islamaumaroc

أزمة الثقافة القومية في المغرب

  دعوة الحق

27 العدد

من المشاكل التي تقلق بال المهتمين بشؤون الثقافة والتربية الوطنية في المغرب، مشكلة توحيد التعليم وتعريبه، وإعطاؤه صبغة قومية، تتناسب والبيئة المغربية والتاريخ المغربي. وقد كثر الحديث عن هاته المشكلة، بمناسبة افتتاح السنة الدراسية الحالية، سواء في الصحف والمجلات أو في الإذاعة أو في كواليس وزارة التربية الوطنية ذاتها. والحقيقة أن الجميع متفق على أهمية المشكلة وخطورتها لما لها من علاقة بحاضر البلاد ومستقبلها الثقافي والاجتماعي في آن واحد. ولعل ذلك كان من الدواعي التي دعت إلى إنشاء «المجلس الأعلى للتربية الوطنية» هذا المجلس الذي شاركت فيه عدا عن الشخصيات الرسمية، شخصيات أخرى وطنية تستطيع بما لها من خبرة وسعة إطلاع أن تدلي بآراء ونظريات من شانها أن تساعد على إيجاد الحلول الناجعة لهذا المشكل الوطني العويص.
إذن لا ينكر أحد منا ما تعانيه الثقافة القومية في المغرب من مصاعب جاءت نتيجة لنظام الإدارة السابق، وما كان يرمي إليه هذا النظام من طمس لمعالمنا الذاتية وإبقاء للمؤسسات التعليمية الدينية على ما هو عليه من جمود، ومن إنشاء مدارس سماها بالعصرية كان التعليم يلقن فيها بلغة أجنبية لا تمت إلى البيئة المغربية بصلة. وإزاء هذا النقيض رأت المؤسسات الوطنية ضرورة إنشاء مدارس حرة مكيفة تكيفا مكانيا وزمانيا مع الوسط المغربي الذي هو منبثق من الأرومة العربية ومنسجم تمام الانسجام مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. ولا ينكر أحد ما قدمه هذا التعليم الحر من أطيب الثمرات للمجتمع المغربي إذ كان يهيئ كل سنة أفواجا من الطلبة يتجه معظمهم إلى معاهد الشرق العربي التي تجاري في برامجها كل ما وصل إليه التطور العلمي في أوربا من درجة عالية وشأو كبير..
جاء الاستقلال، وتنفس طلاب هذا التعليم الصعداء واعتقدوا أن العهد الجدي إنما هو انتصار لتعليمهم ولكفاحهم، وإذا بهم يصابون بخيبة أمل، المشرفون على التعليم الحر قلبوا له ظهر المجن ليتقلدوا مناصب سامية في الوزارات أو ليخوضوا غمار السياسة، والوزارة المعنية بالأمر حاولت في أول الأمر أن تتبناه فأنشأت له مصلحة خاصة به في الوزارة، ولكنها لم تلبث أن نفضت يدها منه لأسباب لا يعلمها أحد.
وهكذا تعددت أنواع الثقافة في المغرب، فألقيت هذا يشرق وذاك يغرب، فإذا سألت المغربين عن إمكانية التعريب اتهموا اللغة العربية بالقصور والجمود، واتهموا أهلها بالبلادة وضيق أفق التفكير؛ ولست أدري هل أن هذا الاعتقاد راسخ في أذهانهم لما سجلوه على العربية في المغرب من انحطاط، أو أنه جاء حفاظا على الوضع الراهن وما يرافق هذا الوضع من مصالح ذاتية ومنافع شخصية ؟
لعل كلا العالمين يلعبان دورهما في تكوين مثل هذه الاعتقادات، إلا أنني أعطي الأغلبية لعامل الشعور بالمحافظة على الوضع الراهن، ذلك الشعور الذي يبدد معه كل شعور آخر بالنخوة العربية والشهامة الإسلامية، ولا ينتج عنه سوى تبرير المواقف والاستشهاد بالواقع الذي في الإمكان إصلاحه وتعديله. على سبيل المثال أذكر أنني ناقشت مرة أحد الزملاء الذين خضعوا في تكوينهم الثقافي وتربيتهم السياسية إلى تأثير البرامج الدراسية الأجنبية كان موضوع الحديث «الثقافة الملائمة لمغرب اليوم» وقد حصل الاتفاق في الهدف أي أن المواطن المغربي يجب أن يزود بثقافة من شأنها أن تضمن له المساهمة في بناء مجتمعه بكيفية فعالة، إلا أن اختلافا حصل في الوسيلة، أعني الأداة التي يجب استعمالها للتزود بالثقافة الصحيحة. قال صديقي : «لما كانت المعارف تنقسم في خطوطها الكبرى إلى علوم وآداب، ولما كانت اللغة العربية لا تصلح في الوقت الحاضر للعلوم، فالأفضل أن يلقن المواطن المغربي ثقافة مزدوجة، أي بلغتين إحداهما خاصة بالعلوم وهي الفرنسية، وثانيتهما خاصة بالآداب والمباحث الدينية وهي العربية وهذا ما يوافق بلدا كالمغرب، له روابط ثقافية وتاريخية بفرنسا» -على تعبير محدثي- ولشد ما كان استغرابي عظيما من هذا التصنيف الفريد من نوعه، ولهذا المنطق الصادر من مواطن يتمتع بحظه الوافر من الثقافة والمعروفة !
ولما كنت من أولئك الذين عاشوا ف يكنف الدراسة المحررة من قيود البرامج الأجنبية، بدافع المحافظة على لغة البلاد الأصلية، كان لزاما على أن أتصدى للرد على صاحبي مدافعا ومنافحا عن خطل هذا الرأي الذي لا يطابق الحقائق العلمية والوقائع التاريخية. والحقيقة أن هذا الصديق يمثل نوعا من التفكير المستولى على طائفة من الشباب المغربي الذي زوال دراسته الثانوية والعليا في المعاهد والجامعات الأوروبية. تلك الطائفة التي تجهل الشيء الكثير عن ثقافتها القومية وتاريخ بلادها الحافل بالأمجاد والمآثر.
وقبل أن اشرع في الرد على هذا الرعيل من أبناء المغرب المثقف، يجدر بي أن أحلل فكرتهم بشيء من التفصيل، وعندئذ نحكم عليها أما بالصواب أو بالبطلان متبعين في ذلك منهجا علميا يتصف أول ما يتصف بالتجرد عن الأهواء والعواطف ويبتعد عن الغرض والتحيز إلى جانب معين أو هدف مقصود. لذلك فإن (المعتدلين منهم) –أقول المعتدلين، لأن هناك فريقا ينكر على العربية وجودها في المغرب من حيث الأساس وسوف لا أرد هؤلاء لأنهم لا يعترفون إلا بمنطق العاطفة- فالمعتدلون يقررون أن اللغة العربية إنما هي للأبحاث الأدبية والدينية ليس غير، فهي تصلح للتعبير عن عواطف ذلك الرجل العربي الذي كان يعيش في صحراء مترامية الأطراف محدودة الآفاق، ذلك العربي الذي امتاز بعدم الاستقرار والتنقل بخيمته من مكان إلى آخر باحثا عن العشب والكلأ... وحتى إذا دعاه المطاف إلى الاستقرار في قرية أو مدينة، كان همه أن يتعلق بأدبه لذي جاه أو نفوذ ليكتسب بأدبه ويعيش عليه، أما بقية شروط الحضارة العربية فهي عارضة ف ينظرهم لأنها تتبع الحاكم بأمره، فإذا قويا ساد الأمن والنظام، وإذا غاب تهدم بعده أركان البناء الشامخ الذي شيده فتسود الفوضى من جديد وينتظر العرب منقدا جديدا... إلى آخر ما هنالك من نظريات تلقوها عن أساتذة خبراء في فن تسميم الأفكار وهكذا إذا جادلتهم في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور، أجابوك بأنه من المستحيل على العربية أن تستجيب لمقتضيات التطور العلمي الحديث، إنها ثقافتهم الأجنبية التي علمتهم أن يتنكروا لشخصيتهم التاريخية وكأنهم ليسوا عربا وكأنهم ليسوا مغاربة.. أقول هذا لأنهم ينظرون بعين الإكبار إلى لغة (روسو) و(فولتير) في حين أنهم ينظرون بعين الازدراء إلى لغة امرئ القيس وأبي تمام !
أقول ذلك لأنهم يدافعون عن اللغة الفرنسية بكل حرارة وكأنهم من أبنائها البررة، في الوقت الذي يترحمون فيه على لغة الأجداد التي لا تصلح ف ينظرهم إلا للأدب والفقه !
أقول ذلك لأنهم يحبذون أن تحتل الفرنسية المقام الأول في البلاد، ويرضون عن احتلال العربية للمقام الثاني.
هذا ما يريده بعض أبناء المغرب للعربية وهذه هي الفكرة التي يحملونها عن العربية ! وإني لست هنا بصدد الرد على هؤلاء بالعاطفة أيضا وإنما بالحجة وبكل موضوعية :
لا ينكر أحد في الوقت الراهن أن اللغة العربية تندب حظها في المغرب، وإنها تعاني أزمة خانقة، ولكنني أنكر أن تتصف هذه الأزمة بالديمومة، فهي أزمة عابرة جاءت نتيجة لنظام استعماري هادف إلى طمس معالم حضارتنا ليسهل عليه فيما بعد ضمنا للاتحاد الفرنسي فلما زال السبب –وهو النظام الاستعماري- كان من الطبيعي أن تسير الأزمة إلى الزوال، ولكن مما يؤسف له أن رواسب العهد البائد لا زالت تلعب دورها، ولا زالت السموم التي تنفثها الاستعمار تعمل عملها في العهد الحاضر، عهد الاستقلال. هذا ما أقصده بالأزمة التي تعانيها الثقافة القومية في المغرب، إذ كيف لا يقتنع أفراد الشعب بصحة دعوى صديقي وهو يروي ما تحتله لغة الدخيل من شأو وما تلاقيه لغة البلاد من اضطهاد ؟ كيف لا يقتنعون بصحة الدعوى وهم يرون الموظف المغربي يصرح بأنه لا يمكن الاستغناء عن اللغة الفرنسية في الإدارة وإلا توقف الدولاب وأصبحنا في حيص بيض.
تلك مظاهر بارزة للأزمة التي تعانيها الثقافة القومية في المغرب، ولكن هل نتخذ من هذه الأزمة دليلا على عدم صلاحية لغة بلادنا لمسايرة التطور ؟ ما دام في الإمكان تغيير الواقع، وإلا فما قولكم في قانون التطور التاريخي الذي يعترف بالتغير المستمر للأحوال لإبقائها على حال واحدة ؟ أن المسألة مسألة صراع بين لونين من الثقافة، ثقافة دخيلة تحاول أن تظهر على ثقافة أصلية ولكنها تحتاج إلى من يسنح عنها غيار الخمول لتعود إلى عهدها الذهبي، وقت أن كانت لغة العلم والحضارة والعمران، إذن فنظرة قصيرة إلى التاريخ كفيلة بأن توضح للغافلين مدى خطأ رأيهم وقمينة بأن تنبههم إلى مدى قوة اللغة العربية وقدرتها على الاستيعاب سواء تعلق الأمر بالأفكار القديمة أو بالحديثة، فالسر كل السر في الرجوع على التاريخ، والأمة التي تهمل تاريخها مثلها كمثل الفرد يفقد ذاكرته فيهيم على وجهه تابعا التيار الذي يجتذبه لا يدري أين يسير وإلى أين يقصد ! فإذا رسخ في ذهننا ذلك قلنا عن هؤلاء الذين يحكمون على اللغة العربية بالجمود، بأنهم فاقدون لذاكرتهم غير وأعين من شؤون أمتهم أمرا.   
ثم إننا إذا اتفقنا مع مؤرخنا العظيم ابن خلدون –وما أخالكم تعارضون- في وجوب الاعتبار بالتاريخ، كما يفهم من مؤلفه الضخم، «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار المغرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» جاز لنا أن نذكر بحوادث وقعت في الماضي لأمة أصابا ما أصابنا اليوم من سيطرة لغة أجنبية على لغتها الأصلية، وكيف أنها استطاعت أن تتغلب على الصعاب –وأن تسترجع شخصيتها القومية التي كانت في طريق الضياع، ففي مستهل القرن الثامن للميلاد استطاع العرب المسلمون أن ينطلقوا من جزيرتهم المحدودة الآفاق إلى تأسيس امبراطورية شاسعة على أنقاض امبراطوريتي الفرس والروم (أو البيزنطيين) حتى وصلت الفتوح إلى بلاد الصين شرقا وإلى أواسط فرنسا (بواتييه) غربا، ورافق ذلك الفتح العظيم حضارة متلائمة الجوانب موطدة الأركان، أثارت بسناها الظلمات التي كانت مخيمة على أوربا آنذاك، وفي هذا الصدد يقول الدكتور عبد الكريم الباقي الأستاذ في كلية الآداب من جامعة دمشق –في كتابه «تمهيد في علم الاجتماع» ص 121، ما نصه : (... وكانت أوربا جميعها في ظلمات دامسة، على حين كان العرب ساسة الدنيا وهداتها، ثم اتصل الأوروبيون بالعرب في مناطق مختلفة فوجدوا الفرق كبيرا بين النور والظلام، وبين العلم والجهل، وبين التقدم والتأخر، فاقتبسوا جذى من النور والعلم والتقدم، وحملوها إلى بلادهم وتعهدوها بالرعاية والعناية والإيقاد، حتى خرجوا من الوهدة التي كانوا فيها إلى الدرجة التي صاروا عليها، على حين شرع العرب بالتواري والانحدار حتى بداية تنبههم الحاضر ووعيهم الحديث...) من هذا الكلام يتضح لنا أن الحضارة الغربية ليست كلها من صنع الغرب وإذا رجعنا على أساسها وجدناه إسلاميا في شتى مظاهره، ولقد أصبح من حقائق التاريخ الناصعة أن علوم العرب من طب وفلك وفيزياء وكيمياء وفلسفة وموسيقى –كما أثبت مؤخرا الأستاذ محمد الفاسي عميد الجامعة- هذه العلوم انتقلت كلها إلى أوروبا بواسطة عرب الأندلس وعرب صقيلية وبواسطة الاحتكاك الذي حصل بين الشرق والغرب في زمان الحروب الصليبية، إلا أن أهم واسطة لها علاقة ببحثنا هي الأندلس، تلك الأرض التي اشتهرت بحضارتها وعمرانها عبر التاريخ، إن حالة الأندلس (أو اسبانيا الوسطى والجنوبية) في القرنين التاسع والعاشر وما بعدهما، فقد شابهت إلى حد كبير حالة المغرب في الوقت الراهن، فكما دخلت الجيوش العربية غازية فاتحة –مع الفارق في الهدف طبعا- محاولة فرض الشخصية العربي أزمة خانقة كذلك حصل للغتنا إزاء المستعمر، وهذه هي النقطة الجديرة بالملاحظة في هذه الحوادث التاريخية، إذ أتى على اسبانيا حين من الدهر سيطرت فيه اللغة الاسبانية واللغة اللاتينية من جراء الفتح العربي أزمة خانقة كذلك حصل للغتنا إزاء المستعمر، وهذه هي النقطة الجديرة بالملاحظة في هذه الحوادث التاريخية، إذا أتى على اسبانيا حين من الدهر سيطرت فيه اللغة العربية على كل مرافق حياتها، وأضحى طالب العلم من الإسبان لا يتسنى له أن ينال حظه الوافر من الثقافة الصحيحة إلا إذا انكب على دراسة اللغة العربية لأن المؤلفات العلمية كانت كلها بالعربية، وكانت اللغة القشتالية أو اللاتينية قابعة في الأديرة والكنائس لا تتعداها. وقد حز ف ينفس رجال الكنيسة أن تحتل العربية المقام الأول في اسبانيا، وخافوا على الشعائر الدينية من الضياع، فنظموا حملة واسعة النطاق للتنديد بهذا الخطر المحدق وكرسوا الجهود لنقل جميع المؤلفات العربية إلى لغة البلاد الأصلية، فهذا جربرت ((Grbert الذي تعلم في جامعات المغرب (القرويين) والأندلس والذي تربع على كرسي البابوبة باسم سلفستر الثاني (Silvedter II) يقوم حوالي سنة (930) للميلاد وينقل الأرقام العربية إلى أوروبا فحلت محل الأرقام الرومانية المعقدة، وبذلك سهل علم الحساب وتوطدت أركانه عند الغربيين وهذا أسقف طليطلة الدوق ريموندو (Don Rimondo) في القرن الحادي عشر للميلاد، يقوم بجمع العلماء في ظلال قصر الزهراء ويطلب إليهم ترجمة الكتب العربية ثم يدخل تدريسها في برامج التدريس المسيحية، وعلى سبيل المثال نذكر من المترجمين حنا الإشبيلي الذي ترجم كتبا عديدة ولا سيما للكندي والفارابي والغزالي وابن سيناء، وكان يساعده في ذلك رفيقه دومينغو غوند يسلافو (Dominggon dislavo) وقد ذكر مؤرخ العلوم المعاصر سارتون (Sarton) أن هذين المترجمين ترجما كتابا في الطب وثلاثة عشر كتابا في الفلك وكتابا في الرياضيات وسبعة كتب في الفلسفة ومن أشهر الكتب العربية التي ترجمت كتاب الجبر للخوارزمي على يد الانكليزي روبيرت من شيستر
(Robert of chester) وذكر سارتون المترجم جيرار الكريموني : (Girard Dierémons) ترجم سبعة وثمانين كتاب من العربية على الاسبانية ومن أهم الكتب التي ترجمها جيرار كتاب (التصريف) لأبي القاسم الزهراوي، ذلك الكتاب الذي بقى أساسا في الدراسات الطبية في جامعة أوكسفورد حتى سنة 1778.     
والشيء الذي يجب الإشارة غليه في هذه الحركة إن القائمين عليها وقفوا أمام العلم العربي والحضارة الإسلامية مشدوهين حيارى وظنوا في أول الأمر أنهم يعجزون عن مضاهات العرب في علومهم وحضارتهم ولكن الشعور بالواجب القومي دفع العاملين على الترجمة إلى مواصلة السير مؤمنين بصلاحية لغتهم لمسايرة التطور الحضاري، بل لم يضرهم أحيانا أن أخذوا بمصطلحات عربية بعينها، وهاكم بعض الأمثلة على أقول: ففي ميدان الفلك نذكر العقرب (Aerab) والجدي (Algédi) والطائر (Altaïr) والذنب(Deneb)  وابط الجوزاء (Betelgeuse) والسمت (Zémith) والنظير (Nadir) وفي ميدان الرياضيات نجد الجبر (Algèbre) واللغاريتم (Logarithme) والصفر (Zéro) و (Chiffre) التي تدل على الرقم. وفي مجال الحياة الاجتماعية نشير إلى هذه الكلمات التي تدل على الرقم. وفي مجال الحياة الاجتماعية نشير على هذه الكلمات التي تدل على مدى تأثير العرب في حياة الأوروبيين الاجتماعية، فهناك القبة (Coupole) والقطن (Coton) والقطران (Goudron) والجلاب (Juleps) والشراب (Sirop) والشربة (Sorbet) وأمير الماء (Amiral) والكحول(Alcool) والتعرفة (Tarif) وحتى الألعاب الرياضية لم تعدو تأثرا، ولربما استغرب القارئ إذا علم أن كلمة (Raquette) الفرنسية من أصل عربي هو الراحة !. وكل هذا قليل من كثير وينتظر من التاريخ أن يكشف عن أشياء أخرى في المستقبل.
إذن فالثقافة ليست مقصورة على قوم دون آخرين وإنما هي أنتاج شارك في تطويره جميع البشر حتى وصل إلى الذرة والأقمار الاصطناعية، وما اللغة إلا وسيلة من وسائل التعبير، يتخذها قوم ليتميزوا بها عن سواهم أو كل قوم يجلون مآثرهم ومفاخرهم بلغتهم، فماذا أعددنا لأنفسنا وماذا اعددنا لأجيالنا القادمة ؟ أن في مثال اسبانيا برهانين، فمن جهة عرفنا أن اللغة العربية ليست لغة أدب وفقه فحسب، ومن جهة أخرى شرحنا كيف واجه الاسبان مشكلة سيطرة اللغة العربي ة على سائر مرافق حياتهم الحضارية والعمرانية وقاموا ينقلون ويترجمون إلى لغتهم جميع ما وصل إليه العلم العربي من درجة ورفعة، ويمكن القول بالنسبة للأزمة التي تعانيها الثقافة في المغرب بأن مرحلة الترجمة قد طواها إخواننا العرب في المشرق فلم يبق علينا إذن إلا تبني جميع المصطلحات التي أوجدتها المجامع اللغوية في كل من القاهرة ودمشق وبغداد، ولم يبق إلا الإيمان بأن لغتنا غنية، جدا، وأن في إمكانها أن تعالج جميع الأفكار قديمها وحديثها.
فعسى أن يجد هذا المقال آذانا صاغية وقلوبا واعية فيقبل شبابنا بجد على دراسة اللغة العربية لكفالة الانسجام في التفكير بين أبناء الوطن الواحد، وإذ ذاك سنضع اليد في اليد لنتعاون جميعا على بناء أركان المجتمع المغربي الحديث على أسس قومية وعصرية في آن واحد، وما ذلك على أولى العزائم الطبية والإرادات الحسنة بمستحيل.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here