islamaumaroc

نادية الصغيرة في فم الوحش ( قصة )

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

هذه قصة واقعية..
لا فضل أي إلا في نقلها إلى القراء الأعزاء..
وهي إنذار إلى كل أب وأم وفتاة في وضع ناديــة وسنها الفتية !
لم تكن نادية تدري أنها تخطو أول خطوة داخـل فم الوحش!
نادية في الرابعة عشرة من عمرها، جميلة كالوردة الندية..
كانت قد استحمت في الليلة السابقة، وجمعت ملابسها المفضلة في غفلة من أمها المطلقة وإخوتها.
وعلى باب غرفـة المطعـم ألقت نظرة وداع أخيرة على أمهـا وإخوتها، وهم لاهون عنهـا بمائدة الفطـور، وخرجت..
دق قلبها، وهي تقفل باب الـدار خلفها، وأحست بشحوب وجههـا المفاجئ، رغـم أنها لا تراه..
قصدت محطة سيارات الأجــرة، وركبت أحداها إلى محطة الحافلات بشاعر الحسن الثاني بمدينة الربـاط، وهنـاك وجدت ليلى تنتظرهـا صحبة السعدية ومريم..
ليلى في الثامنة عشرة، ذات شعر فاحـم طويل، وجلـد خمري، وعينين شهلاوين، وهي زعيمـة الأربة.. السعدية بيضاء مكنتـزة قليلا، تفرق شعرهـا أوسط، وهي في السادسة عشرة.. أمـا مريم، فهي أطولهن، رغم أنها ما تزال في الخامسة عشرة، وهي سمراء نحيفـة القوام، أنيقـة دون تكيلف..
تصافحت الأيـدي، وتلامست الخدود، وانتحت بهن ليلى ركنــا قصيا، وفتحت حقيبة يدهـا وأخذت توزع عليهن تذاكر الحافة إلى (أكـادير).
ورغم ارتياح ليلى الظاهرة لوصول الجميع في الميعـاد فقد ظلت عيناهـا فلقين حذرتين مفتحتيـن من خلف النظارة السوداء على وجـوه الناس من حولها وأصواتهم، وحركاتهم، وكأنهـا تخشى أن ترى أحدا يعرفهـا أو تعرفه، أو كأنها تريـد أن تراه قبل أن يراهـا.
وانفتحت أبواب الضخمـة، فدخل الأربعة، وجلسن في صف واحد..      
نادية تسافر لأول مرة دون أحد من عائلتها.. لم تسافر منذ أن طلق أبوها السي (مسعود الميموني) أمها (حفصة) منذ أربع سنوات..
وتحركت الحافلة خارجة من المحطة نحو الطريق الجنوبي... وأشارت ليلى إليهن أن يخفين وجوههـن، بطريقة أو بأخرى من عيون أهل المدينة.. فقـد تراهن تمليذة من مدرستهن أو أحـد من عائلاتهن في الحافة وينكشفن أمرهن..
أمـا نادية فكانت مطمئنة من أن يراهـا أحد  ـ جميع إخوتهـا وإخوانها في مدارسهم الآن ـ أمها موظفة  ـ وأبوها لا تراه إلا مرة أو مرتين في الشهر،  حين يأتي لإلقاء نظرة خاطفة عليهن بدافـع من الواجـب الذي ما يـزال يشعر به نحو أطفاله من زوجتـه القديمة ـ هو الآن متزوج بفتاة في نصف عمره وهو فـوق الستين، وقد بدأ معها عائلـة جديدة. وولدت له طفلين.
نادية لم تحسب حساب عمهــا محمد الذي جاء من القنيطرة لقضاء حاجة في الربــاط،  كان يخـرج حقيبته مـن صندوق  سيارة الأجـرة، حين مـرت الحافلة أمامـه، فرأى وجـه نادية  بوضوح دون أن تراه..
وخرجت الحافلـة من حواجز أضواء المدينة الحمراء، وانطلقت بحمولتهـا البشرية نحو الدار البيضاء.
كانت ليلى في وسط الصف توزع بين زميلاتهـا الابتسامات، وقطـع الحلوى والعلك، والأحاديث المسليــة عما ينتظرهن في (أكادير) من أعمال في مكاتب إحدى الشركات العصرية المصدرة للأسمـاك المعلبة إلى الخارج.. سيعشـن معا في شقة واسعـة مفروشة حيث سيكـون لكل منهن غارفـة مستقلة.. ويستأجرن خادمـة تقوم عنهن بأعمـال البيت كلها، وسيفيض من أجورهن ما يشترين به ما يليـق بمقامهن من مـلابس وحلي، وما يدخرنـه للسفر إلى الخارج إذا أردن.
ستكــون حياتهن السعـادة بعينها، وسيعشـن معا، ولن يفترقـن أبـدا، أبـدا حتى يفرقهـن الزواج أو الموت!
وطالت الطريـق..
وعلا صوت المحرك الرتيب على أصوات البنات العصفورية الشابة حتى أسكنها.
ومالت نادية برأسها إلى الوراء وأغمضـت عينيها، فقفز إلى مخيلتها وضعها الراهـن الغامـض، ومصيرهـا المجهول... واستعرضت أوجه زميلاتها وجها وجهـا فأدركت أنها، في الحقيقة، لا تعرفهـن..
وعـادت بذاكرتها إلى المراحـل اتي انتهت بها إلى ما أقدمت عليه من هروب من المدرسة لو لا، ثم من الدار والمدينة في النهاية.
كانت مريم هي حلقة الوصـل بينها وبيـن البنات، كانت تكبرهـا بسنة، لحقت بها نادية في القسـم قبل سنتين، وقعدت مريم أولا إلى جانبهــا وخرجن بعد الدرس معا إلى ساحة المدرسة، وهناك تبادلـن الحديث عن عائلاتهــن، فعلمت نادية أن مريم ، مثلها، بلا أب... وأن أمها مطلقة وموظفة، فكان ذلـك السبب في التقارب بينهمـا...
وعرفتها مريـم على السعديـة أولا، ثم على ليلى.. وتطـورت العلاقـة بين الأربعـة حتى صرن لا يفترقن.
وتزعمت الجماعـة لكبر سنهـا وسعة تجربتها الاجتماعية، فقد كـان حديثها لا يشبع، ومعارفهــا من الجنسين كثيرين.
وتذكرت نادية اليوم الذي حكـت لها مريـم عن سهرة في منــزل عمة ليلى، وعن الفيلم العربي المطــول الذي رواه على الفيديو، وعن أولاد عمة ليلى المؤدبين المحببين، فأحست نادية بالغيرة من زميلتها، وتمنت علانية لو استطاعت الحضـور معهم. ووعدتها مريم بأن تطلب ذلك من ليلى وتتوسل إليها، فسـن نادية لا يسمح لها بالسهـر مع الشباب، ثم إن والدتها قد لا توافق على ذلك.
ولكن ناديـة توسلـت إليهـا وقالت لها أنهـا تكـاد تبلغ الثالثة عشر ـ وجسمها أكبـر في الحقيقـة من سنهـا. أمــا والدتها فلا تعـود من عملهـا إلى البيت إلا بع السابعة مساء، وسهـرات دار عمة ليلى نهارية ..
وفعـلا وافقت ليلى، وذهبت نادية، وهي في الثانيـة عشرة إلى بيت عمة ليلى... وكان البيت يعج بخليط من الذكور والإناث ـ ولم نفهم نادية الصغيرة شيئـا مما كان يروج حولهـا، فقد كانت بريئة عديمـة التجربة، تقبل كل شيء على أنه واقــع الحياة..
في نفس الفتــرة كانت تقاتـل نفسيا على شتى الجبهات كانت تشعـر بتغيرات سريعة نظرا على جسدها الغض، ومعهـا في انفعالاتها الداخلية... لم تكن تـدري، ولم يهتم أحد أن يشـرح لها أنهــا تمر بمرحلة المراهقـة، وبأنها تحول من طفلة إلى امرأة.
وفي البيت كانت تحـاول عبثا أن نفهـم لمـاذا تركهـم أبوهـا، وهم ستة، وتزوج امرأة أخـرى في سن أختها الكبيرة؟
لمـاذا ترك أمها وهي التـي كانت تحبه ولا ترفـض له أمرا...
كانت ناديـة تنظر إليهمــا على أنهما جبلان عاليان لا يمكــن أن يتزعزعا أو يتفرقـا أو ينحسـر عنهم ظــل أحدهما !
وكانت تتعرض لتساؤلات لأختها الصغرى عن غياب أبيهـا الطويل... وتحن افتقار الصبية إلى حنــان الأب الذي طالما حملها بين ذراعيه ورفعهــا في الهواء، وضمها إلى صـدره، وذغذغهــا وأضحكها، وفاجأهــا بالهدايا، وقطع الحلوى واللعب...
أين ذهــب كل ذلك؟
لمــاذا ذهب؟
هـل يتغير الناس بهذه الطريقة وفجأة؟
وحـتى الآباء والأمهات؟
ماذا لو تغيـرت أمهم؟
ماذا لو اختفت هي الأخرى أو ذهبت مع رجـل آخـر؟ ماذا سيكون مصيرهم؟
كانت ناديـة تضم أختها الصغيرة إليها، وتحاول تسليتها بقدر ما تستطيع.
ولكــن ما كان بعدهـا، وهي الطفلة الصغيـرة، عن تمثيل دور الأم، وما كـان أحوجهـا هي الأخرى إلى  حنان أمها، والإحساس بالأمــن الذي يشيعه وجـود الوالد الدائم بالبيت!
لذلك كانت أسئلة الأخت الصغيرة البريئة تمزقهــا من الداخل، كانت تردد في أعماقهـا مدة طويلة بعد أن تنام الأخت الصغيرة على صدرها..
وكـان أخوها الأكبـر الذي كان يمكن أن يعوضهـا عن والدها قد هاجـر إلى الخارج للعمل، وكذلك أختها الكبرى التي تزوجت من عامل بالخـارج، والتي كان يمكـن أن تملأ الدار في غياب الأم الموظفـة، فقد كانت هذه تعــود إلى المنزل مرهقة، ضيقة الصدر، غير قادرة على القيام بدور الأم الرؤوم في البحث  في شؤون صغارها ومراقبة أحوالهــم الشخصية وواجباتهم المدرسية.
وجــاءت مريم، زميلتها التي قدمتهــا إلى ليلى الجميلة الناعمـة الكلمات، لتخرجاهــا من عالمها القاتم العابـر بالحيرة، والقلق، والغضب الصامت ضـد نحس الطالـع.
وأحست نادية بسعادة عارمـة في العالم الجديد الذي أدخلتهـا إليه ليلى، وشعرت نحوها بعاطفة الأخت الصغرى نحو أختها الكبرى الحنون...
ومرت الأيام، والأسابيـع والشهـور ونادية غارقـة في ملذات المجتمع الجديد، والعائلة الجديدة التي تبنتها... وطالت فترات غيابها عن المدرسة، حتى امتدت إلى أسابيع متواصلة، وأمها لا تعلم لأن المـدرسة الثانويـة الكبيرة لا ترى مـن واجبها إخبـار الوالدين بتغيب أبنائهم، بـل أن هنـاك قانونا داخليا يحرم ذلك!                                                    
وجـاءت امتحانات نهاية السنة، فكانت نتائـج نادية مخجلة للغاية..
وأخفت ذلك عن أمها التي اكتفت بسؤالها مـرة سؤالا عــابرا، ولم تنتظر لتسمــع الجواب عنه.
أما أبوها فلم يكن وقت زياراته القليلة والقصيرة لهم يمسح له بالسؤال عن مثل هـذا الموضوع الثانوي، بل له الذهاب إلى المدرسة للتحدث مع معلمـي أبنائه... كان مشغـولا عن داره القديمــة بالدار الجديـدة، والعروس الشابة، والأطفال الجدد الذيـن جـددوا شبابه، وأنسوه الماضــي بكل ما فيه...
ومرت السنة الثانية بيضاء ناصعـة... بل وانصع من سابقتها، فقد كان ما تبقـى من حرص نادية على الذهاب إلى المدرسة قد تبخر تمامـا بإهمال أبويهـا من جهة، وتعـدد جلسات الأنس في دار عمة ليلى، وأشرطـة الفيديو التي كانت تزداد كل يــوم غرابة وجرأة!
                                                   * * *
وكما كان متوقعا فقد سقطـت نادية في امتحان آخر السنة مرة أخــرى، وطردت من المدرسة..
وتركتها ليلى، ومريم، وبقية الفتيات، يومـا كاملا أحست فيه نادية بدعر شديد واسودت الدنيـا في عينيها ـ فلا بد أن أمها وأباها سيعلمان بسقوطهـا ـ  فماذا سيكون مصيرها ـ .
وبدأت تفكـر في وسائل الخلاص من ورطتها ، فلا تجــد..
وقبل أن يدفعهـا الخوف إلى تصرف أحمـق جاء الإنقـاذ من ليلى... الأخت الكبرى الحنون ـ جمعـت البنات الثـلاث وخاطبتهم بصراحة... عاتبتهن على سقوطهـن كأنها لم يكـن لها فيه يد على الإطـلاق... قالت أنها كانت تظـن أنهـن يتابعــن دراستهن ليلا بعـد جلسات الفيديو، والسهـرات النهارية!
ولكــن .!
والآن. ما العمـل؟
وفكرت ليلى قليـلا ثم قالت:
ـ الحـل الوحيـد في نظـري هـو ترك البلـد..
وجاء سؤال البنات الثلاث، ثلاث شهقــات، وثلاث ضربـات على الصدور.. ثم:
ـ ماذا؟ وإلى أين؟ ومـاذا سنفعل؟
وتدخـلت ليلى:
ـ دعوا لي تدبير ذلك ـ سأجـد لنا عملا فقي شركة أعرف مديرها في أكاد ير ـ .
وسألت السعديـة:
ـ وإذا بحثوا عنا؟
ـ لن يعثروا علينا !
ـ كيف؟
ـ سنغير هوياتنا .
ـ كيف؟
ـ سنغير بطائق المدرسة، ونتسمى بأسماء أخرى، حتى إذا بحثوا عنا لن يعثروا لنا على أثر!
ـ وكيف سنغير الباطائق؟
ـ دعوا ذلك لي ... أنا أعرف أحدا بإدارة المدرسة سيقدم لي هذه الخدمــة مقابل هدية !
                                                   * * *
ولم يمض يومان حتى كان البنــات الثلاث على متن الحافة المتوجهــة جنوبا نحو أكادير..
وفي الرباط لقـى محمد الميموني أخاه إلى مسعود، والد نادية، صدفـة، وهو ذاهب لقضاء مصلحة، تصافح الرجلان ، وسأل كل منهما الآخــر عن أحوال عائلته... وقبل أن يفترقا تذكـر محمد أنه رأى نادية في الحافة فعلـق لأخيه:                     
ـ نادية، ذهب في رحلة مدرسة؟
ـ لا لماذا تسأل.؟
ـ رأيتها في  الحافلة الذاهبة إلى أكادير.
ـ أكاديـر؟
وبانت الدهشة على وجه السي مسعود.. فسأل أخــوه:
ـ أمل تخبرك بسفرها؟
ـ كـلا!
ـ وهل أنت متأكــد من أنها نادية؟
ـ وهل تخفى علي نادية؟
ـ نادية لا يمكن أن تسافـر دون علمي!
واستسمح أخاه ليذهب إلى مقر عمل زوجتــه (حفصة) ليستفسرهــا عن الخبر ، ولكن أخـاه أصر على مرافقته ليطمئن على الفتاة التي كان يعطف عليها كثيرا ـ .
وفوجئت (حفصــة) بالخبر، وكادت تفقد أعصابهــا، وتصرخ في وجه زوجهــا السابق وتحمله  مسؤولية إهمال ابنته ـ ولكن محمدا تدخل:
ـ المهم الآن هو إرجاع البنت قبل فوات الأوان..
وتوجهت إليه المرأة متوسلة:
ـ كيف ؟ وماذا ستفعل؟
وفكـر محمد قليلا ثم قال:
ـ لنا أخ في مكتب شرطة أكادير.. هل عندك تلفون؟
ـ نعم ـ تفضل ـ
 ومن مكتبها طلب محمد أخاه مفضلا في قسم الشرطة بأكادير، فلم يجـده، وطلب عمـيد القسم فوجـده، وأخبره بوجود ناديــة على الحافلة.
وطمأنه العميـد إلى أنه سيقوم بالواجب، وطلب منه رقم تلفونه ليتصل به في حالة العثور عليها.
ـ وهل أنت متأكــد من أنها نادية؟
                                                   * * *
وفي مكتب عميد الشرطة بأكاديـر وقف مفضل،  عم نادية، يستمع إلى خطة العميد:
ـ إذا لم تكن نادية آتية إليك، فإني أريـد أن أعرف إلى أين جاءت.. وهل هي وحدهـا أم مع أحد.. أعني كل شيء عن هذه المغامــرة الصغيرة.
واقتبس مفضل تعبير رئيسه الخـاص بهذه الحالات:
ـ تريد الشجــرة بجذورها !
ـ تمامــا...
وهم مفضل بالخروج، فاستدرك العميد:
ـ أخبرني حال عثورك عليها حتى اطمئن خــاك.
                                                   * * *
وفي محطـة الحافلات بأكادير نزل البنات الأربع مرهقـات من طـول الطريــق وقد تخدرت أطرافهن ...وقادتهن ليلى إلى محطة سيارات الأجرة حيث انطلقت بهن سيارة إلى عمــارة قرب الميناء مواجهة للبحر.
ووقفت سيارة باليـة على مسافة من العمـارة، وبداخلها ثلاثة رجال يتقدمهم مفضل بنظارة سوداء، رفع سماعة الراديو ، ونادى العميد.
وصعـدت الفتيات إلى شقـة في الطابـع الرابع والأخير في صمت..  فقـد كـن متعبات من جهة، وكانت ليلى تحضهن على الهدوء من جهة أخرى..   
وفتحـت لهن الباب فتاة في سـن ليلى، لمعت عيناها سرورا حيـن رأتهن، وكأنها كانت تعـرفهـن.
وقدمتها ليلى لهن على أنها صديقتها القديمة « فوزية» ، وأنهــا موظفة في شركــة التصدير منذ مدة، وأنهــا هي التي شجعتها على القــدوم إلى أكادير حين علمت بأن الشركــة تبحث عن موظفات متعلمات!
ورحبت فوزيـة بهن بحرارة قائلة:
ـ سيكون هــذا مقر لكن حتى تجدن شقة تناسبكــن.
وأخذتهن إلى غرفـة مفروشة بالفراش المغربي، وجالت بهـن على مصالح الشقة من حمــام، ومطبخ، وتركتهـن ليغتسلن ويستـرحن، وذهبت هي وليلى إلى المطبـخ لإعـداد العشاء والحـديث بصوت خفيض...
ودق جرس البـاب، والبنات حول مائدة العشـاء، فطمأنتهـن فوزية إلى أن القادم خطيبها عبد الجليل.. وفتحت الباب فدخـل شاب في الثلاثينيات، وسيـم طويل وذو جسم رياضي، يلبس ملابس البحارة..
ـ خطيبي عبد الجليـل.. يعمل قائـد قارب بخاري تجر السفــن الكبيـرة بالمرسى.
وسلم على ليلة بقبلـة على خذهــا، وصافح الفتيات الثلاث، وجلس معهن على المائـدة، وتناول تفاحــة أخذ يلعب بها بين يديه الكبيرتين، ويتحـدث عن عمله، وعن البحر.
وأعجبت ناديـة وزميلاتها بخفة روح الشاب ولطفــه، وأحسسن بالاطمئنـان إليه في الحال..
وحكت ليلى لصديقاتها عـن نزهة بحريـة أخذهمــا فيها عبـد الجليل هي وفوزية رأت فيهـا ميناء أكادير، ومشهـد المدينة، والمـرتفعات المحيطـة من ناحية البحر:
ـ كــان مشهـدا باهـرا .. وخصوصـا في المسـاء حين أشرقت الشمس، وصفحة الميناء، وجوانـب البواخر الضخمـة الراسيــة بألوانهــا الذهبية والبنفسجـية والقرمزية الداكنة...
ووضعت يدها الطويلة الأصابــع على ركبة عبد الجليل، وسألت بدلال:
ـ متى تأخذنا في نزهــة أخرى، يا عبدو...؟
فرفع ذراعيه الطويلتين متظاهرا بالاحتجاج:
ـ آه ـ المـركب ليس لي ـ إنـه ملك الدولـة، تستعمله في جـر السفن وتموينها، وليس في تنزيـه البنات وقـت الأصيل!
فوقفت ليلى تستعطفه، ومدت يديها ممسكة بوجهــه تقبل جبينه:
ـ عافى سيدي... الله يرضي عليك.. ليس من أجلنا نحن، ولكـن من أجل البنات اللواتي نزلن ضيفات عليكم في اكاديـر... أين ضيـافة أهـل سوس؟.
ولـم تتركــه حتى وافـق على أن تكـون النزهـة بعـد غـد الأحـد، حيث يتغيب رئيسه عن الميـناء بعـد الظهـر...
وهتفت ليلى فرحــا، وقبلته مرة أخرى، وأضاف هـو:
ـ وإذا كان لنــا حظ فسترين باخــرة من البواخــر الضخمة الرئيسية في الميناء.
وشهقت ليلى حبـورا:
ـ حقــا؟
ـ هناك باخــرة تسمى «هـونغ كوفــغ» تعرفـت على ربانها في آخــر مرة رست فيهـا هنا لتزود بالمــاء والمؤونة، إذا كـان هو ربانهــا اليـوم فسيأذن لنــا بزيارتها.
وفرحـت البنات، وسرى اللغـط  بينهن... أمــا فوزية فابتسمت في هــدوء.      
دخلت سيارة عبد الجليل المرسيديس الكبيرة ميناء الصيـد في ظهــر ذلك الأحد الهادئ دون أن تثير انتباه أحد... وتوقفت وراء أحد مبانــي المرفا الخشبية، ونزل البنات الأربع، وأقفـل عبـد الجليل باب السيــارة وقـاد الفتيات إلى حيـث يرسو قاربـه البخــاري في منطقـة بعيـدة عـن مراكب الصيـد الصغيـرة.
ووقفت الجماعـة تنتظر إليه وعبد الجليـل يمسح بعينين قلقتين المكان وكأنه يتوقع أن يرى شيئــا لا يعجبه..
وحين تأكـد مـن خلو المكان وقف على حافلـة الرصيف وخطــا خطوة واسعـة إلى داخل القارب، ووقف يمد يده إلى البنات يساعدهن واحـدة،  واحــدة على النـزول...
وحين نــزل الجمـع قـادهن، إلى غـرفة القيــادة حيث أجلهن، وطلب منهن عدم الظهـور والاكتفاء بالتفرج من الداخــل حتى يبتعـد القارب عن عيون الفضوليين...
وكـان البحـر هادئــا فانطلـق القارب يشـق صفحتـه الفضيـة بنعومــة متوجـها إلى داخـل المحيط.
ولاحت سفينــة عظيمة أمامهــم فقال عبد الجليل:
ـ ها هـي الـ « هونــغ كونغ» !
أرجو أن يكون ربانهــا هو (مارتينيز)... سيكون منظر المدينــة وضواحيها من فوقهـا أجمل بكثير مما تظهـر لنا من هنا...
وبعد ما يقرب من نصـف ساعة من الإبحار اقتربت الباخــرة جدا فبدت البنات أضخــم كثيرا مما توقعـن.
ودار عبد الجليل حولهــا بقاربه حتى احتجبت عنهم المدينة بذلك الحائــط الفولاذي الشاهق، قال عبد الجليل:
ـ هــذه ناحية السلم..
وأخـرج بوقا يدويا، وخـرج من الغرفة، وصاح بداخلـه:
ـ كابتان مارتينيز!
وبعد بضـع دقائق، وعدد من الصيحــات بالبوق أطل برجل بملابـس قبطان البحر، ولوح بيده لعبد الجليل، فلوح هـذا مجيبا بالإسبانية:
ـ كيف حالــك؟
ـ أنا بخير ... أصعد!
ـ معــي ضيوف.
ـ ليصعدوا معك... مرحبا بهم..
واقترب عبد الجليل بالقارب من السـلم النازل بشكل مائـل على جانب الباخــرة، ورمى بالحبل لبحــار نزل لمساعدته، وقال للفتيـات:
ـ امسكن بيد البحــار أولا ثم اصعدن إلى مصطـبة السلم..
ووقف هو يشرف على عمليات انتقالهـن حتى صعدن، ونزل البحــار إلى القـارب لحراسته حتى يصعودا.
وعلى سطــح الباخـرة قابلهـم الربــان (مارتينيز) بابتسامـة مضيئة وحياهـن نازعــا قبعته البيضاء الناصعـة كاشفا عـن شعــر أشقر لماع، وعبد الجليل يقدمهــن إليه، كل واحـدة باسمها المستعار.
قال الربــان:
ـ جئتـم في الوقت المناسب، وقت شاي المساء..
ونظـر إلى ساعته قم أضاف:
ـ سنشـرب الشاي والكعـك على السطح الأعلـى لنستمتع بمنظـر المدينـة قبل أن تغرب الشمس... وبعد ذلك نقوم بجولتنا.                         
وصعــدت الجماعة إلى حيث كانت مائـدة كبيرة مستديـرة على رأسها بحــار غارق في البيـاض يهىء الشاي، فساعــد الفتيات على الجلوس، وأخــذ يصب لهن الشاي...
وسأل الربان الفتيات:
ـ أهــذه أول مرة تركبــن فيها باخـرة كبيرة؟
فكــان الجواب واحدا بالإيجــاب..
فأضــاف:
ـ في هــذه الحالة لي نصيحــة... وهي أن تتناولــن أقراص منع دوار البحـر قبل القيام بالجولة.. فالدوار يفسـد متعة النزهة البحرية...
وأخـرج من جيبه حقا فضيــا وأداره على الفتيات فتناولن منه حبــات بيضاء شربنهــا بالشاي. واحتفظت ليلى وفوزية بالحبتين في يديهما حتى أودعاهما في حقيبتي يديهما.
ولم تـمض دقائــق حتى أحسب الفتيات الثلاث بنوم لذيذ وثقيـل جدا يسبل أجفانهن ويرخــي أبدانهن على الكراسي المريحــة تحت سمــاء زرقاء وهواء ناعم..
وجاء ثلاثـة بحـارة أقوياء فأخـذ كل واحد منهم واحدة على كتفه ونزل بها غرفـة بها ثلاثة أسرة وضعوهن فوقها وأقفلـوا الباب الثقيل، وصعدوا..
وسلم الربان مارتينيــز  لعبد الجليل حقيبة جلد فتحهــا هذا ونظر إلى رزم العملة الدولية بداخلها وسأل دون إلحاح:
ـ المبلغ كامـل.؟
ـ لا حاجـة بك إلى عده!
ومد يده إليه مصافحــا ثم إلى الفتاتين، وقال:
ـ أخبرني بالشحنـة القادمة.
ـ قريبا..
ونزل الثلاثــة إلى القارب، وابتعدوا عن الباخــرة التي أخذت تستعد للإقلاع...
                                                   * * *
ولم يكد يدور حولهــا ليواجه المدينة حتى بدت له عـدة ضافرات لحرس الشواطـئ المغربية بمدافعهم موجهــة نحو الباخرة، وهم يحيطون بها إحاطــة كلاب الصيد بوحش كبير..
وبدأت الأبواق ترسـل نداءاتها محذرة الربــان من القيام بأية حركــة غير عادية..
وصعد عـدد من الجنود البحريين ببنادقهــم على ظهـر الباخرة حيث أخرجوا جميع البحــارة إلى السطح، وانتشروا داخلها يبحثون عن الشحنة المشبوهة.
ومن بين فرقـة التقنيين كانت طبيبة الميناء التي أنعشت الفتيات الثلاث وفحصتهن بدقة، ثم أذنت لهن بالنزول إلى البر.
                                                   * * *
وحجـزت الشرطة الباخرة ومن عليهــا رهن التحقيق.
وتبين من استنطاق الربان وأصحابه منفردين أنهم طرف من شبكة دوليـــة للمتاجـرة في الرقيق الأبيض ـ وأن هذه ليست أول شحنة خرجــت من المغـرب، وأن منطقة التجميع والتوزيع لهؤلاء الضحايا المساكين هي جــزر الكنار.
وهكذا اتصل الأمن المغربي بالأمــن الإسباني واستطاع الطرفان أن يضعــا اليد على رأس العصابة. وبدت علمية تتبع المناهات، والأركان المظلمة التي انتهت إليهــا تلك الضحايا البريئة، ضحايـا الأوضـاع الاجتماعية المأساويــة، وتعزيز المجرميـن والمجرمــات بالفتيات الصغيرات ليطعمن بأجسادهن وحش سوق الرقيق الأبيض الذي لا يرحم.
                                                   * * *
ووجـدت نادية أمهــا وأبوهــا وعميها ينتظرون على الرصيف... واحتضنتها أمها وبكت بحــرارة... وضمها أبوهــا إلى صدره وانتحب معها.. لم يكن يبكي ضياع نادية، ووصولهــا إلى الحضيض الذي وصلت إليه، بل كان يبكي قلبه الذي مات... قتلته الشهوة الفاتكــة حين دفعته إلى تطليق زوجته الأولى، وهجــر أطفاله الستة، وترك سفينتهم إلى مصيرها المجهول...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here