islamaumaroc

الزيات والرفاعي ورسالتهما: [كتاب] "دراسات في الصحافة الأدبية"، لمحمد سيد محمد

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

الزيات والرفاعـي  ورسالتهما
* * أما الزيــات فهو أديب العربية الأكبر، وأميــر البيان في العصر الحديث. المرحوم أحمــد حسن الزيات أحد بلغاء القرن الرابع عشر الهجــري   في مصر والوطن العربي. وأمـا الرفاعي فهو الأستاذ عبد العزيز الرفاعي الكاتب والأديب والمحقق الكبير أحد نبغاء المملكة العربية السعودية وصاحب (دار الرفاعي للنشر والطباعة والنشر والتوزيع)، وأمـا رسالة الأول، فهي مجلة (الرسالة) التي كانت  وحدها (جامعة للدول العربية) قبل إنشاء الجامعــة الحالية بعقد ونصـف من الزمــن والتي تخرج منها معظم أدبــاء وشعراء وكتاب اللغة البارزين من جيـل الرواد في البلاد العربية جميعها دون استثناء. وأمــا رسالة الثاني، فهي الدأب المستمر على نشـر المؤلفات القيمــة واتاحــة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للوقـوف على تراث آبائهــم وأجدادهم ناصعــا مشرقا ممهــدا للقراءة والاستيعاب والفهــم والاقتداء به في حياتهم الجديــدة. وهي رسالة الناشــر المثقف الواعي لمسؤوليته المدرك لأمانــة الفكر والقلم والعلــم المقدر لحاجــة الناس إلى الكتاب القيم النفيس الذي فيه غــذاء العقل والقلب والروح.
ولقد تلقيت من الأستاذ الجليل عبد العزيــز الرفاعي الكتاب الأول من السلسلة الجديدة التي بدأ في إصدارهــا والتي تحمل عنوان ( دراسات الصحافة الأدبية) وهو المؤلف الدكتور محمد سيد محمد وموضوعـــه ( الزيات والرسالة). والكتاب جـد نفيس ومثير للفضول العقلي، فيه من الجـدة والجدية والجهـد العلمي الرصين القدر الوافي، وله من القيمــة والنفاسة الحظ الوافر، ويقع في 225 صفحـة من القطع الكبير، ويستمد الكتاب أهميته من الموضوع الذي يعالجــه، فهو دراسة تحليلية معمقة لمجلة كانـــت رائدة في الصحافــة الأدبية ومدرسة قل نظيرها تخرجت منها أجيال متعاقبـة من حملة الأقلام  الذين كان لهم الفضـل الكبير في إثراء الحيــاة الأدبية والفكرية في البــلاد العربية، وعلى مائدتهـم نعيش  اليوم سواء اعترفنا بذلك أم لم نعترف.
لقد كانت مجلة (الرسالة) لصاحبها أحمــد حسن الزيات رحمه الله نمطا فريدا في الصحافــة العربية. وأعتقـد أن ذلك يعــود إلى طبيعة الجيل الرائــد الذي ساهم في إنشائها وواكبها بإنتاجه الغزير. فقـد كتب في (الرسالة): العقـاد،  وطه حسين، والمازنــي،  وأحمد أمين،  وزكي مبارك،  وعبد الحميد يونــس، ومحمود محمد شاكــر، وتوفيق الحكيم،  ومحمـد عبد الله عنــان، وسعيــد العريان،  ومصطفى صادق الرفاعي،  وسيد قطب، ومحمــود تيمور، ومحمد فريد أبــو حديد، وعبد الوهــاب عزام، وعبد الرحمن شكري،  ومصطفى عبد الرزاق، ومصطفى مشرفة،  والعوضــي الوكيل، وعلي محمود طه، ومحمـد عوض محمد، ومحمـد خلاف. وهؤلاء كلهم رواد يشهــد لهم بالسبق والفضــل والأثــر العميق في الأدب والثقافــة والفكر، وهــم أساتذة الأجيال التي ترعرعت في البلاد العربية منذ الثلث الأول من القرن العشرين.
وتخرج من مدرسة (الرسالة) عــدد كبير من الأدباء والكتاب والأساتذة الكبــار مثل: دريني خشبة، وأنــور المعداوي، وعباس خضر، وعبد المنعم خلاف، ومحمـد عبد الله عنان، ومحمـود الخفيف، وعلي الطنطاوي، وأنــور العطار، وزكي نجيب محفوظ. ومن الأدبيات والشاعـرات سهير القلماوي، أسماء فهمي، زينب الحكيم، جميلة العلايلـي، وداود سكاكيني، ميسرة توفيق، نعمات فؤاد.
ولا يمكن الحديث عن مجلـة ( الرسالة ) دون عـرض لحياة منشئها الكبير الأستاذ أحمـد حسن الـزيات. وقـد أوفى المؤلف هــذا الجانب مـن الكتاب حقـه، فقـدم ترجمــة شاملـة لحيـاة الزيات (2 ـ 4 ـ 1885) (11 ـ 6 ـ 1968) وعرف بمؤلفاته وشرح خصائص أسلوبه ( وكان أسلوبا شديد الخصوصية والتميــز والتفرد). وأبرز المؤلف صلة الزيات بطه حسين والزناني وهم بعـد طلبة يختلفون إلى الأزهــر لحضور حلقات الشيخ المرصفي. ويقول الزيات عن هذه الصحبــة المثمرة (... كنا ثلاثة ألفت بيننا وحدة الطبع والهوى والسن، فالطبع مرخ فكه، والهوى درس الأدب وقرض الشعــر، والسن فتية لا تتجــاوز السادسة عشرة). وقد تتلمذ في أروقة الأزهــر على الشيخ محمد عبده حين كان يدرس في الرواق العباسي ودرس على الشنقيطي المعلقات كما درس كتــاب المفصل للزمخشري، والحماسة لأبي تمام، والكامــل للمبرد في حلقات الشيخ المرصفي.
ويصف الزيات هــذه الفترة من حياته وصفا جميلا يستلفت النظر فيقول: (... أما وجـه الشبه بيننا وبين الطائـر فإن حياتنا كانت كحياته تردد إلى كل روضة وتغريد على كل شجرة وتحليق في كـل جو، كنا ننتقل من حلقة العلم إلى درس الأدب إلى مجلس الشعر، ومن مجلس الشعر إلى دار الكتب، ومن  دار الكتب إلى الجامعة المصرية القديمــة، ومن الجامعة إلى ادارات الصحف نعرص عليها ما كنا نسميه يومئـذ شعرا، ثم ننتهي إلى دار أحدنــا نتدارس ما حصلناه من علم ونتذاكـر ما حفظناه من أدب ونتنادر بما سمعناه لو رويناه من سخف.
حياة سعيدة، وتكويــن متين هو الأساس في الشخصية الأدبية الشامخــة التي اكتسبها الزيــات  وخليلاه، وأثمرت ( الرسالة) كتابا تتلمذوا عليها جيل في أثر جيـل، ولا نزال نحن إلى يوم الناس هــذا نتتلمذ عليها، ولا نزال نجـد فيها المعرفة والفـائدة واللـذة والمنفعة وشفـاء للغليل.
لهذا هششت لكتاب ( الزيات والرسالة) وحمدت للأستاذ المهدي صاحب دار النشر صنيعه مرتين، المــرة الأولى إذا خـرج هذا الكتاب الهام الذي ســد فراغا في المكتبة العربية، والمــرة الثانية لتكرمه مشكورا بإهدائــي نسخة منه، ولولا ذلك لما وصـل إلي الكتاب لسبب بسيط، وهو أن المطبوعـات السعودية لا تصل إلى الأسواق المغربية باستثناء الصحف والمجلات، وهذه قضيـة أخـرى ليس هذا مجال التطرق إليها.
قسم المؤلف الدكتور محمد سيد محمد الدراسة إلى عــدة فصول، فبعد أن أفرد الفصل الأول لحياة الزيات تحـدث في الثاني عن مراحــل (الرسالة) وقسمها إلى أربـع مراحل حسب نوعية الصدور، وهي (الرسالة) نصف الشهرية،  و(الرسالة) الشهرية، و( الرسالة) أيام الحرب، و (الرسالة) في مرحلتها الأخيرة. وقد صدر العــدد الأول منها في  15 يناير سنة 1933 (أي منذ نصف قرن بالضبط)، بينما صدر العـدد الأخير بتاريخ 23 فبراير سنة 1953، ويحمل رقــــــــم: ( 1025).
غير،  أن الدارس لم يذكـر شيئا عن (الرسالة) التي أصدرها الزيات في الستينات عن وزارة الثقافـة وقد أغفل المؤلف هذه المرحلة نهائيا، وكنت أود لو أن الدكتــور محمد سيد محمد أفـرد حيزا من صفحات الكتاب  للحديث عن هـذه المرحلة الهامة خصوصا وأنهـا تميزت بمعارك أدبية لعل أهمها المعركــة التي قادها الأستاذ محمود محمد شاكـر ضــد  د. لوبس عوض.
وفي الفصل الثالث استعرض الدارس أبواب (الرسالة) وتحدث عن كتابها وانتهـى إلى ذكر المعارك الأدبية الشهيرة التي جرت على صفحاتها. وهــذا فصل في غاية المتعة الأدبية.
وفي الفصل الرابع تحدث المؤلف عن قضايا (الرسالة)، وقسمها إلى ( قضية الإسلام)، و(قضية العروبة)، و (قضايا المجتمع المصري ومشاكله) و (قضايا الفنون الآداب والعلوم والفلسفة) باعتبارها زادا إنسانيا وحضاريــا.
وخصص المؤلف الفصل  للإخراج والإدارة والتوزيع والإعــلان.
وفي الفصل الختامي قام المؤلف بتحليل وتقييم دور ( الرسالة) وأثرها في الحيــاة الأدبية والفكرية في المجتمع. ويهمنا أن نذكـر هنا أن مجلة (الرسالة) تعتبر:
(أ‌) مصدرا لتاريخ الأدب ولدراستــه.
(ب) أنها نشرت الأدب وتابعته بالنقـد والتقييم.
(ج) أنها كانت مدرسة لتخريج الأدباء.
(د) أنها كانت نافــذة للأدب العالمي.
(هـ) أنها خلفت عشاقا للتعبير الادبي السليم.
وعندي أن أهم ميزة تنفرد بها (الرسالة) في الصحافة الأدبية العربية أنها دافعت عن البيان العربي والحرف العربي في وجه حملات المسخ والتشويه والغــزو الفكري، وأنها أنشأت أرضية للثقافة العربية الإسلامية. هــي هذه التي نقف عليها اليوم في ثبات نسأل أن يتوطــد ويتقوى. * *

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here