islamaumaroc

من وحي دعوة جلالة الملك إلى تلاوة القرآن في شهر رمضان.

  دعوة الحق

227 العدد

القرآن الكريم كتاب الله الخالد ودستوره الأسمى وآيته الكبرى وقانونه الأعلى الذي يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. نزل به الروح الأمين على قلب الرسول ليكون للعالمين بشيرا ونذيرا.
وقد تلقى الرسول الكريم وحي الرسالة السموية على مدى ثلاثة ثلاثة وعشرين عاما (1 ) فأعجز القرآن الخلق بأسلوبه وسيل نظمه. وطرق تأليفه وما ينطوي عليه من علوم وأحكام وفي كشف الحجب عما مضى وما هو آت من أحوال الأمم والأقوام والمعارف والحضارات. وحكمة الحكماء، تموت بموت أصحابها... وعلم العلماء يخضع دائما للتغيير والتنقيح والتهذيب أما القرآن فخالد خلود السموات والأرض وهو وحده الذي يزود المؤمن بالقوة الروحية الكافية التي تقدره على الحياة الكريمة وفق المنهج الإلهي السليم ولم يفتأ المصلحون الاجتماعيون منذ العصور الضارية في القديم يقدمون الوصايا الأخلاقية التي تعمل لخير البشر ولصالح الإنسان غير أن هذه الوصايا تظل دائما عرضة للكسر والتعريف والتصرف المغرض لسبب بسيط هو أن أصحابها بشر يتبدلون ويتغيرون. أما مبادئ  الله فوحيدة وكلماته لا تتبدل ولن تجد لكلماته تحويلا ولذلك اقتضت الحكمة الإلاهية أن يكون نزول القرآن أقساطا ونجوما مراعاة للظروف والملابسات التي كانت تحيط بحياة العرب آنذاك وما يقتضيه بزوغ نور الدين الجديد واهتماما بتبليغ القرآن وأداء الرسالة المحمدية في وقت كاف لنشر أنوارها وتأييد صاحبها أو تسلية وتقوية قلبه تبليغا كاف يتناسب مع الأحداث وينسجم مع الوقائع. ويستجيب لما يعن في الدين أو في استفتاء يهم أمور المسلمين مصداقا لقوله تعالى: (وقرأنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) ( 2) فكما تتطلب تلاوة القرآن شيئا من التمهل ونصيبا من الترسل  لدى التنزيل بإعطاء القراءة حقها من تحسين لمخارج الحروف وتطييب لها بالصوت المناسب. فإن نزول القرآن كان هو بدوره على مهل ولم ينزل جملة واحدة كما كان بود المشركين، لما في ذلك من سر فريد ومنهج دقيق وطريقة فذة. وأسلوب لا يجاري في تلقي الرسول لرسالة السماء من ربه لأن الأمر يتعلق هنا بتعاليم الله المقدسة. وأوامره ونواهيه المحكمة ومقررته التي لا تعرف التبدل أو التغير وأحكامه الثابتة التي لا تفسدها الأهواء.
ولو نزل القرآن جملة واحدة لكان ذلك مخلا بالتربية في أبسط صورها لما يؤدي إليه من تكثيف الأحداث وتجميع الوقائع. وضياع فرصة التكرار.  كتكرار قصص الأنبياء مثلا والتي يكررها القرآن للعبرة والاتعاظ وعلى هذا الصعيد لم ينجح جهود المربين الداعين إلى الطريقة الكلية وهي ترمي إلى اعتبار النصوص وحدات مستقلة ينبغي أن تحفظ كما هي بدلا من تقسيمها إلى أجزاء. وحفظ كل جزء على حدة. وهذا إن جاز على القطعة القصيرة فإنه يستحيل على القطعة الطويلة وأنه لا يمكن حفظها باعتبارها كلا وقد عاب المربون على هذه الطريقة كونها في بعض الأحيان غير متساوية صعوبة وسهولة فالسهل يعلق بالذهن أولا. والصعب بأتي بعده وتوزيع الانتباه على أجزائها ليس متساويا. وقد دلت التجربة على أن الانتباه لأول القطعة وآخرها يكون أقوى من الانتباه لوسطها. وإذا أدركنا صعوبـة القرآن وشدة ثقله لقوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) (3 ) أدركنا إلى أي مـدى كان نزول القرآن أقساطـا. نزولا يتناسب وعقلية العرب. ويتلاءم مع طاقة الرسول في تحمـل هذا العبء العظيم وقد جـاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أوحى إليه وهـو على ناقته وضعت جرانها (4 ) على الأرض فما تستطيـع أن تتحرك حتى يسرى عنـه الوحي، وسئل عليه السـلام، كيف يأتيك الوحي فقال «أحيانا يأتيني يأتيني مثل صلصة الجرس» ( 5) وهو أشده علي فيفصح عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي مـا أقول» قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليـوم الشديد البرد. فيقصم عنه وإن جبينه ليتقصد عرقا (6 ).
فالقرآن ثقيل يثقل العمل بشرائعه.
قال قنادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده.
وقال مجاهد: حلاله وحرامه.
وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام.
وقال محمد بن كعب: ثقيل على المنافقين.
وقيل ثقيل على الكفار لما فيه من الاجتماع عليهم والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم. والكشف عما حرفه أهل الكتاب.
ونزول القـرآن بالطريقة الجزئية كان هو السبيل الأمثل لما فيها مـن استجابة لحالات المجتمـع القرشي وقتذاك ولما فيه من عنصر التشويق لدى المومنين الذين كانوا يتلقفـون آيات الكتاب المبين ويحفطونها ولما فيه من تسهيل مأمورية الرسول في نقـل الأمانة شيئا فشيئا. ولما فيه مـن فلسفـة تربوية تنبني على التدريج والسير البطئ لترسيخ العقيدة وتثبيت المضامين القرآنية في العقـول تثبيتا متأنيا متعقلا زمانا ومكانا انطلاقا مـن صدق عزيمة الرسول ونيل رأيه وسعة أفقـة ونضـاله المستميث لتبليغ الرسالة الربانية إلى الناس كافة.
وفي تجـدد نزول الوحي عليـه السلام انشراح لصـدره وإشاعة للغبطة في نفسـه الكريمة وزرع للذة الروحيـة التي لا تعـد لها لذة. ولو بحثنا الآفاق النفسية لنزول القـرآن منجما لاستخلصنا الحقائق التالية:                                                                    
1) نزول القرآن مرة بعد أخرى دليل على جديته وإعجازه فسامعه لا يمجه وقارئه لا يمله. بل لا تزيده تلاوته إلا حلاوة ولا ترديده إلا محبة ولا يزال غضا طريا، وغيره من الكلام، ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغ، يمل من الترديد ويعادي إذا عيد. ولذلك وصف الرسول القرآن فقال إنه لا يخلق على كثرة الرد. ولا تنقضي عبره ولا تفتي عجائبه. ليس بالهزل لا يشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء. ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به)( 7) من قال به صدق ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلح، ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب طلب الهدى من غيره أظله الله. ومن حكم بغيره قصمه الله. هو الذكر الحكيم والنور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين. والشفاء النافع. عصمة لمن يتمسك به، ونجاة لمن اتبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب.
ونجد نزول القرآن كان تحديا لكفار قريش، وهم من هم فصاحة وبلاغة وقوة عارضة وقد ظهر عجزهم في كل مرة حاولوا تقليد القرآن أو محاكمته أو معارضته. طبقا لقوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) ( 8) وتعريف الإنس والجن هنا للاستغراق فكلهم عاجزون عن الإنتيان بمثل هذا القرآن كتاب الله الخالد لكونه معجزة لا يقدر عليها إلا الله، فهو من قبيل معجزاته الكبرى كفلق البحر واشتقاق القمر. وما شاكل ذلك مما لا يمكن أن يدخل في تجربة بشر.
ذلك أن للقرآن روعة تحلق سامعة. وهيبة تعتري قارئة مما يجعل قلوب الكفار والمعاندين تنفر منه، فهو صعب مستصعب على من كرهه على حد قول الرسول عليه السلام. أما المؤمن فإنه يستشعر دائما فينجذب إلى رحاب الله. ويكيف مزاحه فكسبه هشاشة ورقة طبع ودمائه خلق ويميل قلبه إليه، وينفتح فكره على معانيه ويقبل على منطوقه ومفهومه ولذلك خص الله جلود الذين يخشونه بالقشعريرة والتأثر العميق، ويقول سبحانه (الله نـزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منـه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلـودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي بـه من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد)(9 ).
وقد كان أصحاب رسول الله (ص) إذا قرئ عليهم القرآن دمعت عيونهم واقشعرت جلودهم: قال الرسول عليه السلام: «ذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها» وقال (ص) «ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرمه الله على النار» لأن الإيمان بالله هو سكينة النفس وهداية القلقة. وهداية القلوب المضطربة، وأمل اليائسين وأمن الخائفين ومواسي المصابين وعزاء المحرومين ومفتاح أسرار الكائنات، ومصباح الهدي في دياجي الظلام.
2) تجدد نزول القرآن على الرسول من شأنه أن يخفف عنه الهم، ويزيل عنه نفسه الخوف، ويبعد عنه القلق. ويهون عليه الشدائد، وما أكثرها في الحياة الدنيا! فكان النبي الكريم يجد راحته التامة في وحي الله إليه. بما فيه من سير المتقدمين. وقصص الأولين وتكرار الحديث عن بعض المواقف. والحالات كتكرار قصص الأنبياء مع أقوامهم. فالقصة الواحدة كلما كررت كان في ألفاظها في كل موضع زيادة ونقصان. وتقديم وتأخير، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى، ولا يخفى ما في ذلك من التلوين وإخراج الأمر الواحد في صور متبينة في النظم والسرد. وجذب النفوس إلى سماعها لما جبلت عليه من حب التنقل بين الأشياء المتجددة، واستلذاها بها. وهنا تظهر ميزة من ميزات القرآن العظمى. فإنه لا تحصل رغم التكرير فيه هجنة في اللفظ، ولا ملل في السمع. ولا سماحة في الذوق...                  
وإنما كررت قصص الأنبياء في القرآن للترويج عن نفس الرسول وتذكير المشركين بما قد يصيبهم فيما لو سلكوا مسلك سابقيهم من البغاة والجاحدين لأن المقصود بها إفاذة إهلاك من كذبوا رسلهم والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار الرسول عليه السلام ولأجل ذلك قال سبحانه (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم تمكن لكم وٍأرسلنا السماء عليهم مدرار وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكنا بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخريـــــــــن) (10 ) وقال عز قائل، (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم مما قد سلف وأن يعودوا فقد مضت سنة الأولين)(11 ).
يقول السيوطي : «لولا تكرار القصص لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصته عيسى إلى آخرين، وكذا سائر القصص، فأراد الله اشتراك الجميع فيها، فيكون فيه إفادة لقوم وزيادة تأكيد لآخرين».
وتكرار القصص في القرآن خلع عليه حلة قشيبة وزادها أثرا في النفوس، وأضفى عليها أبعادا اجتماعية وتربوية من الأهمية بمكان، وقد اتفق عليها أبعادا اجتماعية وتربوية من الأهمية بمكان، وقد اتف المربون في مختلف العصور والأحقاب على أن للتكرار أثرا عظيما في عملية التعلم والاستيعاب، فالتكرار المعقول يضيف إلى النص أنغاما تشتق منها صور جديدة تحمل أطيافا جديدة من المعاني، وتنم عن ظلال كثيرة للأخيلة والمشاعر، لذلك قال سبحانه، (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (12 )، والتذكير إحياء لشيء سابق قولا أو فعلا أو هما معا.
وإنما تنجح مقاله المرء، إذا صادفت هوى في الفؤاد.
3) ـ تجدد نزول القرآن على الرسول فيه تشجيع وتبصير وتطمين لنفسه الكريمة، ولهذا جاءت تسلية الله له سبحانه في سورة الأمر الصريح بالصبر كما في قوله تعالى (فاصبر كما صبر ألو العزم من الرسل... ) ( 13) فالدعوة إلى الله طريقها شاق، ووسائلها صعبة، لذلك احتاج الرسول إلى توجيه من ربه لعلمه سبحانه بما سيعانيه من البلاء في سبيل تقرير المبدأ وترسيخ العقيدة في النفوس، ذكر مقاتل أن الآية المذكورة وترسيخ العقيدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فأمره الله عز وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل تسهيلا عليه وتثبيتا».
ولا غرو في ذلك فقد لاقى النبي الكريم أشد الأمرين من أقاربه الأقربين، كما لاقى في ذلك من الأبعدين، وقابلوه بالاستهزاء السخرية، لذلك صلى الله نبيه بالتصبير وأمره بالتحمل والجلد،وقد ورد الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا، لعظم موقعه من الدين وكل الحسنات لها أجر محصور، إلا الصبر فإن أجره لا يحده حصر، بدليل قوله تعالى" (إنما يوفى السابرون أجرهم بغير حساب) (14 ) وحص الله الصابرين بثمانية أنواع من الكرامة.
أولا: محبة الله بدليل قوله سبحانه (وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)( 15).
ثانيا: نصرة الله وتأييده بدليل قوله سبحانه (ايا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) (16 ).
ثالثا: غرفات الجنة بدليل قوله سبحانه (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما)(17 ).
رابعا: الأجر الجزيل بدليل قوله سبحانه (قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب) ( 18).
خامسا، وسادسا، وسابعا، وثامنا: ما يشير إليه قوله تعالى من الرحمة والعطف الإلهي، (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإن إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة أولئك هم المهتدون) ( 19) فهذا الصنف من المؤمنين وصفهم الله بأنهم يقضون أمرهم إليه، فهم لذلك أهل لصلواته ورحمته وهدايته.
قال عمر رضي الله عنه في هذه الآية «نعت الله الصابرين في هذه الآية بثلاث خلال كل واحدة خير من الدنيا وما فيها، أولاها أنهم عليهم صلوات من ربهم، وثانيهما أن عليهم منه رحمة، وثالثهما انهم هم المهتدون.
4) في تجدد نزول القرآن ترويح لنفس الرسول وتخفيف عنها وقد ورد ذلك في سورة النهي عن التفجع والحزن عما بدر من المارقين والجاحدين والمشركين كما في قوله تعالى (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليهم بما يصنعون) (20 ) فقد اختار هؤلاء الكفار الكفر على الإيمان والضلالة على الهداية فلا حاجة للأسف لحالهم والاغتنام لمروقهم أو الحزن لأتباعهم أهواءهم، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن والله يقلب القلوب والأبصار، ولذلك أخبر نبيه بانهزام أعدائه مستقبلا فقال: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) ( 21) فأعداء الله وأعداء المؤمنين لا يعصمهم تجمعهم ولا تنفعهم قوتهم مهما اشتدت ويفت، وهذا إن تم في زمن نزول الوحي على الرسول (ص) فإنه جائز في غير ذلك من الأزمان والآباد ما دام لبقايا المؤمنين وجود ولنا في القرآن أعظم عبرة وأسمى توجيه، يقول جلالة الملك الحسن الثاني: «فقد حضن كتاب الله كافة المؤمنين على أن يتواصلوا بالحق حتى يتجنبوا الوقوع في مزالق الباطل، وأن يتواصلوا بالصبر حتى يواجهوا بعزم جميع التحديات والأزمات ولا يبخلوا في سبيل نصرة ملتهم والدفاع عن أمتهم ببذل أقصى الجهود وأعظم التضحيات، قال تعالى: (والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ( 22).
ومن شأن الشريعة الإسلامية أن تعود المتمكنين بها أن يكونوا في أرفع مراتب الشرف وأعلى مناصب العزة، فهي تامرهم بالتجلد، وقوتة الاحتمال ليستطيعوا مواجهة الأحداث ويتعودوا المبارزة فلا يكترثوا بما يحيق بهم من سوء، ولا يهتموا أكثر من اللازم بمصائب الدنيا علما منهم بأنهم لا شك ناجحون في الدنيا. مفلحون في الأخرى، إذا أخلصوا النية لله ولرسوله ولدينه، فعلى المؤمن أن تحدوه حوافز الإنابة إلى الله والتطارح على بابه واستحضار عميق شعور الضراعة والخضوع في مناجاته، وإصفاء النية وإخلاص الباطن في دعائه، والتبتل إليه سبحانه وتعالى والقنوت له في السر والعلن، وشكره عز زجل على ما أجز له من كريم العطاء وجليل المنــــن (23 ).
فتجارة أحباب الله التقوى، وهي تجارة لا تبور، ولا يصيبها وهن ولا كساد لأنهم هم النجوم الطوالع في علم الحقيقة وهـو الشموس في سماء الشريعة ومـن رحمة الله بخلقه أن يجعل كل مـن تزكى واتقى ربانيا منعما بالرضوان، فقد كتب على نفسه الرحمة مـن غير أن يلزم بذلك لأن الرحمة منه أصل والرأفة بغير منة.
فمن ذكره مرة ذكره مرات، ومن تقرب إليه شبرا، تقرب إليه ذراعا، ولذلك يهتف قلب المؤمن من سويدائه بحب ربه ليبثه الوجد ويأنس بحنانه حسا ومعنى كما في قوله: (إني حبيت لمن أحبني، وإني جليس لمن يناجيني) وهل من مناجاة الله أعظم من قراءة كتابه والتملي بجمال روعة كلامه وارتشاف الرضاب من محكم تنزيله، بقلب هيمان وفكر ظمآن ويقين ثابت لأن كلام الله أحسن مرتع للباحث عن الحقيقة وأقوى سند لمن يريد العون، أو ينشد القوة أو يسعى إلى الخير في أصوله وفروعه، أو يجتلب المنفعة في دنياه وأخراه، يقول جلالة الملك حامي القرآن وحامل الإسلام: «فكرت طويلا، وقلت في نفسي إنني أريد أن أدل شعبي على سلاح أكبر الأسلحة أن أدله على سبيل من أقوم السبل ألا وهو كتاب الله العزيز، وتلاوته شهر رمضان... وسيكون لنا كتاب الله العزيز صلة جديدة وحبلا متينا شديدا حتى يقينا الله جميعا كل مكروه وحتى يوصلنا إلى كل مرغوب».
وإذا كانت قـراءة القرآن كلها غنم وخير وبركات ونفع عميم، فإن الدعـوة الملكية الكريمـة لقراءته في رمضان، بقلب واحد، وسمع واحد،  وفي وقت واحد لدليل على العبقرية المولويـة الفذة ورمز إلى النبوغ الحسني الذي يعمل دائما لتآلف الأرواح، وتعاطف القلوب، واتحاد المشاعر، وما اجتمعت أمة على تلاوة الذكر الحكيم، إلا جمع الله شملها، وضم نشرها، ونظم عقدها، وراب صدعها، وألف بددها، ونظم ألفتها، ووصل حبل بقائها وازدهارها، و«ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».


  (1) اختلف في كم نزل القرآن من المدة فقيل: في خمس وعشرين سنة، وقيل في ثلاث وعشرين سنة، وقيل في عشرية نسة، ولعل سبب الخلاف راجع في سن رسول الله صلى الله وعليه وسلم.
  (2) الآية 106 من سورة الأعراف قرا ابن عباس وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب قتادة وأبو رجاء والشعبي «فرقناه بالتشديد أي أنزلناه» شيئا من بعد شئ لا جملة واحدة وقرأ جمهور الناس «فرقناه» بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل (تفسير القرطبي).
  (3) الآية 3 من سورة المزمل.
  (4) جران البعير، صدره أو مقدم عنقه، ووضعت جرانها على الأرض أي بركت.
  (5) الصلصة، الوصت الشديد الصلب اليابس من الأشياء الصلبة كالجرس ونحوه يفصح عني أي يفارقني، وعيت ما قال، أي حفظته.
  (6) يتغصد عرقا، يجري عرقه كما يجري الدم من القاصد وعن عبادة بن الصامت قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي عرفنا ذلك في فيه وغمض عينيه وتريد وجهه والزبدة في الألوان عبرة مع سواد.
  (7) بعض الآية الأولى والثانية من سورة الجن.
  (8) الآية 88 من سورة الإسراء والظهير هو المعين والنصير.
  (9) الآية 23 من سورة الزمر، وأحسن الحديث هو القرآن وسمى القرآن حديثا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث به أصحابه وقومه والقشعريرة والاضطراب والتحرك والارتعاد.
  (10) الآية 6 من سورة الأنعام.
  (11) الأية 30 من سورة الأنفال.
  (12) الآية 33 من سورة الذرايات.
  (13) الآية الأخيرة من سورة الأحقاق.
  (14) الآية 10 من سورة الزمر.
  (15) الآية 146 من سورة آل عمران وقرئ قتل بالبناء بللمجهول وهي قراءة نافع وابن جيبير وأبي عمرو ويعقوب وهي قراءة ابن عباس واختارها أبو حاتم وقرأ الكوفيون وابن عامر «قائل» وهي قراءة ابن مسعود واختارها أبو عبيد.
  (16) الآية 153 من سورة البقرة.
  (17) الآية 75 من سورة الفرقان.
  (18) الآية 10 من سورة الرمز.
  (19) الآيات 155، 156، 157 من سورة البقرة.
  (20) الآية 8 من سورة قاطر.
  (21) الآية 45 من سورة القمر.
  (22) من رسالة جللالة الملك إلى الأمة الإسلامية، جريدة الأنباء 11 ربيع الأول 1402/7 يناير 1982 السنة التاسعة عشرة ـ العدد 5658 وقد أورد جلالته هنا سورة كاملة من القرآن هي سورة العصر، وهي ثلاث آيايت والعصر هنا هو الدهر وقد أقسم الله تعالى به لما من التشبيه بتصرف الأحوال وتبدلها وما فيها من الدلالة على الصمائع، والحق هو التوحيد، والتواصي بالصبر هو التواصي على طاعة الله والصبر علة معاصيه.
  (23) من رسالة جلالة الملك إلى الحجاج الساميين، وهي منشورة بمجلة (دعوة الحق) العدد التاسع ـ السنة السابعة عشرة ذو القعدة 1396 ـ نوفمبر 1976.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here