islamaumaroc

والعود أحمد

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

نشر الأستاذ السيـد عبـد العزيز السـاوري (دعـوة الحـق عـدد 225) مقالـة صغيـرة بعنوان: «عــودة إلى خطبـة طارق بن زياد» وقد كان الأخ عبد العزير بعث إلي برسالة يسألنــي فيها عن الموضـوع  نفسـه ليزداد اطمئنان وقد هيأت له الجــواب، غير أن عنوانــه ضاع مني، وبقيـت في النفس حسـرة، فقـد يظن أني أهملت سؤاله وإذا بي أقـرأ هذا المقــال مع مصادفــة عثوري على عنوان الرجل، ورغم ذلك فإني آثرت أن أكتب لـه عبر هذه المجلـة التي كان لها الفضل في نشـر هذا البحث منذ حوالي خمسة عشر عاما.
والعجيب أن موجة الشك في خطبــة طارق كانت أسرع انتشارا من الرأي  الذي يميل إلى اثباتهــا، بل أن هـذا الرأي قل من سمع به ، بل يكتفي الشاك بقراءة العنوان فقط، ولعله يخشى أن يشوش الموضوع على شكه، والأغرب من ذلـك ، أننا ما زلنا نقرأ في بعض المحاضرات الجامعية الـتي تطبـع لطلابنـا أن خطبة طارق غير صحيحة، لكن بأسلـوب غير صحيح وغير مسؤول ، كـأن الأمـر أصبح لدى  هــذا المؤرخ « مسلم»  من باب السمـاء فوقنا والأرض تحتنا كما كـان يقال، مثلما وقع بالنسبة لبعـض الأفكـار والآراء الخاطئـة التي أصبحت من المسلمات، بل من المعتقدات كالشك في الشعــر الجاهلي والطعــن في  مشروعية الخلافـة الإسلامية ورجعية شعـر القصيـد  إلى غير ذلك من الآراء التي يراد بهـا مقاصد مرتبطـة بالمخططـات الرهيبة لتخريب كيان أمـة الإسـلام في ميدان الفكر والرأي واللغة والأخــلاق كما تخـرب في نفس الوقت بأسلحـة الشرق والغرب مباشـرة أو على  يد  من ينوب عنهما !!
والغريب في هذا كله أن الأصوات القليلة التي تحاول التنبيه أو حتى مجرد فتح باب الحــوار حول فساد المنهج أو خطل الرأي واعوجــاج الفكر وفضح المؤامـرات تحاصر بأجهـزة  متنوعــة وتسلط عليها أصوات قوية وصفارات  مدوية مزعجـة بغية إخماد أصدائها وتبديد نبراتهــا وتحويلها إلى هواء يفرغ في الهــواء حتى لا تحرك ساكنــا أو توقظ نائمــا أو تهدي حائرا، لأن المخطط يجب إنجازه والقائمــون عليه مسؤولون مسؤولية صارمـة!! وقد يعزل الصوت الآخـر أو المنبه عزلا تاما، بل قد يــزج به في غياهب  السجـون كما وقع لاستأذنا محمود شاكـر أطال الله عمره عندما شن هجومه على بعض المتآمرين كاشفــا خبايا المؤامـرة مع فضيحة جهل المتآمرين، وكمــا وقع لغيره من دعــاة الحقيقة في الشرق والغرب.
وقضية الشك في خطبة طــارق لم تكن لتنــال اهتمامي لولا أني رأيت الأمـر لم يعد في نطاق ضيق وفي خريطـة النوايا الطيبة، إذ أن الدكتور أحمــد هيكل لم يتصد للشك إلا بدافــع علمي بحث، غير أنه اعتمد تاريخيا على ما أورده الأستاذ محمد عبد الله عنان الذي ليس هذا ميدانه رغم فضل سبقه في الأندلسيات !! أما حجج الدكتور أحمــد هيكل المرتكزة على ظواهر أسلوبية فهي قوية نسبيا لولا أنهــا تظل في نطاق الأخــذ والرد ما دامت غير حاسمة في الموضوع ويمكـن ردها بحجـج جدلية إذ لا نعدم مثل هذه الظواهـر في عصـر طارق وفي بيئته، بل وقبل عصره.
ولست أدري لماذا يبادر المرء إلى النفي والشك ملتمسا براهين وأسبابا مردودة، فهل نزعة الشك أصبحت «موضـة» أو من باب « خــالف تعرف»؟.
وكما قلت آنفــا أن ميل بعضهم ممن تناولوا الخطبة إلى تأكيد نفيها جعله يبحث عن حجج أخرى يلتمسها ـ تعسفا ـ من بعض النصوص التي  وقع عليها والتي لم تكن له فيها حجة بمقدار ما تعزز وجود الخطبة ونسبتها لصاحبها.
ويبدو أن أخي وصاحبي الدكتور عبد الرحمن الحجي ممن صعب عليهم أن يمحوا ما استقر في أذهاننا ونحــن طلاب في كلية العلوم من أن الخطبة الطارقية متحولة، وقد أثــار في كتابـــــه : « تاريخ الأندلس» ص: 57 ـ 62 نفس التساؤل الذي أثاره استأذنا المكرم الدكتور أحمد عبد المقصود هيكل الذي نحــا في تناوله منحى الأستاذ عنان، وقد أضــاف الدكتوران الكريمان الأستاذ، والصاحب أسباب جديدة.  ومن الجدير بالذكر أني اطلعت أستاذي الدكتور أحمد هيكل على رأيي وبسطت القول أمامـه في الموضوع عند لقائنــا في مدريد وفي آخــر لقائي به في كلية دار العلوم بالقاهــرة، فسر كثيـرا بذلك وأعلن أنه لا يتعصب لرأيه، ولن يتوانى في إثبات الحقيقــة عند اطلاعه على القضية مكتوبة موضحـة، ولعله توصل  بالصورة الأخيرة لبحثي ضمن الكتاب الذي صدر تكريما لأستاذنــا الكبير محمود شاكـر بمناسبة بلوغه السبعين، ولست بشك في أن الدكتور أحمد هيكل  سيكون متحمسا وهو يثبت هـذه الخطبة وينسبها لصاحبها أكثـر مما كان وهو ينفيهــا عنه متى اقتنع بما سقته من حجج نقلية وعقليـة وبراهين ساطعــة سواء في ميدان الرواية أو الدراية.
وإني لعلى يقيـن من أن الأخ الدكتـور عبد الرحمن الحجي سيسارع أيضا فور اطلاعـه على الحقيقة لإنصاف خطبة طارق مما لحقها من حيف، ذلك أنــه ممن عرفته يوثـر الحق ويسعى نحو الحقيقة ويجاهـد في سبيلهـا، والمراسلة جارية بيني وبينه دائمـا في مجال الأندلسيات.
ولغيرتي على هـذه الخطبة وارتباطـي بها فإنـي جعلتها من هجيراي، لذلك عدت  لبحثـي الأولي فيها وأضفت  إليه أمورا جدت، ومن هذه الأمور نص ابن الشباط الذي اطلعت عليه في حينه أي فور نشـري ذلك البحث ـ بدعـوة الحق ـ وقد قمت أخيرا  بنشر البحث متكامــلا بالقاهـرة، ولعل الأخ السلوري اطلع عليه أوائل شهــر يناير، فقد سررت عندمـا أخبرني أستاذه الأخ عبد الملك الشامـي أنه مكنه من بحثي  ليستفيـد منه في بحثه الذي يعده في الموضوع، فلعله  واجـد فيـه إضافات جديدة تمس شخصية طارق وأوصافه وخلالــه وأسرتــه، وكذلك ما يتصل بالنسبة العدديـة للمغرب في جيش طارق، الأمر الذي يبين بشكل واضح أن الجيش لم يكن جاهــلا بالعربية، كمــا ادعى بعضهم زيادة على عناصـر أخرى. ومنها نص ابن الشبـاط وكلها تخـدم فكرة ثبوت الخطبـة لصاحبهـا، وإن وفق الله وحصلت على قطعة من مخطوط أندلسي قيم فقد تكـون المفاجــأة في هــذا الموضوع سارة فيما أظن، ولا أحب أن أعلن عنهــا حتى أتيقن من الأمر.
وبعد: فإني أحيي في الأخ الأستاذ الساوري اهتمامه بهــذا الموضوع وإثـارته له وأشكره  على رسالته الطيبة التي تستحق التنويه راجيــا أن يعتبر هذا المقال بعض جوابه. أمـا الباقي فعند لقائنـا قريبا إن شاء الله بمدينة وجـدة مدينة الأصفياء والأوفياء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here