islamaumaroc

كعب بن سور الأزدي.

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

تطلب الخليفة العادل الحازم: عمر بن الخطاب فيمن يقيم أمر الله بالفصل بين الناس ثلاث خصال: لا يصانع، ولا يضارع (أي يشبه فعله الرياء) ولا يتبع المطامع. وقد استبان بالتجربة لعمر رضي الله عنه توافـر هذه المواصفات في كعب قولاه قضاة البصرة، وكانت أحكام كعب من دليل صحتها لا يختلف فيها أو عليها، فكانت الشهادة التقديرية من عمر لكعب قوله: «نعم القاضي أنت».

معالـم حياتــه:
هو كعب بن سور بن بكر الأزدي من قبيلة  من أهل اليمن، لم تشر المصادر والمراجع التي بين أيدينا إلى تاريخ ولادته وان اجتمعت أن وفاته كانت في موقعه الجمل سنة 36 هـ.
كان كعب مسيحيا في الجاهلية، واعتنق الإسلام عن وعي وإدراك واقتناع؛ فكان من القلة الخيرة المؤمنة من أهل الكتاب الموصوفة من الله بقوله: ( ليسوا سواء: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين، وما يفعلوا من خير فلن يكفروه، والله عليم بالمتقين). (آل عمران: الآيات:  113ـ115).
فقد آمن كعب إيمانا صادقا عميقا، وكاملا شاملا وانضم إلى الصف السلم وقام بحراسة دين الإسلام.
ثم يثبت رؤيته للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يرو عنه أي حديث، وأن عاصر كبار الصحابة، وفقـه آيات الأحكام والحديث، ويعد كعب من كبار التابعين.
مكث في القضاء اثنى عشر عاما فقد استقضاه عمر قاضيا على البصرة في سنة 13 هـ، ولم يزل كعب قاضيا لعمر حتى استشهد عمر رضي الله عنه في عام 23 هـ، وفي عام 29 هـ ولى عثمان بن عفان على البصرة عبد الله بن عامر فأعاد ابن عامر كعبا على القضاء، فلم يزل حتى استشهد.
كيف ولى عمر كعبا قضاء البصرة؟:
يحدثنا الشعبي أن كعب بن سور كان جالسا فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين: ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي إنه ليبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما في اليوم الحار ما يفطر، فاستغفر لها وأثنى عليها، وقال: مثلك أنثى الخير، وقال: واستحيت المرأة فقامت راجعة.       
فقال كعب يا أمير المؤمنين، هلا أعديت للمرأة على زوجها إن جاءتك تستعيدك؟ قال: أو ذاك إرادات؟ قال: نعم.
فردت، فقال عمر: لا بأس بالحق إن تقوليه، أن هذا رغم أنك جئت تشتكين زوجك، إنه يجتنب فراشك.
قالت: أجـل إني امـرأة شابة، وإني أتبع ما يتبع النساء.
فأرسل إلى زوجها فجاءه، فقـال لكعب: أقضي بينهمـا، قالت فهمت مـن أمرها ما لم أفهمه، فقال كعب: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما، فقال: عـزمت عليك لتقضين بينهما.
قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فاقضى له بثلاثـة أيـام وليالهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة ليس له فيها إلا أداء الفريضة، فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب من الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة.
وفي رواية أخرى طريفـة عن المدائنـي  تتفق معها في المعنى وتتـفرد بأنها تصور حجج الخصوم وأدلتهم بصياغة شعرية ... فالمرأة التي أنت عمر بن الخطاب تثني على زوجها، فقال له كعب بن سور إنها تشكوه فقال عمر: اقض بينهما.
فتكلمت المرأة فقالت:
يا أيهـا القاضـي الحكيـم رشـده    *      إلهي خليلـي فــراشي  مسجـده
ولسـت في أمـر النساء أحمــده    *      فاقـض القضـاء با كعب لا تردده
 فقال الزوج:
أنى أمـرءا أذهلني مـــا قـد نــزل
                       في سورة النور وفي السبع الطوال (1)
زهدنــي في فرشهـا وفـي الحجــل
                      وفـي كتــاب الله تخويـف جــلل
فحثهـا  فـي ذا عـن حســن البعل
فقال كعب:
إن أحـق القاضييــن مـن عقـــل
                      ثـم قضى بالحـق جهـدا وفصــل
 أن لهــا حقــا عليــك يا بعـل
                     نصيبها مــن أربـع لمـن عــدل  
        فاعطيهـا ذاك ودع عنـك العــلل
كعب يراجع عمر في قضائه في عين ماء:
ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى، أن صاحب عين أتى عمر، وعنـده كعب ابن سور، فقال: يا أمير المؤمنين أن لي عينـا فاجعـل لي خراج ما تسقى.
ذكر أبو عبيدة معمر بـن المثنى: أم صاحب عين أتى عمر، وعنده  كعب ابن سور، فقال: يا أمير المؤمنين ليس ذاك لـه.
قال: ولـم؟ قال: لأنه لا يفيـض ماؤه عـن أرضه فبقي الناس، ولو حبس ماءه في أرضه لغرقت، فلم ينتفع بماله ولا بأرضه، فمره فليحبس ماءه عن أرض الناس إن كان صادقا.
فقال عمر: أتستطيع أن تحبس ماءك؟
قال: لا، قال عمر: هذه لكعب مع الأولى. وذلك لأن موقف كعب تطبيقا لقاعدة إسلامية مكية هي: « الخراج بالضمان»، ومعنى الخراج، ما يخرج من القلـة والنتاج والمنفعة، ومعنى الضمان: ما يصرف من النفقات أو يتحمل من الأضرار.
تقيىء كعب الهدية لأنها سحت ورشوة:
حـدث المدائني قال: قالت بنت كعب بن سـور: ألطفنا بعـض الحي بلطف (الهدية) فدخل أبي فرآه فأديناه إليه، فأكل ثم قال: من اين هذا لكم؟ فقالت له: أهـداه لنا فلان فتقيأه... لأن الهدية إذا دخلت بيت القاضي دفعـت إلى الطمع منـه والشبهة فيه، فقد كانت تعاليم عمر ابن الخطاب إلى عماله ـ من جراء تجربة أن الهدايا هي الرشا.
فقـد روى لنا الشعبي أن رجلا كان يهدي إلى عمر ابن الخطاب كل عام رجل جزور (صغير الناقة) خاصم إليه يوما، فقال يا أمير المؤمنين: اقض بيننا قضاء فصلا كما يفصـل الرجل من سائر الجزور، فشعر عمر بثقل هذا القول وأثره على نفس القاضي الذي قد يحيد به عن وجه الحق في الدعوى، وقد قضى على الرجل لأن الحق لم يكن معه. وكتب إلى عماله: إلا أن الهدايا هي الرشا فلا تقبلن من أحد هدية، إنه تطبيق حي من كعب لتعاليم ولي الأمر العام.

من قضـاياه واجتهـاده:
اختصم إلى كعب رجلان، باع أحدهما صاحبـه ورقا على أن يقطع برضاه، فجعل يأتيه بالأديم (آلة القطع) فيقول لـه: اقطع لي من وسطه ورقة ودع باقيـه، فقال كعب: أما أن تقطعه كلـه أو لا تفسـده عليه، وإلا فخذ دراهمك، وذلك من كعب تطبيقا للمبدأ الإسلامي: «ضـرر ولا ضرار في الإسلام والضرر يزال» أسـاس نظرية التعسف في استعمال الحـق في الفقه الإسلامي.
اشترى رجل مـن رجل أرضا فوجدها سخرة، فاختصما إلى كعب بن سور، فقال كعب: أرأيت لو وجدتها ذهبا أكنت تردها،  قال لا قال فهي لك، لقد استدل كعب بن سـور إلى معيار الشخص العادي في تقدير العيب المألوف، وطبق قاعدة: العزم بالغنم، يعني أن من ينال نفع شيء يتحمل ضرره.
حـدث الرواة أن امرأتين رقدتا مع كل واحدة ولدها، فانقلبت إحداهما على أحد الصبيين فقتلته وأصبحتا كل واحدة منهما تدعي الباقية فاختلفا إلى كعب بن سور فبعث إلى القافـة فأطوا....(القافـة: من يقتفي الأثـر، أوطـوا: الصقـوا) فألحق الشبـه بإحدى المرأتين، فقال كعب: أني لست بسليمان ابن داود، ولم أجد شيئا أفضل مـن أربعة المسلمين شهـودا، أن اجتهاد كعب في المسألة المعروضة عليه، وكل من طرفيها مـدع ومدع عليه في آن واحـد، والتجائـه إلى خيـرة رجال الأثر والإلصاق بالشبه مقرونة بتعددهم وعدالتهم لهـو دليل ظني مفضي في الغالب إلى اليقين، ومـا التحليل الدموي للطفل والمنسوب إليها في العصر الحديث مـن الوقوف على الفضائل الدموية إلا إلحاق للشبه وبناء عـن الظن الغريب من اليقين أيضا.
موقف كعب بن سور من الخارجين على الخليفتين: عثمان وعلي:
بعث الخليفة عثمان بن عفـان رضي الله عنه إلى كعب بن سور وذوي الشوكة والولاة في الأمصار أن ينصروه ويحثوا الرعية على طاعنه ، بعد ظهور الفتنة والتفاف أهل الشغب بـداره مطالبينه بأن يخلع نفسه من الخلافة بمقولة أن عماله من أقاربه دون الكفاءة  والأمانة المسندة إليهم ويستبدون بالأمر مـن دونه. وإن كان الواقع أن وراء هذه القـوى أيد خفية معادية للإسلام دخلة بقصد الإفساد والقضاء على دولتـه ورجاله، وكانت تبث سمومها ورسائلها المـزورة إلى الأمصار على لسـان كبار الصحابة تدعـوهم فيها إلى الخروج على عثمان، وفي مقدمة هـؤلاء اليهودي عبد الله بن سبا، وكان الغرض أن يتكاثر الخارجيين على عثمان وتزداد المطالبة بحقه.
وقـد قام كعب بحق ولي الأمر وحث أهل البصرة على نصرة الخليفة عثمان وطاعته..... ومضى كعب إلى عثمان بناء على طلب الأخير، وأكد له أن البصرة عامة والأزد خاصة في طاعته ونصرته وذلك في سنة 35 هجرية، ولكن الأحداث تصاعدت بعد ذلك وتمكن بعض رجال الشعب من اقتحام دار عثمان وقتله والمصحف في يده، وأصبحت البلاد وقد استشهد رئيسها والثوار وأهل الشغب كادوا أن يملكوا الزمام في حاجة إلى الإمام الذي يدرك أن الحكم مسؤولية وتضحية، وقد اتفق الجميع في الظاهر بما فيهم الثوار على بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإن كان طلحة والزبير قد بايعاه كارهين لأنهما طلبا منـه  أن ينصبهما في ولايات معينة وأن يبدأ بالقصاص من قتلة عثمان، ولم تكن الظروف لتسمح بذلك، لذلك فقد مضى طلحة والزبير إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي كان لها موقفا خاصا من ولاية الإمام علي بن أبي طالب، وبعثوا جميعا إلى البصرة مطالبين بثأر عثمان أو خلع الإمام علي، وقد بعث طلحة والزبير إلى كعب بن سور برسالة يقصد استقطابه نصها: «أما بعد، فإنك قاضي عمر بن الخطاب، وشيخ أهل البصرة، وسيد أهل اليمن، وقـد كنت غضبت لعثمان من الأذى فاغضب له من القتل والسلام» . فأجابهما: «أما بعد، فإنا غضبنا لعثمان مـن الأذى والغير باللسان، وجاء أمر الغير فيه بالسيف، فإن يكـن عثمان قتل ظالما فما لكما وله، وإن قتل مظلوما فغيركما أولى به، وإن كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل».
وقد كان موقف كعب في البداية الاعتزال عن الحرب ويحث الناس على ذلك في المساجد ويقول: ويلكم أطيعوني، أطيعـوا هذه النطفة (الماء القليل) وكونوا من ورائها، وخلوا بين هـذين الغاويين، فوالله لا يظهر طائفة منهم ألا احتاجـوا إليكم، فتصدى لـه صبرة بن شيمان سيد الأزد وقال له: اسكت إنما أنت نصراني صاحب ناقوس وصليب وعصا ... فرجـع كعب إلى منزله في دار عمرو بن عوف فأمر بزاده ليخرج من البصرة، فبلغ الخبر أم المؤمنيـن عائشة وقيل لها: إن اتبعك كعـب بن سـور خرجت الأزد كلها معكي، فجاءت إليه على بعيـرها ولم تزل تقنعه بـأن غايتها الإصلاح دون قتال حتى خرج معها وراية الأزد معه، ولما نشب القتال بين فريقها وفريق علي كان كعب ممسكا بزمام حملها «عسكر» فكلفته عائشة بقولها : خـل يا كعب عن البعير، وتقدم بكتاب الله عـز وجـل فادعهم إليـه ودفعت إليـه مصحفا، فمضى يحث القوم على العمل بكتـاب الله بيد أن سهما غـرب فأصابه، فكان أول مقتول بيـن يدي عائشة وأهـل الكوفة ...
وقيل إنه أصيب مـع كعب ثلاثة إخوة أو أربعة فجاءت أمهم  فوجدتهم في القتلى فقالت:
أيا عيـن جـودي  بدمـع سـرب          *       على فتيـة مـن  خيـار العـرب
فما ضـرهم غيـر جبـن النفوس         *       أي أميـري قـــريش غلبـــا
ونختم مقاتلنا بكلمة للإمام علي بن أبي طالب وقد مـر على  أثر المعركة في القتلى فوجد كعبا بن سور وهو قتيل، فقام عليه (صلى عليه)  وقال: والله ما علمت إن كنت إلا لصلبا في الحق، قاضيا بالعدل، وأثنـيى عليه ما ذكره في أخبار القضاة.

(1)  يروى أن ابن عباس السبع قال أن السبع الطول هي سورة: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والكهف، وذكر السيوطي في الاتقان أولها وآخرها براءة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here