islamaumaroc

مع اللغة.-6-

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

اللغة كائن حي:
كلمة ـ لعلنا ـ كنا أول القائلين بها في المغرب، ثم صار يكرر هذه الكلمة كثير من كتابنا ومؤلفينا الأفاضل، وهذا لا يهم، والمهم أن الكائنات الحية، منها ما يختص بالبر، ومنها ما يختص بالبحر، ومنها ما هو متراوح بينهما، وربما زاد على ذلك الجو والسماء، كبعض الطيور «البرمائية».
وكذلك الكلمات اللغوية، منها ما هو اسم ومنها ما هو فعل وما هو حرف، ومنها ما يتراوح بين هذه وتلك، ومنها ما هـو خنثى مشكل، وخنثى غير مشكل، يصدق عليه ما قال الفقه في الميراث : «فان بال من واحدة أو كان اسبق أو أكثر فلا اشكال».
فمن هذه أسماء الأفعال مثل «صه» و «صهيل» و«شتان» و«وي» و«هيهات» ودونك وإليك وعليك ففيهما النوعان، أما المتراوح، فمثل «مد ومنذ» فهما:
                  «اسمــان حيـث رفعــــــا     
                                          أو أوليـا الفعل كجئـت مـد دعـا»
كما تقول الخلاصة، وهما حرفا جر، بمعنى «من» في المضي، وبمعنى «في» الحضور، كما تقول الخلاصة أيضا، ومن المتراوح «خلا» و«عدا» الاستثنائية، فهما إن نصبا فعلان، وإن جرا فحرفان، ومثلهما «حشى» أو «حاشا» أو «حاش»، كما قضت بذلك الخلاصة، ومثلت له الأجرومية للأطفال هنا،  وكما تكون «خلا»  و«حاشا» حرف جر تكون «حتـى» كذلك، كما تكون هذه حرف نصب، وحرف عطف، تعطف على ما قبلها، حتى بالضم. وتكون حتى كذلك حرف ابتداء، عملها معنوي. وشبيه بها «لعل» فهي حرف نصب، غالبا، حرف جر أيضا، وأغرب من هذه «متى» فإنها تكون حرف جر،  وتكون أسما جازما للفعل، كما أن «إذا» تكون اسما، لازما للإضافة إلى الجمل. فإن اتصلت بها «ما» صيرتها حرفا، جازما للفعل. ومن حروف الجر غير هذه ما يستعمل اسما، وذلك مثل كاف التشبيه، و «عن» و «على»، كما قالت الخلاصة:
             واستعمـل اسمـا وكـذا على عـلا 
                                 مـن أجـل ذا عليهما «مـن» دخـلا
وكما يثبـت علم التشريح للأحياء، أن الأعضاء إذا استغنى عنها بطلت بالتدريج مهمتها، فكذلك أعضاء الجمل مـن الكلمات، إذا استغنى عنها، تصير تتقلـص ثم يتبع ذلك تنحيتها بالمرة وتستأصل، كما يستأصل «المصران الزائد»، أو «المصران الأعـور» للإنسان.
مثلا: خبر المبتدأ الوارد بعد «لولا» صار يستغني عنه، ثم تنوسى، لدرجة أن حكم فيه بالعدم، واعترض على المعري في قوله: «فلولا الغمد يمسكه لسالا» حيث افصح بالخبر، وكانت القضية تقضي بعدم ذكره، ولكن هذا لم يتناس نهائيا، فقالت الخلاصة:
«وبعد لولا غالبا حذف الخبر حتم»
ومن الواجب حذفه، والأصل فيه الذكر، خبر المخصوص بالمدح أو الذم في «نعم وبيس وما جرى مجراهما» وعليه فخبره، كما تقدم، واجب الحذف، أن جعل مبتدأ، أما أن جعل خبرا، فإن مبتداه يكون كذلك واجب الحذف.
وكذا الشأن في المقطوع عن منعوته، فهو إن رفع، وجب حذف مبتداه، وإن نصب وجب حذف ناصبه، فعلا أو غيره.
وما قيل في هذا يقال في «الاختصاص» الواجب حذف فعله، وفي المنادى، الذي صار عامله نسبا منسبا، وأصبح يدعى بلا دليل.
ومن التطور في الاستعمال، قضية ، ما هو مائل للعيان، ولكن لا يعمل بأصلـه كما واقع في بعض أسماء الأفعال، من نحو عليك ودونك واليك ورويدك، فهذه جميعا نلمح فيها المحذوف، ولكن لا نذكره، ونعيد إلى الأذهان أن من هذه ما ينصب ويخفض مثل « رويد ويله » فان خفضتـا اعتبرنا مصدرا مضافا إلى معمولـه.
أما ما صار عوضا عن غيره، فانه يحرم عن المعوض عنه البقاء والذكر، وذلك كالفعل الآتي عوضا عنه المصدر، كما في الخلاصة :
    « والحـذف حتـم مـع آت بـدلا  
                                       مـن فعلـه كنــدلا اللـذ كاتــدلا»
ومن التطور في اللغات الصفات التي تصبح أسماء كبعض الأعلام التي تتحمل الألف، لمحا للأصل، أو لا تتحمله كمحمد وأحمد. والعكس في هذا أن تصير الأسماء صفات، كالشجاع، الذي هو ذكر الحيات، فأصبح صفة. والنوعان مذكوران في «باب ما ينصرف» ، تنبه لمثل هذا علماء النحو والصرف والوضع ، كما تنبه لمثل هذا التطور علماء البلاغة، فيما تناولوه في «الحقيقة العرفية» والتشبيه مثلا، وحدا حذوهم علمـاء المنطق في باب «المعرفات» خاصة، فقيدوا استعمال المجاز بوجود القرينة إزاءه.
وقضية الحـذف صارت انطلاقا مـن عبد القاهر، أهـم قضايا علم المعاني، خصوصا في باب الإسناد وطرفيه مـن القضية التي لم يغفلها المنطقـة أيضا،  فأشبعوها بحثا في باب التصور والتصديق وقسمـوها  إلى شرطية وحملية، مما هـو معروف ويطـول ذكره هنا.
ومن رجع إلى الشرطيات وأدواتها حتى في مبادئ النحو وأمعن فيها، يجد منها كثيرا من مسائل الحذف والذكر، زيادة على ما أفدتنا به هذه المبادئ التي تقلص ظلها الوارف، وصارت شمس المعارف على أطراف النخيل منها .
ومن قضايا الحياة والموت للكلمات ما يردده أصحاب المعاجم اللغوية من قولهم «فعل ممات» مثلا. وهذا بالضبط ما يعبر عنه أصحاب المعاجم الأوربية بقولهم «كلمة مائتـة» كما في الانجليزية Diedword ، فالكلمات إذن تحيى و تموت كباقي الأحياء في هذا الكون والبقاء لله .
ارتقاء اللغة وبقاء أثرها :
قد تحـدث في الكلمات أو الكلام عـوارض توجب شيئا ما فيها، وكما قال الفقهاء الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، ولهذا إن انتفت العلة في شئ انتفى معلولها أو ارتفع كما يقولون.
غير أن هناك شواد في هـذا، إذ قد ترتفع العلة زولا يرتفع معلولهـا، مثلا : الفعل الماضي المعتل الأخير، إذا دخلـت عليه تاء التأنيث الساكنة، فإن هـذا الحرف المعتل يحذف القاعدة المعـروفة في اجتمـاع الساكنين، أولهما حـرف علة، فنقول مثلا في رمى ونما وخـلا، رمت ونمت وخلت، هذا واضح، ولكن لو فرضنا أن هـذه العلة انعدمت بالإسناد إلى ضمير التثنية، فهل يـرد على الفعل ما حـذف منـه؟ كلا، فإننا نقـول، رمنا ونمتا وخلتـا، وبذلك تبقى الألف على حـذفها وأن ارتفع موجب حذفها.                                                                        
لهذا قـال ابن الفخار، قد يذهب السبب ويبقى حكمه، كما قال بهذا ابن جني في اسم الإشارة، بترجمة سبوية «هذا علم ما الكلم من العربية» تسنيـة الشخص باسم مكانه.
نادى فعتب كداما «ماز رأسك والسيف» فسماه مازنا، على الترخيم، لأنه من بني  مازن والعرب تفعل هذا، قـاله ابن بري وقد سمى فيما بعد المشمش المضغوط باسم مكانه وهـو «امردين» بالشـما ، ولما انتقل منها إلى مصر مثلا، صار يدعى أر الدين، وظن الناس، كما ظن المصريون أنفسهم بعد، أنه قمـر الدين ، وتابعهم أهل السودان فسموه «كمر الدين» نطقا بالقاف كافا معقودة، وهذا ليس خاصا بالعربية، بل في الإنجليزية نوعا من الصديري المنسوخ صوفـا يدعى باسم المكان الذي جاء منه، وهـو جيرسي، فهذا اسم لمدينة قديمة وجديدة. فيها الوصف بالجدة فقيل «نيوجرسي».
ولما وصل هـذا الملبوس إلى اسبانيا، تحولت الجيم خاء، ولما وصل إلى فرنسا، حذف الحرف المعلول من آخرها، فقيل «جرس» كما قيل في نيسـا «نيس» وفي «مرسيليا» «مرسي» على القاعدة الفرنسية التي لا تقبل نشازا في كلماتها ولا في كتاباتها، وفي الأندلس الإسلامي وجدنا نوعا من هذا في مثل الشلوبين، ثم في غير الإسلامي وجدنا مثل قرطبة وجيان، يسمى به الشخص منهما التصغير للتحقير.
من هذا جريج، تصغير جرج، وإن كان هذا التصغير له موجبه من التصريف، وهو كيلا يجتمع ساكنان في «جورج» كما أن حضيرة التعريب قد تلجأ إلى التصغير في هذا، وهو كذلك ما نجده مصنوعا للإسبان، في نحـو «كرميونيتـا» تصغير «كميون» الفرنسي، وفي نحو «كربيتا» كذلك، وفي نحو «ماليطا» أيضا.
والغريب في هذه الأخيرة أنها لم يحس فيها هذا التصغير، بل اعتبرت كأنها كذا خلقت، فإن أردناها مصغرة، قلنا «مالتين» وهنا واكب التصغير في هذه التأنيث على القاعدة التي قيلت في اعتبار الضالة في التأنيث فكان به الكسر، ومن التصغير للتحقير، تصغير جرير للأخطل، في عدة من أهاجيه، قوله:
لقـد ولـد الأخيطـل أم  ســوء             *       على  بـاب  استها  صلـب  وشام        
وقوله:
ورجـا الإخيطل مـن سفاهة  رأيه        *       ما لـم يكــن واب لـه لينــالا
وقوله:     
قـل للأخيطل لا عجـوزك انجبت         *       في الوالـدات ولا ابـوك فحــيل
ومن ذلك «نصير» والد القائد موسى، فاسمـه نصر، كان قد سبى من جبل الخليل بفلسطين، زمن أبي بكر، فأعتقه بعض بني أمية ورجع إلى الشام هـو وولده موسى، بقرية كفر مرئى، وشاءت الأقدار أن يولي ابنه موسى من قبل الأمير عبد العزيز بـن مروان أفريقية، فكان منـه ما كان بالشمال الإفريقي ثم بشبه الجزيرة الإيبيرية.
ونحن نستعمل هذا التصغير أيضا في أسماء الإمـاء والعبيد ، والأمثلة على ذلـك ما زال بعضها قائما، في الأولاد والأحفاذ ، وكذلك كان يفعل الإسبان، فيما يخصنا، فيصغرون أحمد «حميدو» والمغربي «موريتو».
المضمر لا يوصف:
هذه قاعدة كنا نسمعها ضمن قولهم: «الضمير لا ينعت ولا ينعت به» ولهذا لا نقول: «نحن المؤمنون لا نظلم» مثلا، بل نقول: «المؤمنين» على الاختصاص كما قال الرسول: «نحن معاشر الأنبياء» بنصب معاشر، وكذلك لا ينعت بالضمير والعلة في الأول ما قاله سيبويه في الكتاب من أن الضمير لا يكون موصوفا، من قبل انك، إنما تضمر حين ترى أن المحدث قد عرف من نعني، يريـد أن النعت لا يكون إلا عند الحاجة إلى تعريف منعوته، وهو الأصل فيه.
أما الثاني فلا يمكن أن يتصور، حتى يحكم عليه بعلة خارجة، كأن نقول محمد هو، على أن الضمير نعت، فإن هذا مرفوض قبل النظر فيه، نعم يقال محمد هذا، بالإشارة، وتكون نعتا، كما قال ابن مالك:
           وانعـت  بمشتـق  كصعـب  وذرب  
                             وشبهـه  كــذا  وذي  والمنتسـب

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here