islamaumaroc

قراءة في كتاب "المولد النبوي"، تأليف محمد بن عبد الكبير الكتاني.

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

المكتبة الصوفية المغربية غنية وزاخـرة بالعديد من المؤلفات التي تعكس المدرسة المغربية السليفية الرائعة التي سيبقى الفكـر المغربي يعتز بها، ويفاخـر بها سواء من حيث المنهج أو من حيث المحتوى أو من حيث الاتجاه الفكري.
والكتاب الذي اختـرت أن أقدمـه هـو كتاب (المولد النبوي الشريف) لمؤلـف مغربي ـ عرفته جريدة (الميثاق) (*) لسان رابطة علماء المغرب « للشيخ المؤسس الإمام سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني، يحمل اسم ( النور الـرباني)، يتناول قصة المولـد بنفس صوفي عال مما عرف عن مؤلفه الراسخ القدم في المعارف الإيمانية، والمقامات الإحسانية.
والكتاب الجديد طبــع في أواخــر السنة الماضية، بتطوان، يقع في حوالي خمسين صفحة من الحجم المتوسط، وطباعته نقية، وإخراجه جميل...».
وإذا كان الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه أشرفت على طبعه ( مشيخة الطريقة الكتانية) ضمن مطبوعاتها لآثار الشيخ المنعم، وعملت على توزيعه بالمجان خدمة للفكـر المغربي الأصيل، تنويها بالمدرسة الصوفية النقية التي حافظت على مظاهــره، فإن ما كتبت عنه الصحف المغربية بالخصوص في إبانه يدعو القــارئ إلى المزيد من الاهتمام به، ويبرز ذلك فيما يلي حيث جاء في جريدة الميثاق الوطني:
أولا:
 « يكتسي أهمية قصوى بالنسبة للمدرسة الصوفية المغربية، ويتناول موضوعا هامـا من مواضيع السيرة النبوية الشريفة حيث يتطرق إلى
الحديث عن منزلة النبي عليه السلام بين الأنبياء والرسل.
كما يتطرق إلى النـبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه الطاهــر في قريش نسبا وموضعـا وجاها، ثـم مولده عليه السلام ووفـاة أبيه، ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث عن المغزى من الاحتفــال بعيد المولـد النبوي الشريف ونشر الدعـوة الإسلامية مشرقا ومغربــا»(1).
ثـانيا:
«... ثم إن الكتاب - تقول جريدة (الأنباء) - جاء ليغني المدرسة الصوفية المغربية بذخيرة فذة تعكـس تعلق السلف الصالح وتعمقهـم بجوهر الدين الحنيـف الذي لقي على هــذه الأرض الطيبة الأيادي الكريمة والمؤمنـة التي صانته، ومهدت أمامه طريق الوثوب إلى ما وراء البحار حيث الفتــوح الإسلامية العظيمة تعكـس إلى يومنا هـذا تعلق المغاربـة بأصـول وأعراف وتقاليـد دينهم، وكل ما يتصـل باحتفالاتهم لتخليد ذكـرى خاتم الأنبياء والمرسلين الذي نحتفل اليوم بميـلاده الشريف...(2) » صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
ثالثــا:
ويقول كاتب آخر عن الكتاب: «إن مؤلفه قد طلع علينــا بمصباح وهاج، وكنـز فريد، ومسلك فواح، تستقبله المهــج والأرواح قائلة: وهـل من مزيد؟ إنه قد خــاض غوص الماهرين في الأعمــاق، واستخرج لنا من الجواهـر ما يشوق وما يروق، وكيف لا وهو في الحضـرة المحمدية الشريفة حيث تكاثرت المحاسـن وانفردت، وفي الذات العلية تبلورت وتوحدت، فالتفريق في الشواهــد دلالة على وتريـة الواحد، فلا عداد ولا شكل، ولا جـرم أمام الجوهــر الحق الذي لا يدرك كنهه إلا هو، فالروح المحمديــة مرآة هويتنا، ومجلى أحدية اتحاد كثـرة طوبتنــا، وهو الباطن في بـدر اللاهوت والناسوت، والظاهــر في النقطـة الأصلية الأولية للملكوت، بل هــو عرش مستوى الذات الأقدس، ومجلى صفات مخبأة سر الأنفـس، فإذا سألت عن السـر في قدره، وجـدت سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم جامعــا للسر بأسره، وكل الكمـال المتفرق عبارة عن حسنه المجموع. فلقد تربت روحــه في حجاب ( واصطنعتك لنفسي) وتغذت بلبان (أبيت عند ربـي)، وتربت بعنايـة (أدبني ربي فأحسن تأديبي) في كلية (وعلمناه من لدنــا علما... بل هو قرءان مجيد في لوح محفوظ)، كيف لا وقد كان خلقه القرءان، وكان نبيا وآدم منجدل في طينتـه ( فأوحى إلى عبده ما أوحى، وما زاغ البصـر وما طغى»(3)
                                                   * * *
وهكذا، ونظــرا لأهمية موضوع الكتاب فإنني أرى مـن المفيد أن ألخـص موضوعه في أبـرز صورة حيث يتناول الشيخ الكتانـي مواضيع السيرة النبويـة بنفس خاص ينطلق من مدرستــه العلمية الصوفية السلفية الخاصة الـتـي جددت هـذه المفاهيـم، فيتطرق إلى الاختيار الرباني للنبي الرسول عليه الصلاة والســلام، ثم يتناول منزلتـه بيـن الأنبياء والرسل، في حين يتحــدث عنه عليه السلام من جهـة أبيه الطاهــر الذي فاق كل العوالـم والمعانـي والمفاخـر، وشبه أمه من جهة أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعــا وجاها، ثم استفــاض في مولـده عليه أزكـى السلام ووفاة أبيه، مواصـلا مراحل بعثة النور الأقـدس، متدرجـا بنفس خاص مشرق، مشبع بأسلوب جميل جــذاب إلى الحديث عن المغــزى مـن الاحتفال بالمولد الشريف، ونشر الدعــوة الإسلامية مشرقا ومغربـا بالهداية للبشر، ونشر لـواء التوحيـد والمحبة والطهـر ملتزمـا منطلقه الأخــاذ... الذي يفيض إيمانا وحبا...
                                                   * * *
وإذا ما انتقلنـا مـع مؤلف كتاب (المولد النبوي) لنقتطف صورا من تصـور الكتاب الصوفي للمولد النبوي فإننا نجـده قد افتتح كتابه بهـذه الصـور الأخـاذة سواء من حيث عمقهــا، أو من حيث أسلوبهــا الأدبي الجميل، فيقـول في هـذا السياق:
الصـور الأولى:
«الحمد لله الذي أدار نقطـة خال الجمـال والجـلال على فلك مـجرة الهداية، وأفاض محاسن
محياه على منصة أنموذج الكمال، في سراقات غيب عرش العناية، فخلع عليه حـلل القرب والوصال، وأناط به رياض ملاحــة رونق الدلال، ونزهة في حيــاض جبروته قبل التكوين، وعرفه بأنه مجلى ظهور العين، ثم أجلسه على أطلس التعريف والتجريد، وأناله رقائـق الهوية والتفريد، فعصر من ماء معينه ماء روح الأرواح، في عصــر البروز من كاف كنزية بطون ظهـور المصباح.
ثم سـلخ منه سائر العوالم والأجناس، وشرف منهم خير أمــة أخرجت للناس، فكان عين جزء الجزء وكله، وكل البعض وقسمه وجله، وذلك لأنه صدفـة جوهـر عين الأزل، في نشر بطــون كمون غيب من لم يزل...»(4)
الصـورة الثانية:
«... ولما ولد المصطفـى صلى الله عليه وسلم راق العيش وصفا، وزهـق الباطل واختفـى، وظهــر مصباح الإيمان وما انطفى، وهب نسيم مولده في جميع الأقطـار، فاكتسب من نوره عزا وشرفا، كنسيم الأزهار، فلما هب بأرض فارس أطلقا النيران، فأول من نشقه سلمان، فجــاء يقطع المراحل والكثبان، حتى فـاز برؤية سيد الأكــوان، وأقـر بالوحدانية للرحمن، ولمـا فاح النسيم المعطار، حن لعرفه جميع الأنوار والأشجــار والأزهــار، فلو نشقه السقيم المزكـوم، والعليل المريض المشموم، لرحم به المرحـوم، وشفى به كل عليل...»(5)
الصــورة الثالثة:
لقد «... اختلف في أي يوم ولـد فيه النبي، فقيل يوم الثامـن، وهو الأصح المختــار عند أهل الحديث وغيرهـم من علماء الأمصــار، كما قاله قطب الدين القسطلانـي، والحميدي وابن حــزم، وحكى القضاعـي في المعارف، إجمــاع أهل الزريج عليه، وقيل يوم الثاني عشر، وأن فيه برز هذا السـر المدخـر، وهو قول محمد بن إسحـاق وغيره، وهو الذي شهره جمع من العلماء الأمجــاد بوسمه. قال ابن كثير: وهــو المشهور، وبه العمل، وهو قـول الجمهور، وبالغ ابن الجوزي وابن الجزار، فنقلا فيه الإجمــاع بما هو المختار، وذكـر بعض أهل الكشف والعيان، ممن له اليد الطولى في هاتيك السلوان، أنه ولد يوم السابع، فكان أجــل مولود وأفضل شافع. واختلف في الوقت الذي ولد فيه النبي المختار، أهـو الليل أو النهار؟ والمشهـور أنه ولد نهــارا، ولذلك أبقاه الله نيــرا منيرا جهارا، واختاره العراقي، وجـزم به ابن دحية الراقـي، وصححه الزركشي في شرح بردة المديح، صاحب العقل الرجيـح، والعلم الصحيح، لكن بعيـد الفجر الصادق، كما ورد به حديث ضعيـف ناطق، والمشهـور أنه ولــد يوم الاثنين، كما جـاء به حديث مسلم دون مين، وذهب بعض أهــل الكشف والإتقان، أنــه ولد ليلا، وآخــر ليلة السابع كالجمــان، وكان ظهــور هذا النور الرفيع، في شهر ربيع من فصــل الربيع، فهو أفضل الشهـور وأسنها، وأكثرها ضـوءا ونــورا وأبهجها، فيا شهـرا ما أشرفه وأوفو حرمـة لياليه، فكأنهــا للآلئ نظمت في مبانيـه، فسبحان مـن جعل مولـده للقلـوب ربيعــا، وحسنه بديعا رفيعا.
 يقــول لنا لسـان الحــال منــه       *    وقـول الحــق يعــذب للسبــــع
فوجهـي والزمـان وشهــر وضـعي *    ربيــع في ربيــع في ربيـــع»(6)
وهكـذا واصل المؤلف يتناول قصة المولد النبوي العطـرة حسب مراحلها وسيرة صاحـب الذكـرى، يعـزز ذلك بصحيح الأحاديث الشريفـة، ويدعمـه بتفسيرات كبار المفسرين وأئمـة العلماء الأعلام، بالإضـافة إلى ما يتخلل ذلك مـن أشعــار ذوي الاختصاص، وخـاصة منها ما هـو للمؤلف ومنها ما هو
لغيره، وكلهــا مقتسبة من أشهـر وأوثـق المصادر مما يلاحـظ القارئ بوضوح ويرتــاح إليه في بساطـة وارتياح.
                                                   * * *
وبعد، فكتاب ( المولد النبوي) للشيخ المؤسس محمد بن عبد الكبير الكتاني حلقة جديدة تضاف إلى الكتاب المغربي، خصوصــا وأن موضوعه جاء نتيجــة لتخصص الكتاب « بنفس عال مما عـرف عن مؤلفه الراسخ القدم في المعرفـة الإيمانية والمقامــات الإحسانية»، ممــا يدعو إلى الإعجــاب والتقدير، خصوصا بالنسبة للدارس لموضوع المولوديات(7) التي ضرب فيه المغاربـة على مختلف العصور بسهــم كبير له أهميته العلمية التي تدعــو إلى الإكبار والإعجــاب، وكم أتمنى أن تسمح المناسبة للعودة إلى هــذا الموضوع من منطلق مدرسته الرائعة.       

(*) ع: 377 ـ 10 ربيع الأول 1402هـ / 1982م، ص: 4.
(1)  عدد: (5 ربيع الأول 1402هـ /1982م ، ص: 6 و7).
(2)  جريدة « الأنباء» عدد: (12/1/1402هـ ـ 1982م ، ص: 6).
(3)  نفس المصدر عدد: 12/3/1402هـ ـ 1982م ، ص: 6 و7.
(4)  الكتاب: ص: 3.
(5)  أنظر الكتاب، ص: 37.
(6)  أنظر الكتاب، ص: 40-41.
(7)  أنظر ( مجلة الزيتونية) الصادرة بتونــس، ومجلة ( شؤون عربية) ع: 22 دسمبر 1982، ص: 33 والصادرة عن الجامعة العربية بتونس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here