islamaumaroc

نظرات في كتاب "المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف"، تأليف عبد الحق بن إسماعيل البادسي

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

من الكتب التي نشرتها المطبعة الملكية بالرباط في هذه السنة أي سنة 1982 كتاب (المقصد الشريف والمنزع اللطيف بصلحاء الريف) تأليف عبد الحق بن إسماعيل البادسي المولود سنة 650 هجرية والذي كان حيا سنة 720 هجرية.
وقد حققه الأستاذ الفاضل السيد سعيد أحمد أعراب معتمدا في ذلك على أربع نسخ توجد ثلاثة منها بالخزانة العامة بالرباط، والرابعة كان قد استعاره من السيد اليزيد بن صالح باشا تطوان سابقا، وقد عمد إلى تصحيح كلماته وإلى تفسير بعض إشاراته وتحديد زمن بعض أحداثه، وذيل عمله بفهارس متعددة تقرب الإفادة وتغني القارئ في بعض الأحيان عن الإعادة.
والكتاب يهتم بحقبة معينة تصل أواخر القرن السادس بأوائل القرن الثامن، فمؤلفه ذكر أنه سيجعله من عهد أبي مدين الغوث دفين الجزائر إلى زمن تأليفه المؤرخ بالسنة الحادية عشرة بعد السبعمائة، ويريد بالريف ما بين مدينة سبتة إلى تلمسان وهي مسافة مكانية كبيرة ضمت عددا من القبائل ونبع فيها عدد من الأدباء والعلماء والصلحاء والمجاهدين نظرا لطبيعتها ولارتباطها بالحدود الشمالية والشرقية التي كانت ممرا إلى الأندلس من جهة، وإلى الجزائر والبلاد الشرقية من جهة أخرى.
هذا وأن تحديد منطلق المدة الزمنية من تاريخ أبي مدين لدليل على التواصل الروحي الموجود بين منهاج هذا الرجل الصالح وبين منهاج المدرسة الصوفية  التي نشأت قرب الحسيمة بالرابطة التي أسسها أبو داود مزاحم بن علي بن جعفر، فلقد اجتمع أبو داود هذا بأبي مدين بالأندلس قبل خروجه منها وتأثر به واحتدى بسيرته واقتدى بسلوكه وعزم على بناء رابطة ببلاده بجعلها على شاطئ البحر تحمي الحدود وتقوي الإيمان وتجمع الراهبين في العلم وفي الجهاد.
إن أبا داود أصبح الشعار العملي الذي يميز مدرسة صوفية معهودة لدى الخاص والعام وكان النموذج ألحق الذي يعتز به مريدوه وأصبحت زاويته نبراسا يستضئ به أهل الريف، لذلك كان عبد الحق البادسي وهو يؤلف كتابه عالما بهذه الغاية شاعرا بهذا الموقف، فبدأ التراجم بذكره وأعقبها بذكر تلامذته وبعض أفراد أسرته.
توفي أبـو داود هذا سنة ثمان وسبعين وخمسمائة هجريـة في عهـد ازدهار الدولـة الموحدية، وكان أهل الريف يعرفون قيمته الروحيـة ويعتزون بأخلاقه وعلمه وسلوكه ويفتخرون بذكر كراماته، فهم يذكـرون أن النصارى أمروه فأركبوه سفينة تحمله إلى بلادهـم فإذا بالسفينة يتعدر عليها الذهـاب ويحبسها الريح فلم يجدوا بدا من أن يستسمحوه وأن ينزلوه هو ومن أخذوه من الأسرى اعترافا منهم بفضله وتيقنا بأن ما حصل لهم لم يكن إلا من أجل اعتدائهم عليه، كما يذكرون أن الخليفة الموحدي قد أصيب بمرض من الأمراض الخطيرة ولم يتيسر له الشفاء إلا حينما استقدم أبا داود مـن بلاده إلى مراكش، فإذا بالخليفة يشفى بمجرد وضع لمسات من ريق الشيخ على جسده.
وأن أمثال هذه الكرامات لتزخر بها كتب المغاربة في هذه الحقبة، ولا يخلو كتاب البادسي من ذكر عدد كبير منها إلا أنه أحس بأن وجودها قد يدفع أهل الانتقاد إلى الطعن فيها وإلى تجريح رواتها، فرأى من الضروري قبل البداية في ذكر التراجم أن يخصص بعض الفصول للتعريف بالتصوف وللتحدث عن الكرامات ولإبراز مدى ارتباطها بالإيمان، فهي أمر جائز الوقوع تحدث للإنسان بعض مجاهدات، ولا تقل في مظهرها عن المعجزات، إنما الفرق الوحيد بينهما أن المعجزة تكون للتحدي ولإبراز حقيقة النبوة، وأما الكرامة فهي هبة لا ارتباط لها بالتحدي، ولكنها تدخل في باب قبول الدعوات.
ولهذا الغاية قسم كتابه إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول في المقامات والكرامات.
القسم الثاني في إثبات حياة الخضر عليه السلام؟
القسم الثالث يتضمن التعريف بالمشايخ الأجلة مـن صلحاء الريف.
وإنما مهد للقسم الثالث بالقسمين الأولين ليبرر ذكره للكرامات في القسم الثالث كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فهو قد أكثر فيه من ذكر خوارق العـادات مما لا يستطيع الإنسان قبوله إلا إذا كان قد امتلأ قلبه بالاستسلام وأصبح يقبل الأحوال دون أن يطلب دليلا أو يلتمس برهانا أو تعليلا.
وهو في القسمين الأولين كان يتحدث بنفس عال يدل على قدرة فائقة في الميدان العلمي، وعلى خبرة بالدراسات القرآنية وعلى اطلاع على كتب الصوفية، ويحاول أن بوازن ويستدل حسب إمكاناته، وكان يستغل أحيانا الاتجاه المنطقي في إظهار بعض التناقضات التي تظهر عند المتطرفين من الصوفية القائلين بالاتحاد أو الحلول أو الفلاسفة أو عند بعض أهل التوفيق الذين كانوا يسعون في الربط بين آراء الفلاسفة وبين التصديقات التي لا ينفع فيها إلا الإيمان المطلق والاعتقاد النزيه.
فلننتظر مثلا إلى موضوع أشار إليه يتعلق بالروح الكلي وعلاقته بالأجسام البشرية، فهو قد تحدث عن رأي الغزالي في كتاب التفتح والتسوية، فقد ذكر أن الغزالي يقول (32) أن الروح الكلي ليس بداخل في العالم ولا خارجا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه، لأن من شرط الدخول والاتصال والانفصال الجسمانية والروح الكلي ليس بجسم، فهو غير قابل للاتصاف بذلك، كما أنه ليس يقال في الحجر لا جاهل ولا عالم، إذ من شرط العلم والجهل الحياة والروح الكلي جوهر بسيط يلقى إلى الأجسام البشرية من نوره ما تلقيه الشمس من شعاعها إلى المرأة الصقلية فهي واحدة في نفسها، متعددة في غيرها.
ويذكر البادسي أن قول الغزالي هذا تأثر به أحـد العلماء المشهورين بالمغـرب آنذاك وهو العالم عبد الجليل بـن موسى القصري المنسوب إلى قصر كتامة، وكان عالما بكتاب الله، يقره في مجالسه وترد عليه وفود الطلبة من المشرق والمغرب ويتعمق في الدراسـات الصوفية، وله قـدرة على تحليل ما يتعلق بأسماء الله الحسنى، وكان من الموضوعات التي يتحدث عنها موضـوع الروح الكلي وعلاقته بالأجسام ويشير فيه على رأي الغزالي هـذا، لكن البادسي يقول (33) وما قالـه أبو حامد وعبد الجليل في الروح الكلي باطل، وإنما استند قائله إلى الحـدس والتخمين، ويحقق بطلانه أنه لو كان كذلك لما تميزت النفوس بعد موت الأجسام ولا ترتب عليها حكم في الثواب ولا في العقاب، فإن الروح الكلي واحد على زعمهم، وإنما تعلقت أجزاء من نوره بالأجساد، فعند ذهاب الأجساد بقي الروح الكلي كما كان متحدا.
ويريد المؤلف أن يصل إلى أن الوضع الطبيعي هو أن تكون هناك استقلالية في خلق أرواح مرتبطة بأجسام تتصل بها عند الخلق، فإذا انفصلت بالموت بقيت في البرزخ تتعذب إن كانت منفصلة عن العاصين وتتنعم إن كانت منفصلة عن المحسنين، فإذا كان يوم النشر ردت إلى أجسادها، وحينئذ ينعم الجميع أو يشقى الجميع.
والظاهر أن هذه التأويلات ذوقية لا مجال للاستخدام العقلي فيها، وما يبلغه العقل يبقى دائما متصلا بالإحساس الذوقي الذي يسيطر على المؤمن وعلى تصور ما يلقاه، فليس من الضروري حصر الصورة التي يكون عليها التواب والعقاب، إنما الشئ الضروري هو الإيمان بالبعث وبالنشر وباللجوء إلى الثواب والعقاب وقانا الله شر الدار الآخرة وجعلنا عنده من المكرمين.
والمؤلف إنما ذكر هذه الجزئية المتعلقة بالروح الكلي لأنه وجدها المنطلق الذي سار عليه عبد الحق ابن سبعين الصوفي الشهير الذي كانت له زاوية بسبتة فنفـى منها في القرن السابع بسبب أفكاره، وكان المؤلف ينتقده ولا يرى فيه إلا المعاني المنيرة.
إن ابن سبعين هذا كانت له رؤى فلسفية جعلت كلامـه غامضا في بعض الأحيان، وقد أشار إليه البادسي في كتابه وتحدث عنـه حديث الحنفيين الذين كانـوا يرون فيه المفسـد الضل و لا يرون فيه المتصوف المجتهد، ولقد نبه إلى أن له مـؤلفات منها كتيبه الصغير الذي سماه الفقيرية وكتاب آخر سماه بدر المعارف.
وفي الفقيرية قال: الفقير ليس متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخلا فيه ولا خارجا منه ... وعلق المؤلف على هذا القول بقوله: وهذا من الكلام الخلف الساقط الذي لا يفيد حقيقة. والفقير هو جسم محدث ذو روح محدثة، وهو جزء من العالم داخلا فيه ومتصلا به، وإنما سرق ذلك المعنى من قول أبي حامد الغزالي في كتاب النفح والتسوية في الروح الكلي ...
ومناقشة البادسي لابن سبعين إنما هي داخلة في مناقشة عقلية لتعبيـر رمزي، ولا يمكن أن يتصل العقل مع الرمز في شئ لأن مسالك الاتصال تكون متشبعة منعدمة المنافذ، ولعل ابن سبعين إنما كان يقصد أن الفقير الصوفي متوجه إلى الله بانجذاب إليه من غير اعتداد بوجود ولا ارتباط بموجود، فهو بالنسبة لأعماقه كان منفصل عنه، وبالنسبة لظاهرة الجسماني الذي يقتضي الوجود كأنه غير محق، فوجوده وعدمه سواء بالنسبة لظاهر الكون لا بالنسبة لحقيقة الجزم، فالتناقض هنا لفظي،  فشتان بين الاتصالية والانفصالية في المنطق الصوري وبين الاتصالية والانفصالية في الاتجاه الصوفي الذي سار عليه أمثال ابن سبعين رغم اعتزازه بالمنطق في صوفيته أو الذي تصوره الغزالي في الروح الكلي أو الذي تذوقه الفقيه عبد الجليل بن موسى فقال به.
إن الكل مقبول إذا زالت الضغائن وصفت القلـوب وسلمت النيات وعرفت الاتجاهات وحددت الاختصاصات فإن المشكل هـذا لا يتعلق بالموضوع وإنما يتعلـق بأهله، ومن أراد أن يحاسب قوما بمنطق لا يتصل بمنطقهم لا يصل إلى الحقيقة أبدا، ولقد نبه إلى هذه الجزئية فقيه الصوفية أحمد زروق فقال في قاعدته التاسعة والخمسين: تعدد وجوه الحسن يقضي بتعدد الاستحسان وحصول الحسن لكل مستحسن، فمـن تم كان لكل فريق طريق، فللعامي تصوف حوتـه كتب المحاسبي مـن نحا نحوه وللفقيه تصوف رامـه ابن الحاج في مدخله، وللمحدث تصوف حام حـوله ابن العربي في سراجه، وللعابد تصوف دار عليه الغزالي في منهاجه، وللمتربض تصـوف نبه عليه القشيري في رسالته، وللناسك تصـوف حـواه القوت والإحياء، وللحكيم تصوف أدخله الحاتمي في كتبـه، وللمنطقي تصـوف نحا إليه ابـن سبعين في تأليفه، وللطبائعي تصوف جاء به البوني في أسراره، وللأصولي تصـوف قام الشاذلي بتحقيقه، فليعتبر كل بأصله مـن محله وبالله التوفيق.
إن الاتجاهات الصوفية قد تعددت مشاربها واختلفت شروحها ودفعت بعض المهتمين بها إلى الاعتزاز بطرفهم وإلى مؤاخذة من سار على نهج يخالف نهجهم لأنهم كانوا يرون البساطة في العبادة أولى من التعمق والإيمان المنقاد أولى من البحث والتأويل، وظنوا أن أي بحث عميق غامض قد يشكك الناس في دينهم أو يبعدهم عن جادتهم، ومن هؤلاء البادسي، مؤلف هذا الكتاب الذي نتحدث عنه، فهو قد ذاق ذرعا بابن سبعين وعدة من المخالفين.
ومن المعلوم أن المحقق كان يشير إلى أوزان الأشعار في هذا الكتاب، ولكنه لم يكن يوفق في بعض الأحيان إلى معرفة حقيقة أنغامها. ومن يتبع الأشعار المستعملة في هذا الكتاب فسيرى أن أكثرها كان متصلا بالبحر الكامل ذلك الوزن الذي يحسن في الموضوعات الصوفية نظرا للامتدادات الصوفية التي فيه وللإيقاعات المتلائمة مع ابتهالات الصوفية في أشعارهم وشعاراتهم.
وأما استعمال غير هذا الوزن فلم يكن بالكثير من المقطوعات التي ذكرها إثر ترجمة صالح من الصلحاء المذكورين في الكتاب وهو أبو مروان عبد الملك الوجانسي قوله ص 102.
شمـس العلـوم يا لها مـن  شمس      *       تبـدو فتلعـو لـم لـيس  شمـس
يا رائمــا شيهـا لهـا قياســا            *       هيهـات ليس اليـوم مثـل  الأمس
للحـــق سـر بالـغ يـــراه              *       مـن كـان خلوا من محاق الطمس
وكـل سـر غـامض  فشـــئ           *       بينـه معنى الصــلاة الخــمس
فعالـم الأخـرى غـدا  سعــيدا         *       وعـالم الدنـيا هـوى في الزمـن
مـن ضـل يبقـى رفعـه  ينقص        *       كـان كبـاغي كوكـب  يلمــس
فـذا وذاك فـي القيـاس قطــعا         *       ضـد أن ليـس البدر شبه  الشمس
وهذه الأبيات من الرجز إلا أن الشاعر أكثر فيها مـن الزحافات ونوع فيها من التغيرات، ولم يتقيد فيها بالقوانين المتبعة في هذا البحـر، فهو قد جاء بالعـروض في بعـض هـذه الأبيات مقطوعة لخير تصريح وأضاف إلى القطع خبنا في أبيات أخـرى،  وكذلك فعل  في الضرب أيضا وحين القطع لم يستعمل الردف الذي يخلق الانسجام الصوفي المألوف ولعله استغنى عنه بالتزام الميم قبل السين المهموسة وبسبب مـزج القطع بالخبن وعدم الاكتفاء بصورة شعرية موحدة.
ولعل هـذا التنويع وهذا الخروج عن المألوف هـو الذي جعل الاستناد المحقق يظن أن هذه الأبيات من السريع مع أنها ليست منه، لأن السريع لا يختم بما يختم به الرجز، فالتفعيلتان الأوليان متحدثان، لكن التفعيلية الثالثة في كل شطر ليست كذلك فعروض السريع تأتي على الشكل الآتي: فأعلن أو فعلن، واضربه تاتي على وزن فاعلان أو فاعلن أو فعلـن، ولا يكون الشبه بين الـرجز والسريع إلا في مشطور السريع إذا كان مكشوفا، فإنه يصبح شبيها بالرجز إذا كان مقطوعا، وهـذه الصورة لا تتحقق هنا لكون الأبيات غير مشطورة.
وعلى كل حال فإن البادسي رغم عنايته بكتب المعري واستدلاله بشعره ومحاولته تقليده في لوزم ما لا يلزم، فإن شعره لم يكن قويا إلا في بعض المقطوعات، ولكنه في النشر كان يحاول أن يظهر أقوى، وكانت عادته فيه أن ياتي به في مقدمة تراجمه مسجوعا وأن يربط الفواصل باسم الشخص الذي يكتب ترجمته أو يصف رسمه حسب تغييره المستعمل فهو كان يرى أنه بعمله هذا يرسم شخصية الذين يتحدث عنهم ويقدمها في لون براق يسر الناظرين.
من ذلك مثلا قوله في رسم أبي داود رأس الرابطـة الموجودة قرب الحسيمة وأمام هذه الفئة التي جعلها منطلق الحديث في كتاب هـذا ... فأولهم القطب العارف الولي ذو الفضـل الظاهر الجلي والقدر السمي العلي النائـط في جيد الإجادة  أسنـى حلي الذي كف اجتهاده من الراحة صقر خلى جابر الكر والمنقـذ من الأسر المتعطف الراحم أبو داود مزاحم كان رحمه الله من كيس الكرامات منفقا. وبذوي الرياضة مرفقا وعلى المحتاجين مشفقا، وقـد قيل أن التصوف إشفاق وإرفاق، وقد توفي أبو داود هذا سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
وأبو داود هذا هو جد إبراهيم بن عيسى الذي ترجم له المؤلف أيضـا وتحـدث عن أسره في أيدي النصارى وعن جهاده ورباطه  بالرابطة المذكورة سابقا وقد قال عنه في كتابه: ومنهم للعابد الزاهد المرابط المجد الجاهد المراقب الشاهد الذي قام له في التلاوة أعـدل شاهد المـد من على تلاوة المحكم الناطق بالحكم الحاج إبراهيم بن عيسى بن أبي داود، اختصر الإقلال، واقتصر على أكـل الحلال، وقد قيل أن التصوف اقتصار واختصار.
وفي ترجمتـه قال: قال أبو عقيل كان الحاج إبراهيم لا يفتر عـن تلاوة القرآن ليلا ولا نهارا، ولا في قيامه ولا في قعوده ولا في مشيه، وعاش رحمه الله تسعين سنـة وتوفي سنـة خمسين وستمائة، وكان مولده سنة ستين وخمسمائة، وكان تركه أبـوه داود في ثماني عشرة سنة ومات  أبـوه داود سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
ونحن نلاحظ اضطراب الكلام بسبب زيادة ها، بعد كلمة (أبو) وهكذا لأن الكلام لا يستقيم إلا بحذفها، فيقال وكان تركه أبو داود ... ومات أبو داود ... لأن أبا داود جد لإبراهيم هذا، لا أب له ولم ينتبه المصحح إلى هذا الخطأ بل زاد في تعقيده حينما تعرض إليه في جدول تصويت الأخطاء.
وينبغي للقارئ ألا يظن بتعرضنا لبعض الملاحظات حول تحقيق الكتاب أننا نستصغر عمل الأستاذ المحترم السيد سعيد أعراب بل الأمر الواقع يقتضي تقدير المجهود الذي بذله المحقق حينما أخرج كتابا من الكتب التي تصور حياة إقليم من أهم الأقاليم المغربية في حقبـة من التاريخ كان هذا الإقليم فيها مضطربا غير مستقر تتطلع إلى حكمه قبائل شتى إلى أن يسـر الله أبناء عبد الحق المريني الذين فكروا جديا في ضم هـذا الإقليم إلى الوحدة العامة وأن ينافسوا أبناء أعمامهم من الوطاسيين الذين تحكموا فيه في أواخر عهد الموحدين.
ومن الذين استطاعوا إقرار الحكم المريني في الريف يعقوب بـن عبد الحق الذي هيمن على البلاد ووحد بين أجزائها وغزا الأندلس لإقرار حكـم المسلمين بها ولإعانة بني الأحمر في مواجهة الحكم الصليبي في كثير من الأحيان.
ومن المعلوم أن يعقوب هذا كان له اتصال وثيق بسكان الريف ، فأمه أم أيمن هي من قبيلة بطوية، وقد ورد في الاستقصـا للناصري أنها رأت وهي بكر كأن القمر يخرج من قبلها حتى صعد إلى السماء وأشرق نوره على الأرض فقصت رؤياها على أبيها فسار إلى الشيخ عثمان الورياغلي فقصها عليه فقال إن صدقت رؤياها فستلد ملكا عظيمـا فكان كذلك.
إن هذه القصـة تمثل الاتجاه السائـد في معتقـدات الناس آنذاك فهم يؤمـنون بالكرامات ويثقون في تأويل الأحلام، ومن الصعـب انفصـال الجوانب السياسية عن المعتقـدات  السائدة في المجتمع، وهـذا هو السر الذي جعل كتاب البادسي مليئا بأمثال هذه الحادثة عند مختلف الذين رسم صورهم أو تحدث عن سلوكهم وأخلاقهم.
وبعد فهذه النظرة التعريفية بهذا الكتاب ضرورية للاطلاع عليه وعلى معرفة قيمته في المكتبة المغربية المحتاجة إلى إبراز هذه الكتب وإلى دراستها دراسة معمقـة تجعلها مصورة للطابع الثقافي والفكري والسياسي الذي تمثله في زمانها والذي تضئ به السبيل أمام النقاد والدارسين ليفهموا بواسطتها ما يروج في الكتب التي تتحدث عن تاريخ المغرب وعن ازدهاره الفكري، فليس من الصدفة أن نجد الحديث عن الفلسفة والتصوف  والعقائد وأنواعها في هذا الكتاب، فالمؤلف عاش بنفسه ضروبا من المناقشات حول كثير من النظريات التي لا يمكن فهمها على حقيقتها إلا إذا علمنا ما كان يسود منها في هذا العصر الملئ بالجهود الفكرية وبالمؤلفات الصوفية المؤمنة بالكرامات وخوارق العادات مثل كتاب البادسي هذا الذي يزخر بها في مختلف الرسوم التي رسمها سواء للعلماء أو لغيرهم ممن اشتهر بالفضل والصلاح والجهاد والكفاح رحمهم الله جميعا وجعل لنا من روحهم ما يدفعنا إلى الأمام وما يعهد لنا حسن الختام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here