islamaumaroc

الطب الأندلسي بين هفوة الإهمال وغفوة النسيان.-1-

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

طعـام الحميـة:
ورد في الأمـر أن « المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء». وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع». ويأتي في القرن العشرين، من العلماء من يؤكد هذا القول، ومن بينهم العالم الإنجليزي جير الدين(1)  براينت الذي قال ما معناه:
(كل ما تشتهي في اعتدال، لكن ـ وهذه لكن كبيرة ـ انه الأكل دائما، حينما تشعر أنك تستطيع المزيد قليلا)، ثم يضيف قائلا:
(في هذه الجملة الأخيرة، يكمن واحد من الأسرار الحقيقية للصحة، والجمال، ولطول العمر كذلك).
أجل، إن الغذاء الحميي:  Dietetics موضوع استحق من أطباء الأندلس، كل التفات واهتمام، لأن الأطباء هم في الحقيقة وقبل كل شئ، علماء في قوانين حفظ الصحة: Hygienists وهكذا نراهم يؤلفون الكتب العديدة في الأدوية المفردة، والمركبة، ويطرقون موضوعات التغدية الصحية، والمواد الغذائية، والأشربة،  وأصناف الطبيخ، لا بالطريقة الاختيارية E.pitie inetbod. التقليدية التي كانت قد تبنتها المدرسة القديمة، ولكن بطريقة الملاحظة: Observation  والخبرة: Experience معا.

مجلس اطباء أو « كوميسيون» طبي
تألف هذا المجلس في البلاد الأندلسية ليقوم بمهمتين:
أولهما: إجراء اختبارات على الذين يريدون أن ينصبوا أنفسهم لعلاج المرضى والكشف عن دوائهم، فكل من أراد أن يزاول مهنة الطب، عليه أولا أن يجتاز امتحانات اللجنة الطبية بنجاح.
والأخرى: إبداء الرأي في علاج الحالات المرضية المستعصية، وبخاصة تلك التي تصيب الخليفة، أو إحدى الشخصيات الهامة في البلاط الملكي أو الديوان الحكومي.
من ذلك ما يرويه العلامة ابن جلجل مـن أن الوزير أبا محمد عبد الله بن بدر، مرض ابنه محمد ـ ذات مرة ـ بقروح خبيثة شملت كل بدنه، فجمع الوزير لفيفا من الأطباء ، كان فيهم محمد بن فتح المعروف بـ «طملون» ـ وكان طملون هذا مولى لعمران بن أبي عمرو، طبيب عبد الرحمن الأوسط ـ فسألهم الوزير طالبا منهم أن يعالجوا ابنه من تلك القروح. وأبدى كل طبيب رأيه، ظل طملون صامتا، وكان الوزير لم يقتنع، فسأل طملون قائلا: «ماذا عندك؟ إني أراك صامتا». أجـاب الطبيب: «عندي مرهم ينفع هذه القروح مـن يومه» . مال الوزير إلى تصديق كلامه، فأمر بإحضار المرهم، فأحضره، وطلى به القروح كلها، فجفت من ليلتها، وصله الوزير بخمسين دينارا ، وانصرف الأطباء الآخرون بدون صلة.
أول مرض سري من الأمراض السرية المرض المعروف بالسيلان ـ واسمه العلمي Gonorrhoco والمرض المعروف بالزهري Syphlys وهما مرضان خطيران ، ساد الاعتقاد زمنا بأنهما أوروبيان، ولذا أطلق على كل منهما اسم «المرض الإفرنجي». لكـن يبدو أن أول حالة لمرض سري نشأت أو ظهرت في أوروبا حقيقة، لكن في بلاد الأندلس المسلمة.
كان الطبيب المعالـج لهذا المرض السري هو النطاسي أبو زكرياء ، يحيى بـن الطبيب إسحـق، كان يحيى مسيحيا فاسلم وحسن إسلامـه، أما والـده فلـم يسلم، كان أبو زكرياء يشغل منصـب طبيب الخليفة الأموي عبـد الرحمن الثالث (الناصر لدين الله)، ووزيره في نفـس الوقت، وقـد تقلب في مناصب أخرى عديدة.
كان المريض بالسيلان رجل بدوي أقبل راكبا على حمار يجره رفيق له، وصار يصيح في شوارع قرطبة بأعلى صوته:
ـ أدركوني! أدركوني ! تكلموا إلى الوزير بشأني!
سمع الوزير صراخ الرجل المتألم، فخـرج وقال لـه:
ـ ماذا بك يا هذا؟ أجاب الرجل المريض:
ـ أيها الوزير، ورم في احليلي، منعني البـول منذ أيام كثيرة، وأنا على وشك الموت.
 قال الوزير:
ـ اكشف عنه ... كشف عنه فإذا هو وارم.
قال الوزير لرفيق المريض:
ـ اطلب لي حجرا أملس، بحث الرفيق البدوي عن الحجر الأملس، فوجده وأتاه به.
قال الوزير:
ـ ضعه في كفك، وضع عليه الاحليل. فلما فعل، جمع الوزير يد، وضرب بها الاخليل ضربة أفقدت المريض وعيه، فغشى عليه، ثم اندفع الصديد يجري ... وما انتهى جـريان الصديد، حتى فتح الرجل عينيه، وبال في أثر هـذه العملية السريعـة الناجحة، وارتاح المريض.
قال الطبيب الوزير:
ـ اذهب،  فقد برئت من علتك، وأنت رجل عانث: واقعت بهيمة في دبرها، فصادفت شعيرة من علفها، لحجت (أي نشبت وعلقت) في عين الاحليـل، فورم لها، وقد خرجت الشعيرة الآن مع الصديد.
اعترف الرجل البدوي بفعلته، وأقر بكل استنتاجات الوزير، مما يدل على صدق حدس الطبيب، وسرعة بديهته، وجودة قريحته، وعلى صرامته أيضا، فقد ثبت أنه عاقب البدوي على فعلته.

من تخصصات الطب:
ـ طب العيون:
بدأ التخصص في الطب في وقت مبكر، ولكن ليس معنى هذا أن الأطباء لم يكونوا يعالجون مرضى العيون، بل كانوا يمارسون طب العيوب Ophthalmology وغيره، فهـذا الطبيب أحمد بـن يونس بن أحمد الحراني  وأخـوه عمر رحـلا إلى المشرق في دولـة الناصر سنـة 330 هـ (942م)، ومكثا هناك عشر سنوات، ودخلا بغداد، وقرأ على ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابئ، كتب جالينوس، وخدما (ابن وصيف)(2)  في عمل خلل العين، ثم عادا إلى الأندلس، واستخلصهما الخليفة الحكم المستنصر لنفسه وأسرته، ولما مات عمر، بقي أحمد محظيا عند الخليفة مؤتمنا لديه،  فكـان يطلعه على حريمـه وكرائمـه، وكان المستنصر أكولا نهما، فكانت تحـدث لـه تخمة لكثرة ما يتناول مـن الأكل، فكان الحراني يصنع له (جاورشتـــات)(3) حادة عجيبة، وافقت الخليفة، فأفـاد منه مالا كثيرا.
يقول ابـن جلجل عـن هذا الطبيب:
«ورأيت له اثني عشر صبيا صقالية، طباخين للأشربـة، صناعين للمعجونات بين يديـه، وكان يعطي منها ـ بإذن الخليفة ـ مـن احتاج اليها من المساكين، والمرضى،  كما كـان يداوي العين مداواة نفسية، وله بقرطبة آثار في ذلك ... وكان يواسي بعمله وفنـه، صديقه وجـاره، والمساكين، والضعفاء، وبعـد ذلك توفي وترك ما قيمته أزيد من مائة ألف دينار».
ومـن أطباء العيـون المختصين الوزير أبو المطرف عبـد الرحمن بن محمـد ابن وافد المتوفى سنة 466 هـ (1074)، فقد ألف في هـذا الفـن كتابة القيم الموسوم «بكتاب تدقيـق النظر، في علل حاسة البصر».
وممن برز في ميدان طب العيون وصلى، بل بز اقرانـه وجلى، ونال فيه شهرة فائقـة، الطبيب محمد بن قاسم (أو قسوم) بن اسلم الغافقي، الذي ألف كتابا خاصا بأمـراض العيون ـ كما فعل ابن وافد ـ وسماه « المرشد في الكحل»، ويوجد مخطوطا في مكتبة الأسكوريال باسبانيا، ويحمل الآن رقما حديثا، هو 835، وكان رقمه القديم 830.
ولأهمية هذا الكتاب الذي بعض صفحاته بأدوات جراحية طبية، اخترعها مؤلفه ليستعين بها في علاج مرضاه (أنظر الشكل رقم 2)، نخصه بالحديث التالي:
يذكر الغافقي، أن الداعي لتأليف كتابه (المرشد في الكحل) هـو أنه وجـد كتب أسلافه الأولين ناقصه غـير مكتمله. ويعين أولئك الأسـلاف بالإسم، فيذكر حنين بـن إسحاق العبادي بفتـح العين وتخفيف الباء (194 ـ 264 هـ /810 ـ877 م) وعيسى بـن علي أجل تلاميذ حنين، والطبيب الخـاص للخليفة العباسي المعتمد على الله أحمد بن المتوكل، ثم الرازي، وابن سينا، وعمر بن علي، وأبا القاسم خلف الزهراوي.
أما مضمون الكتاب، ومحتوياته، فيجملها المؤلف في ستة أقسام.
الأول: يتحدث عن كتاب الإيمان: Juramento لمؤلفه أبقراط ، وعن العناصر.
الثاني: يبحث في تشريح: Anatomy الرأس والعين.
الثالث: يتحدث عن قوانين حفظ الصحة: Hygienics.
الرابع: يعالج الأمراض بصفة عامة.
الخامس: يذكر الأدوية، وطرق الحفاظ على صحة العين.
السادس: يبحث في أمراض العيون، وفي علاج تلك الأمراض.

ـ علـم التوليـد:
ومـن التخصصات في الطب أيضا، طب الأطفال: Pediaria وعلم التوليد: Obstrics. ويمكن القول بأن هذين العلمين ولدا بولادة كتاب هام للطبيب الأندلسي المعروف عريب بن سعيد الكاتب، القرطبي (ت. 369 هـ ـ 890م). لقد سمي كتابه بهذا الإسم الرائع:  
 (كتاب خلق الجنين، وتدبير الحبالى والمولدين)، وتوجد منه نسخة في مكتبة الأسكوريال. وقد انتهى مؤلفه منه قبل وفاته بنحو 5 سنوات.
ويدرس هذا الكتاب العجيب، الموضوعات التالية موزعة على خمسة عشر فصلا هكذا:
المني ـ نوعه ـ وسائل تحسينه وتكثيره ـ أسباب العقم ـ كيفية التعرف على ما إذا كان الجنين الذي في الرحم ذكرا أو أنثى ـ لماذا تزيد أعضاء الجنين أو تنقص؟ ـ الوقت الذي يمكثه الجنين في بطن أمه ـ الذي يحدث في الأيام الأخيرة مـن الحمل ـ نظام تغدية الحبالى ـ العلامات الأولى لمخاض ـ سهولة الولادة ـ نظام تغذية النفساء ـ وفرة الحليب ـ الرضاعة ـ كيفية المحافظة والتوجيه لصحة المولود ـ النمو والتحولات التي تعتريه ـ التسنين  ـ طريقـة عـلاج اختلالاته والأسباب التي تحدثها ـ التدبير الغذائي الذي يجب اتباعه قبل التسنين وبعده حتى سن البلوغ.
ويجـدر بالملاحظة، أن علـم التوليد، وعلم أمـراض النساء: Gynaucology ، ظلا ضعيفين، للأسباب المانعة من كشف العورة ... ولكـن هذه المشكلة أمكن التغلب عليها ولو بصـورة جزئية، ذلك أن القابلات، هـن اللائي كـن يحضـرن عند النفاس، ويتولين التوليـد بأنفسهن، بينما كان الأطباء المختصـون يقتصرون على تقديم النصائح لهن عـن بعد، ويرشدونهن أثناء الولادة، فكانت القابلات تقمن بعمليات خطيرة الشأن:
ـ منها تصحيح وضعية الجنين في الرحـم، وتقليبه تمهيدا ولادته بكيفية سليمة.
ـ ومنها القيام «بالعملية القيصرية»(4)  الشهيـرة، التي كثيرا ما يزاولها هذه الأيام بعض من يتكلبون على جمع المال، مع أنها لا ينبغي اللجوء إليها إلا بعد استنفاذ كل الوسائل الأخرى المجدية.
ـ ومنها تشريح جثة الجنين، وتقطيعها إربا إربا، عندما يقضى في بطن أمه، أو عندما تكون الولادة مستحيلة، نظرا لضيق حوض الأم، أو لغير ذلك من عوامل النقص في التكوين الجثمائي للولادة.

(1)  . Paer Cyclopaedia: Health and Beauty, P 700 Fitry-seventh edition, lileworth, Near London Wilbout date.
(2)  ابن وصيف الثابي كان طبيبا حاذقا في طب العيوب، ولم يكن في زمانه أعلم منه فيه، ولا أكثر مزاولة له منه.
(3)   جمع جلورشن، بمعنى الهاضم، وقد عربه البعض فقالوا جورشا ـ يفتح الجيم وحذف النون ـ وجمعه اللغويون في جوارش، ولكن صيغتي التعريب هاتين قل من يستعملهما.
(4)   Caesarean Operation هي عبارة عن استخلاص الولد أو الجنين، واستخراجه من رحم أمه، بعد القيام بعملية فتح جدار البطن، وخياطته بعد الولادة، نسبت العملية إلى الحاكم الزوماتني يوليوس قيصر (100-44 ق. م.) الذي ولد بوساطتها يوم 12 يوليوز ـ  شهرة المختار ـ من السنة المائة قبل الميلاد المسيح عليه السلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here