثا سياسية وهو أغلبها ـ كما يقول ـ فقـد يصبغون على شخصية ما أو زعيم لموقعة حربية نوعا من البطولة فيجعلونه رمزا للقصة، كما يكون أيضا مصـدر القصة منسوبا لأشخاص يصبغ عليهم الجمهور صبغة الولاية ويكونهم حلـة القداسة فيكون مرد ذلك إلى أحوال سياسية أو دينية يراد بها طمأنة الجمهور من الناحية النفسية، ويضرب لنا مثلا لذلك بقصة أبو عبد الله آخر ملوك غرناطة الذي غادر ملكه وكان اعتقاد الناس آنداك أنه سيعود ويسترد ملك أجـداده معتمدا في ذلك كتاب (برفينك واشنطون)« قصص الحمراء» الذي أستقى ذلك من أفواه أسر الغجـر التي كانت تقطـن ضواحي الحمراء عند جمعه معلومات لكتابه، وكذا يعطي المؤلف مثلا لأمثال هؤلاء الشخصيات بالمهدي المنتظـر عند مذاهب المسلمين، وهذا الاعتقاد غير خاص بالمسلمين بـل حتى النصارى كالبرتغاليين على سبيل التخصيص الذين كانوا يعتقدون أن سييستيان الهالك في معـركة وادي المخازن لن يموت وقـد اختفى وسيظهر مـن جديد لإعادة من ملكه من المغتصبين الإسبان ـ وقد أشرنا إلى هذا في بعـض مقالاتنا على صفحات هـذه المجلة ـ ثـم يعطي المؤلف تحليلا شاملا ودقيقا لذلك من الناحية النفسية للأسبان حسب النواحي التي يعيش فيهـا والمحيط الاجتماعي الذي يكتنفه ويهيمن عليه والمستوى الثقافي الذي يصل إليه إلى غير ذلك، ولا يمكن لنا أن نستعرض كل مـا احتوى عليه الكتاب في هـذا المقام، وما قصدنا في هـذا إلا إعطاء للقارئ نبذة موجـزة عنـه لا لكونه يحتوي على قيمة علمية أو يشتمل بحثا ناذرا، بل قيمتـه تكمن في كون مؤلفه استند في تاليفه هـذا على أقوال ومصادر لعلماء مسلمين وفلاسفة عرب بعيدا كل البعد في عمله عـن التعصب الديني والتزمت الفكري الذي عهدنـاه من قبل في مؤلفي وبحاث االغرب نحـو كل مـن يمت بصلة إلى علماء الإسلام ومفكري العرب إلا مـن رحم ربك.
نكتفي بهذا القدر عن هـذا المؤلف، كما لا أدع الفرصة تمـر دون أن أذكر أيضا انه وقـع يدي في هـذه الأيام على أحدث ما أخرجته أيضا المطابع الإسبانية في مجـال البحث التاريخي في حقل التراث العربي الأندلسي، أنـه كتاب بعنوان: «الفـن الإسلامي المدجن لمدينة تطيلـة» TUDELA مؤلفه: باسيليو بافون مالضوناضو. إنه كتاب صغير الحجم وإن كان بفرق الأول، يحتـوي على إحـدى وثمانين صفحة عـدا  بعض صفحات لصـور أثريـة اكتشفت حديثا، المدينـة ليست مـن المقاطعات الأندلسية، وهي مـن أعمال سرقسطـة.                                
إن هذا الكتاب يتحفنا مؤلفه بأبحاث قيمة ومعلومات نادرة عن آثار العرب في هذه البلدة الصغيرة والتي يعدها المؤلف من المدن الإسلامية العريقة استنادا إلى قول المستشرق الإسباني خايمي أوليفراسين (حفيد المستشرق الدائع الصيت أسين بلانبوس) الذي يقول: أن هذه  المدينة لم تكن شيئا يذكر قبل الإسلام إلا ايام الحكم الأول عام 796 ميلادية الذي أمر قائده عمروش عليها وقد ازدهرت في أيامه وكانت عاصمة مملكة بني قاسم الذي اتسع نفوذها في السنوات الأولى من النصف الثاني من القرن التاسع، أما دائرة المعارف الإسبانية تقول: إن المدينة بناها الرومان بدليل اسمها فهو روماني الأصل.
إن المؤلف يروي لنا أشياء عن الفن وعن الآثار التي تركها المسلمون بهذه البلدة والتي استخرجت حديثا من العدم وهي تعطي للقارئ فكرة لما وصلت إليه الحضارة الإسلامية بالأندلس من السمو والذوق الرفيع بل خلفت لنا هذه الحضارة آثارا من صنع المسلمين لا في عصورهم الزاهرة بالأندلس فحسب، بل حتى في عصورهم المتأخرة والتي كانوا فيها في حالة اندحـار، ثم يتكلم المؤلف خاصة بتوسع عن الفن المعماري بهذه المدينة ويخص بالذكر فن النقش على الجبص والشكل الهندسي لأقواس مساجدها، وأنه رغم كونها لا تقع في مقاطعات أندلسية فهي متأثرة إلى حد بعيد في هندسة بنائها وزخرفة أقواسها وجدرانها بالفن الأندلسي، وقد ازدهر فيها الفن المعماري الأندلسي على الخصوص من أيام المدجنين الذين هاجروا إليها من المقاطعات الأندلسية حيث كان ملوك النصارى الذين استردوا هذه المدينة يعتنون بالفن الأندلسي ويريدون تزيين به معابدهم النصرانية بهذه المدينة، ثم يذكر المؤلف نظام المدينة من حيث التصميم الهندسي وتقسيم أحيائها إلى إسلامية ونصرانية ويهودية، وكل واحدة لها طابعها وشكلها الخاص، ثم يأتي بدلائل وبراهين تثبت أن هذه البلدة كانت تزخر بالمعابد الإسلامية التي اندثرت أو طمسـت معالمها عمدا فأصبحت معابد نصرانية حتى صارت لا يعرف عنها شيئا من إسلاميتها، فيأتي لنا بأحجار وقطع من جبص وجدت مطمورة تحت أنقاض الكنائس وشكلها الهندسي وزخرفتها عربية أندلسية ويقارنها بنظيرتها في معابد إسلامية التي مازالت قائمة وبادية للعيان كجامع قرطبة وقصر اشبيلية ليعطي بهذا الدليل على أن هذا المعبد المسيحي كان في الماضي أيام المسلمين مسجدا.
وافرد في آخر الكتاب اثنين وخمسين صفحة خاصة بالصور الأثرية من أحجار منقوشة لأقواس وأبنية اكتشفت حديثا على يد علماء الآثار بالإضافة إلى صور أخرى داخل الكتاب مع تصميم لمدينة تطيلة وصورتها الإجمالية.
إن مؤلف الكتاب أعطى اهتماما بالغا لهذه المدينة التي كانت تعد قبل هذا من المدن العديمة الأهمية في تاريخ المسلمين باسبانيا. فاثبت ببحثه هذا العكس، مدعما عمله: بحجج وبراهين لا تقبل الجدل.
نكتفي الآن بهذا القدر، ولنا عودة إلى الموضوع وخاصة حول ما أخرجته المطابع الإسبانية من أبحاث ومؤلفات تتناول ما اكتشف حديثـا وأضيف إلى سجلات التاريخ العربي بالأندلس، والله الموفق وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here