islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -2-

  دعوة الحق

27 العدد

قال الله تعالى : «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فرشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون».
العبادة غاية الحب في غاية التذلل، ولا يستحقها غلا الله عز وجل لأنه الخالق الرازق الذي تفضل علينا بنعمة الإيجاد والإمداد، ولها اعمل وأقوال تدل عليها، فأعظمها الدعاء وهو طلب جلب النفع أو دفع الضر، ومنها الاستغاثة والاستعانة والتوكل في ما لا يقدر عليه إلا الله كإنزال المطر وشفاء المريض وكشف سائر الأضرار إذ هو الذي مهد لنا الأرض وجعلها فراشا صالحة لأن نسكن فيها ونسير في مناكبها في برها وبحرها وجوها وجعل السماء سقفا محيطا بنا حافظا لنا وأنزل المطر من السماء فأخرج به لنا من أنواع الثمرات ما لا يأتي عليه الحصر ولا يحده وصف.
والآن ننظر ماذا في السموات والأرض من الإسرار والعجائب والحكم لنزداد علما ومعرفة وعظيما للواحد الأحد.
قال علماء الفلك أنه إلى حد الآن لم يتحقق عندهم أن الحياة بأي نوع من أنواعها موجودة في أي جرم من الإجرام السابحة في الفضاء ما عدا هذه الأرض التي نعيش فيها، قالوا أن عطارد لا يمكن وجود الحياة فيه لأنه لا يواجه الشمس منه إلا جانب واحد من جانبيه، وهذا الجانب لابد أن يكون صحراء حامية كالأتون، وهو الفرن الذي يصنع فيه الخزف، والجهة الأخرى جامدة شديدة الزمهرير ولا يوجد فيه هواء، وإن وجد شيء منه فإنه غير مستقر بل هو في عصف مستمر يندفع من جانب إلى جانب.
وأما الزهرة فإنه يحيط بها ضباب وبخار وجوها ثخين لا يصلح للحياة بأي شكل من أشكالها.
أما المريخ فهو الكوكب الوحيد الذي يمكن أن تكون فيه حياة كأرضنا، إما في بدايتها أو في أول ظهورها وتميزها، لكن الحياة في المريخ إن كانت موجودة فلابد أن نعتمد على غاز آخر غير الأكسجين والهيدروجين، لأن هذين يظهر أنهما لا يوجدان فيه، وجوه غير صالح للنبات على الوجه الذي نعرفه.
أما القمر فلا يمكن أن يمسك الهواء وهو الآن غير صالح لأن يكون مسكونا، لأن ليله شديد البرد إلى حد يستحيل أن يعيش فيه حيوان أو نبات، وأما نهاره الطويل فهو في غاية الحر.
وأما الأجرام السماوية الأخرى فهي بعيدة من الشمس فلا يمكن أن توجد فيها الحياة بأي شكل من أشكالها فتبين حسبما نعلم أن الحياة لا توجد إلا في أرضنا، ولم تكن في أول خلقها صالحة لوجود الحياة فيها فقد مضت عليها أطوار استغرقت بليونين أو ثلاثة من السنين قبل أن تكون صالحة وملائمة لوجود الحياة حياة النبات والحيوان ثم توجت بإيجاد الإنسان الذي هو السيد المتصرف فيها بإذن الله، والأرض تدور على محورها مرة في كل أربع وعشرين ساعة أو بمقدار ألف ميل في كل ساعة، فلنفرض أنها تدور على محورها بسرعة مائة ميل في الساعة، فحينئذ تكون أيامنا وليالينا أطول مما هي عليه عشرات المرات، فشمس الصيف الحامية تحرق جميع النبات وفي ليال الشتاء الطويلة يجمد كل شيء وتكون الحياة مستحيلة.
أقول للشاكين وأساتذتهم المشككين ماذا تقولون في هذه الدقة في دوران الأرض على محورها بالقدر الذي يصلح لحياة الحيوان والنبات لا أكثر ولا أقل. إلا ترون وراء هذا النظام الدقيق علما وقدرة وتدبيرا مقصودا محكما ؟ أتظنون أن هذا كله وقع على سبيل المصادفة فأين تذهبون ؟.
والشمس التي هي مصدر جميع الحياة، تبلغ الحرارة على وجهها إثنى عشر ألفا (فارنهايت)، وأرضنا بعيدة من الشمس التي هي نار حامية بعدا كافيا بالقدر الذي تعطينا فيه الحرارة الكافية لحياتنا لا أكثر ولا أقل. إنه لنظام عجيب. ومع مضي الملايين من السنين لم تختلف حرارتها إلا قليلا ولذلك بقيت الحياة مستمرة، لو تغير مقياس الحرارة على وجه الأرض حتى بلغ معدله خمسين درجة لمدة سنة لمات كل نبات على وجه الأرض ولاحترق الإنسان أو جمد، وتدور الأرض حول الشمس بسرعة ثمانية عشر ميلا في كل ثانية، ولو أن سرعة دورانها كانت سنة أميال أو أربعين ميلا في كل ثانية لبعدنا كثيرا جدا من الشمس أو لقربنا منها كثيرا وحينئذ لا يمكن أن تكون حياتنا على الشكل الذي هي عليه الآن.
فمن الذي جعل دوران الأرض حول الشمس ثمانية عشر ميلا في الثانية، وقدر ذلك عالما به وجعله على القدر الذي تصلح عليه حياة الحيوان والنبات لا يزيد ثانية ولا ينقصها، أليس هو العليم القدير.
«والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم».
والنجوم تختلف في الحجم كما نعلم، فمنها الكبير إلى حد أنه لو كان في موضع شمسنا لكانت أرضنا داخلة في جوفه بعيدة، من سطحه ملايين الملايين من الأميال، والنجوم وهي شموس تختلف في إشعاعها فبعضها ترسل أشعة قاتلة لا تصيب شيئا حيا من حيوان أو نبات إلا أهلكته، بل لا يكمن وجود الحياة معها، وبعضها تعطي أشعة ضعيفة أقل من أشعة شمسنا بكثير جدا فلا يمكن الحياة معها.
ولو أن شمسنا ترسل نصف الأشعة التي ترسلها فقد لجمدنا من شدة البرد، ولو أنها ترسل أشعتها خمسين في المائة زيادة على ما ترسله الآن لصرنا رمادا منذ زمان بعيد هذا إذا أمكن وجودنا بالمرة على شكل ذرة الحياة الأولى التي تسمى عند علماء الحياة بروتوبلاسما، فالأشعة التي ترسلها شمسنا موافقة بالضبط لما تحتاج إليه حياتنا لا تزيد ذرة ولا تنقصها، وهي واحدة من بين ملايين الشموس التي لا تصلح لحياتنا.
أقول فمن الذي جعل أشعة هذه الشمس مطابقة لما تستلزمه حياتنا لا زيادة ولا نقص، أليس هو العليم الخبير ؟ (وسخر الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار).
وقد بعجت الأرض في إحدى زواياها عند الدرجة الثالثة والعشرين، وهذا هو الذي نشأت منه فصول السنة الأربعة، ولولا ذلك لكان القطبان في غلس دائم، والغلس هو اختلاط النور بالظلام كما يكون الأمر بعد طلوع الفجر، وحينئذ لا تصل أشعة الشمس إلى القطبين أصلا، وفي هذه الحال تنشأ جبال هائلة من الثلوج والمياه الجامدة وتؤثر في البحور المحيطات فتضطرب وينشأ عن ذلك ضرر عظيم لسكان الأرض.
أقول وفي ذلك برهان ساطع على أن الله قدر الأرض قبل خلقها، ثم خلقها طبقا لتقديره وجعلها على نظام دقيق صالح لحياة العباد على أحسن حال فتبارك الله أحسن الخالقين.
وفـــي كـــل شـــيء لـــه آيـــة
       تـــدل علـــى أنـــه الواحـــد
فماذا يقول الشاك وماذا يقول المشكك في هذه الأدلة القاطعة ؟ أيتجزأ أن يدعي أن ذلك كله وقع على سبيل المصادفة رمية من غير رام ؟ أن تجرأ على هذه الدعوى يكون قد خرج عن دائرة العقل والإنصاف واتصف بالوقاحة والمكابرة لئلا يقيم العقلاء له وزنا.
والقمر يبعد عن الأرض بمائتين وأربعين ميلا، ومع ذلك فإن المد الذي يقع في البحار مرتين في كل يوم يذكرنا بتأثيره في الأرض، ويبلغ ارتفاع الماء في المحيطات بسبب المد ستين قدما في بعض الأماكن.
وللمريخ قمر صغير لا يبعد عنه إلا ستة آلاف ميل، ولو أن قمرنا كان قريبا من أرضنا بأن كانت المسافة بينهما خمسين ميلا فقط بدلا من المسافة الحاضرة لكان المد شديدا هائلا بحيث يغرق جميع الأراضي المنخفضة في القارات كلها، بل تبلغ قوته إلى أن يزيل الجبال ويكسحها من أماكنها، وحينئذ يتوقع أن يغمر الماء الأرض كلها فلا يظهر شيء من القارات، ويحدث المد في الهواء عواصف هائلة كل يوم، وفي هذه الحال لا يمكن وجود الحياة إلا في قعر البحار المحيطة.
أقول فمن الذي جعل القمر بعيدا من الأرض بالقدر الذي ينفع ولا يضر، فغن المد الذي يحدثه القمر في البحار ينفع الناس، فلولاه ما أمكن دخول البواخر الكبيرة من خليج البصرة إلى شط العرب وهو النهر المتألف من دجلة والفرات فلا تصل البواخر إلى عبادان ولا المحمرة ولا البصرة، وبيان ذلك إن ماء النهر لا يكفي لدخول البواخر الكبيرة وسيرها فإذا جاء المد دفع ماء النهر إلى الوراء فامتلأ النهر وأمكن سير البواخر فيه، فإذا جاءت البواخر في وقت الجزر تنتظر وقت المد لتدخل إلى المراسي المذكورة، وكذلك تفعل إذا أرادت الخروج منها،  وليست فائدة المد منحصرة في ما ذكر فإن سقي المزارع في ناحية البصرة يتوقف على المد، فكل مزرعة أو جنة يريد صاحبها سقيها فما عليه إلا أن يفتح مدخل الماء من النهر أو من احد فروعه قبل وقت المد فإذا جاء المد دخل الماء فسقيت المزرعة أو الجنة بالقدر الذي يريده صاحبها فإذا أراد صرف الماء وقطعه عنها فما عليه إلا أن يسد الشعب الذي يدخل منه الماء، وهناك فوائد أخرى في المد حرفنا النظر عن ذكرها فسبحان الخلاق العليم.
ولو أن القارات زالت لغمر ماء البحار الأرض كلها وصار عمقه نحو ميل ونصف وانعدمت الحياة إلا في قعر البحار المحيطة كما تقدم، وبناء على القوانين الفلكية المعترف بها يرى علماء الفلك أن المد الذي يحدثه القمر في لبحار يدفع القمر نفسه ليبعده عن الأرض، وفي الوقت نفسه يؤثر بطئا في دوران الأرض من أقل من ست ساعات إلى أربع وعشرين ساعة في اليوم، فالقمر الذي هو الآن سمير للعشاق سيبقى مستمرا على نظامه البديع بإذن الله لمدة بليون من السنين، وأولئك الفلكيون أنفسهم يعتقدون أيضا طبقا للقوانين الفلكية نفسها انه سيرجع في يوم من الأيام إلى الأرض وأهلها (كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون).
 أقول فمن الذي أحدث ذلك التفاعل المفيد بين الأرض وابنها الوحيد القمر لمصلحة العباد وسيحفظه كذلك إلى يوم الميعاد، ويومئذ تنفطر السماء وينشق القمر وتكور الشمس وتنكدر النجوم وتسير الجبال، (كل من عليها فإن ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
يقول علماء الفلك إن مادة الأرض قد اقتطعت من الشمس على شكل خليط من العناصر الغازية تبلغ حرارته اثنى عشر ألف درجة وألقيت في الفضاء الذي لا نهاية له، من ذلك تطورت الأرض حتى صار لها نظام شمسي دقيق، وكل طور من تلك الأطوار جاء مترتبا على ما قبله بتقدير وتطبيق في غاية الأحكام ومنتهى الكمال لا يقع فيه اختلاف ولو في بليون سنة.
أقول هذا كلام علماء الفلك وهو واضح في الدلالة على الخالق العليم القدير الذي أحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here